جوزي كان عنده وشم حكايات زيزي

لمحة نيوز

مغطى بالتراب.
ريتشارد نفخ عليه، وحط الشريط جواه.
ضغط زر التشغيل.
في الأول...
ماكانش فيه غير تشويش.
ثم خرج صوت رجل عجوز...
واضح إنه صوت الأب توماس.
قال بهدوء
إذا كنتم بتسمعوا الرسالة دي... فاعرفوا إنكم اقتربتم من الحقيقة.
ساد صمت.
ثم أكمل
لكن قبل ما أكشف السر... لازم تعرفوا إن في شخص حضر الحادث من بدايته للنهاية... وما قالش الحقيقة لأي حد.
ريتشارد قبض على إيد الكرسي بقوة.
أما روز...
فوشها اصفر فجأة.
لأن الأب توماس قال الاسم التالي مباشرة...
الشخص ده... موجود معاكم دلوقتي في الكنيسة ساد صمت ثقيل.
كل واحد فينا بص للتاني.
أنا...
روز...
ريتشارد...
والتر...
والرجل اللي ادعى إن اسمه دانيال.
كلنا بقينا نشك في بعض.
الشريط كمل يشتغل، وصوت الأب توماس خرج أوضح
قبل ما تظلموا أي حد... اسمعوا الرسالة للنهاية.
ريتشارد بلع ريقه، وما حدش نطق.
الأب توماس قال
الشخص اللي حضر الحادث... ما كانش مجرم. بالعكس، هو أنقذ حياة شخص، لكنه اضطر يسكت بسبب وعد قطعه.
والتر نزل عينيه للأرض.
إحنا كلنا بصينا له.
قال بسرعة
متبصوش لي بالشكل ده... اسمعوا الرسالة.
رجع صوت الأب توماس
يا والتر... لو أنت لسه عايش وبتسمع كلامي، فقد حان الوقت توفي بوعدك.
والتر قفل عينيه.
ولأول مرة من ساعة ما عرفناه...
دمعة نزلت على خده.
قال بصوت مكسور
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
أنا قربت منه.
إيه الوعد؟
تنهد طويلًا، وقال
يوم الحادث... أنا وصلت قبل الإسعاف.
ريتشارد اتجمد.
والتر كمل
لقيت العربية محطمة... وروز فاقدة الوعي، والطفل بيعيط، وريتشارد مصاب في رأسه.
روز كانت بتسمع وهي ماسكة نفسها
بالعافية.
طلبت الإسعاف... وبعدها أبو ريتشارد وصل.
كلنا سكتنا.
أول حاجة قالهالي كانت ابني لو عرف إن مراته وابنه اختفوا قدامه وهو عاجز، عمره ما هيقوم تاني.
قلت
لكنهم ماكانوش ماتوا.
هز رأسه.
أعرف... لكن وقتها محدش كان يعرف هيعيشوا ولا لأ.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا جدًا.
وقال
ده آخر شيء سلمنيه والد ريتشارد قبل وفاته، وطلب مني ما أسلمهوش إلا بعد ما الحقيقة كلها تتكشف.
ريتشارد أخد الظرف ببطء.
كان عليه بخط والده
إلى ابني... إذا سامحتني.
ريتشارد فتحه...
لكن قبل ما يقرأ أول كلمة...
انطفأت أنوار الكنيسة كلها دفعة واحدة.
وغرق المكان في ظلام تام.
ثم سمعنا صوت الباب الرئيسي وهو يُفتح ببطء...
وصوت خطوات شخص يدخل إلى الداخل، ويقول بهدوء
متفتحش الرسالة... لأن فيها حقيقة ناقصة الظلام كان خانق.
محدش شايف وش التاني.
كل اللي كنا سامعينه هو صوت الخطوات وهي بتقرب على أرضية الكنيسة الخشبية.
خطوة...
خطوة...
خطوة...
لحد ما وقف الشخص على بعد أمتار قليلة مننا.
ثم اشتعل نور صغير.
مصباح يدوي.
انعكس الضوء على وجه رجل مسن، ملامحه هادئة، ولابس بدلة قديمة.
والتر أول ما شافه، شهق
إدوارد؟!
الرجل ابتسم ابتسامة باهتة.
لسه فاكرني.
ريتشارد بص بين الاتنين باستغراب.
مين ده؟
والتر رد بصوت مرتبك
إدوارد... كان المحاسب الشخصي لوالدك.
إدوارد هز رأسه.
وآخر واحد قابله قبل وفاته.
بص لريتشارد مباشرة وقال
متقراش رسالة أبوك دلوقتي.
ريتشارد شد الرسالة في إيده.
ليه؟
إدوارد قال بهدوء
لأن والدك كتبها وهو فاكر إن في شخص خان الأمانة.
سكت لحظة.
ثم أكمل
وبعدها بساعات... اكتشف إنه
كان مخطئ.
ساد الصمت.
أنا قلت
يعني الرسالة فيها اتهام لشخص بريء؟
بالضبط.
والتر نزل رأسه.
واضح إنه فهم المقصود.
إدوارد طلع من جيبه ظرفًا تاني، أقدم من الأول، وحطه جنب رسالة والد ريتشارد.
وقال
بعد ما اكتشف الحقيقة، كتب رسالة تانية.
ريتشارد همس
وليه محدش سلّمهالي؟
إدوارد رد
لأنه توفي قبل ما يقدر يغير وصيته، فبقيت الرسالتين منفصلتين.
ريتشارد مسك الظرفين.
واحد مكتوب عليه
إذا سامحتني.
والتاني
إذا أردت الحقيقة كاملة.
بص لإدوارد.
أفتح أنهي واحدة؟
ابتسم إدوارد وقال
أي واحدة هتفتحها الأول... هتغير نظرتك لكل اللي حصل.
في اللحظة دي...
جرس الكنيسة دق فجأة.
دقة واحدة.
ثم اتنين.
ثم تلاتة.
وروز بصت من الشباك، واتغير لون وشها.
قلت بقلق
في إيه؟
رفعت إيدها ناحية الساحة الخارجية.
كلنا بصينا.
كانت عربية شرطة واقفة قدام الكنيسة.
لكن الغريب...
إن الضابط أول ما نزل منها، رفع صورة كبيرة في إيده، وسأل بصوت عالي
مين فيكم ريتشارد ميلر؟ عندنا حاجة بقالها عشرين سنة مستنية تتسلم لصاحبها ريتشارد خرج من الكنيسة وهو ماسك الظرفين في إيده، والضابط كان واقف مستنيه.
قال الضابط
حضرتك ريتشارد ميلر؟
هز راسه.
سلمه صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وقال
الصندوق ده كان أمانة في قسم الشرطة من عشرين سنة. وصية صاحبه كانت واضحة ما يتسلمش إلا بعد ما تتكشف الحقيقة.
فتح ريتشارد الصندوق ببطء.
لم يكن فيه ذهب...
ولا أوراق ملكية...
ولا أموال.
كان فيه دفتر مذكرات قديم، وخاتم زواج، ورسالة أخيرة من والده.
فتح الرسالة، وبدأ يقرأ بصوت مرتعش
يا ابني... لو وصلت للرسالة دي، فأنا غالبًا مش هكون موجود.
سامحني إني خبيت الحقيقة عنك. يوم الحادث، الأطباء قالولي إن ذاكرتك ممكن تنهار لو عرفت إن روز والطفل اختفوا في نفس اللحظة. اخترت أحميك، حتى لو هتكرهني بعدين.
سكت ريتشارد، والدموع نزلت على خده.
ثم أكمل
أنا ما سرقتش منك سنين عمرك... أنا كنت بحاول أحافظ على اللي باقي منها. ولو ربنا جمعك بروز تاني، أوعى تضيع عمرك في الندم. ابدأ من جديد، لكن من غير ما تظلم حد.
أغلق الرسالة، واحتضنها في صمت.
ثم فتح دفتر المذكرات.
كان فيه يوميات والده طوال السنوات التي قضاها وهو يبحث عن روز، ويكتب كل محاولة فاشلة للوصول إليها، وكل مرة كان يظن أنها ماتت فعلًا.
رفع ريتشارد رأسه ونظر إلى روز.
قال بصوت مكسور
سامحيني... عشت عشرين سنة فاكر إنك رحلتي.
ابتسمت روز وسط دموعها.
وأنا عشت عشرين سنة فاكرة إنك نسيتني.
تقدمت نحوه، وصافحته فقط.
لا عناق...
ولا وعود بالرجوع.
فكل واحد منهما أصبح له حياة مختلفة، والسنين لا تعود.
ثم التفتت إليّ.
أمسكت يدي وقالت
إيفلين... أشكرك إنك جيتي تسمعي الحقيقة بدل ما تحكمي علينا.
ابتسمت لها.
وأجبت بهدوء
الحقيقة كانت مؤلمة... لكنها أنقذت قلوبنا من الكراهية.
في اليوم التالي، ذهب ريتشارد إلى مركز متخصص، وأزال الوشم من على صدره.
ليس لأنه كره الماضي...
بل لأنه لم يعد يحتاج إلى صورة تذكره بمن يحب أو بمن فقد.
أما الصورة الحقيقية، فقد عادت إلى مكانها الصحيح... في الذاكرة.
وأُغلقت ملفات الحادث رسميًا بعد إثبات خطأ سجلات المستشفى والوفاة، واعتُبر ما حدث مأساة سببها الإهمال الإداري، لا الخيانة ولا الخداع.
وبقي خاتم الزواج القديم داخل الصندوق
الخشبي في بيت ريتشارد، كتذكار لمرحلة لن تتكرر، ورسالة مكتوب على غلافها
أحيانًا... أكبر الأسرار لا تكشف خيانة، بل تكشف كم يمكن للحب والخوف أن يغيّرا مصير عائلة كاملة.
تمت.

تم نسخ الرابط