جوزي كان عنده وشم حكايات زيزي
جوزي كان عنده وشم لست على صدره بقاله 20 سنة... وكان دايمًا يقسملي إنها مجرد رسمة خيالية، لحد ما اكتشفت الحقيقة.
أول مرة شفت الوشم كانت وإحنا في شهر العسل.
كان وشم لست جميلة، وشها مرسوم على صدر ريتشارد، ورا ودنها وردة صغيرة.
سألته مين دي؟
ضحك وحضني وقال ولا حد يا إيفلين... الرسام هو اللي اخترع شكلها لما كنت عندي 19 سنة.
وصدقته.
فضلت مصدقاه سنين... في وقت الفقر، وفي الأيام الصعبة، ولحد ما ربينا بنتنا كلير سوا.
لكن الشهر اللي فات، وأنا بدور في صندوق أوراق التأمين، لقيت صورة قديمة متخبية تحت الملفات.
الصورة كانت لست عندها نفس الوردة الصغيرة ورا ودنها... بالظبط زي الوشم.
وكانت شايلة طفل رضيع في أوضة الولادة.
وعلى ضهر الصورة كان مكتوب 6 كلمات
سامحيني يا روز... ماكنتش أعرف ساعتها.
إيدي بدأت ترتعش.
قلبت الصورة، ولقيت رسالة بخط إيدها
ريتشارد... كنت مستنية ألاقيك أخيرًا. افتكرت إن اليوم ده عمره ما هييجي.
اتصلت بالرقم اللي كان مكتوب معاها.
رفضت ترد على أي سؤال.
كل اللي قالته إنها كتبتلي عنوان مطعم في المدينة اللي جنبنا، وطلبت مني أقابلها هناك.
ما استنيتش ريتشارد يرجع من الشغل.
كنت متوترة لدرجة إني عدّيت مدخل المطعم مرتين قبل ما أعرف أدخل.
لقيت روز قاعدة لوحدها في آخر ترابيزة.
شعرها بقى أبيض، وإيديها بترتعش وهي ماسكة فنجان القهوة.
أول ما شافتني قالت بهدوء
إنتِ إيفلين... الزوجة اللي على صدر جوزها صورتي.
وشها اتغير، وكأنها شايلة حمل السنين كلها.
وقبل ما ترد على أي سؤال، سمعنا جرس باب المطعم بيرن.
لفّينا الاتنين نبص.
ولما شفت مين اللي داخل علينا...
حسيت إني هقع من طولي.
حكايات_زيزي
الباب اتفتح ببطء...
ودخل ريتشارد.
أول ما وقعت عينه علينا، وقف مكانه كأنه اتجمد. الكوباية اللي كانت في إيده وقعت على الأرض واتكسرت، والناس كلها بصت ناحيته، لكنه ما سمعش أي صوت.
بص لروز، وبعدها بصلي.
ولأول
همس وهو بيقرب بخطوات تقيلة
إنتِ... لقيتيها؟
ردت روز بهدوء وهي بتقوم من مكانها
بعد عشرين سنة يا ريتشارد... أخيرًا.
أنا بصيت له بعصبية وقلت
مين دي؟ وإيه حكاية الوشم؟ وإيه معنى الرسالة والصورة؟
فضل ساكت كام ثانية، كأنه بيدور على كلام يقدر يقوله.
وبعدين قال
قبل ما أعرفك بسنين... روز كانت مراتي.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
لكن الغريب إن روز هزت راسها بسرعة وقالت
قوله الحقيقة كلها... مش نصها.
تنهد ريتشارد وقعد على الكرسي.
إحنا اتجوزنا وإحنا صغيرين جدًا... كنت لسه في الجيش، وهي كانت حامل في شهرها الأخير. وفي يوم حصل حادث في الطريق وهي رايحة المستشفى.
روز كملت بصوت مبحوح
قالوا له إن العربية وقعت في النهر... وإن أنا والطفل متنا.
بصيت بينهم بعدم تصديق.
ريتشارد قال وهو بيكتم دموعه
أنا استلمت شهادة وفاة... وشفت جنازة مقفولة. قالوا ممنوع فتح النعش بسبب الحادث.
انهرت... وفضلت شهور مش قادر أصدق. وبعدها بسنين عملت الوشم... عشان أفضل فاكر وشها طول عمري.
روز أخرجت ظرفًا قديمًا من شنطتها، وحطته قدامي.
وقالت
لكن الحقيقة... أنا ما متش.
أنا فتحت الظرف بسرعة.
كان فيه أوراق مستشفى قديمة، وصور، وخطابات رسمية.
كلها بتتكلم عن حادث، ونقل لمستشفى في ولاية تانية، وتغيير في الهوية بعد خطأ إداري غريب.
بصيت لريتشارد، كان مذهول بنفس الدرجة.
وقال بصوت مرتعش
يعني... كل السنين دي كنتي عايشة؟
روز نزلت دموعها لأول مرة.
وأنا كنت فاكرة إنك سبتني بعد ما فوقت... لأن كل خطاب بعتّهولك رجعلي مختوم العنوان غير معروف.
ثم سكتت لحظة، وبصت ناحيتي.
وقالت
بس أنا ما طلبتش أقابلكم عشان أرجع الماضي... أنا جيت عشان في حاجة لازم تعرفوها.
وسحبت من الظرف صورة تانية...
صورة لطفل صغير واقف جنبها.
ولما قلبت الصورة...
اتسمرت مكاني من الجملة المكتوبة عليها قلبي بدأ يدق بعنف.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب بخط روز
الصورة دي اتصورت بعد 18 سنة من الحادث... وبعد ما اكتشفنا الحقيقة اللي خلتنا نفتح الملف من جديد.
رفعت عيني بسرعة وقلت
ملف إيه؟
روز ما ردتش.
بصت لريتشارد وقالت
فاكر اسم الضابط اللي سلّمك شهادة الوفاة؟
ريتشارد عقد حواجبه.
جوناثان ميلر... ليه؟
أخرجت قصاصة جريدة قديمة من الظرف، ودفعتها ناحيته.
كان عنوانها كبير
القبض على موظفين بمستشفى وضابط شرطة بعد كشف شبكة تزوير في سجلات الحوادث وشهادات الوفاة.
ريتشارد قرأ أول سطر... وفجأة وشه اصفر.
الاسم كان موجود فعلًا.
نفس الضابط.
قال بصوت مخنوق
يعني... شهادة وفاة روز كانت مزورة؟
هزت رأسها وقالت
إحنا الاتنين كنا ضحايا. أنت صدقت إني مت... وأنا صدقت إنك اختفيت وسافرت وبدأت حياة جديدة.
أنا كنت ساكتة، بحاول أستوعب كل كلمة.
لكن كان في سؤال واحد مش بيفارق دماغي.
بصيت للصورة مرة تانية.
وأشرت للولد اللي واقف جنبها.
وقلت
وده مين؟
روز ابتسمت ابتسامة حزينة.
ده الطفل اللي كنت شايله في صورة المستشفى.
ريتشارد اتسمرت عينه على الصورة.
إيده بدأت ترتعش.
همس
مستحيل... قالولي إنه مات معاك.
روز هزت رأسها.
لأ... عاش.
ساد الصمت في المطعم كله.
ولا واحد فينا كان قادر ينطق.
لكن روز طلعت ورقة أخيرة من الظرف، وحطتها قدام ريتشارد.
وقالت
قبل أسبوعين بس... ابني طلب مني أديك الورقة دي بنفسي.
ريتشارد فتحها بإيد مرتعشة...
وأول ما قرأ أول سطر...
شهق بقوة، ودموعه نزلت من غير ما يحس.
أما أنا...
فلما لمحت السطر الأول من الرسالة...
عرفت إن السر اللي كان مستخبي عشرين سنة... أكبر بكتير من مجرد وشم على صدره ريتشارد فضل باصص في الورقة، وإيده بترتعش لدرجة إنها كانت هتقع منه.
مديت إيدي آخدها، لكنه قفلها بسرعة.
قلت بانفعال
أنا من حقي أعرف!
بصلي، وعينيه مليانة دموع لأول مرة من سنين.
وقال بصوت مكسور
من حقك... بس اديني دقيقة.
روز قالت بهدوء
خليها تقرأ.
سلمها لي.
فتحت الرسالة...
وكان أول سطر مكتوب
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أمي قدرت تلاقيك أخيرًا.
كملت القراءة.
أنا مش جاي أدور على أب، ولا على ميراث، ولا عايز أغير حياة حد. أنا عايز أعرف الحقيقة بس... ليه اسمي اختفى من كل الأوراق؟
رفعت عيني لريتشارد.
كان مذهول.
روز قالت
لما الحادث حصل، ملفات كتير اتبدلت. شهادة ميلاده الأصلية اختفت، واتسجل باسم عيلة تانية بشكل مؤقت، وبعدها الإجراءات اتلخبطت، وكل واحد افتكر إن التاني مات.
ريتشارد همس
يعني... هو عاش عمره كله من غير ما يعرف الحقيقة.
هزت رأسها.
ولما بقى راجل، بدأ يدور بنفسه.
سألتها بسرعة
هو فين دلوقتي؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
كان المفروض يكون هنا النهارده.
بصيت حواليّا.
أمال فين؟
طلعت موبايلها، واتصلت بيه.
رن...
مرة...
واتنين...
وتلاتة...
لكن محدش رد.
ابتسامتها اختفت.
بعد ثواني، وصلها إشعار.
فتحت الرسالة...
ولون وشها اتغير فجأة.
همست وهي بتبص للشاشة
مستحيل...
ريتشارد قام من مكانه.
في إيه؟
ناولته الموبايل.
قرأ الرسالة، واتسع نظره.
كان مكتوب فيها
متدوروش عليا... قبل ما أقابلكم، اكتشفت حاجة في ملف الحادث غيرت كل اللي كنا فاكرينه. وفي شخص لحد النهارده بيحاول يخفي الحقيقة.
ثم كان فيه سطر أخير...
ولو وصلكم الظرف الأسود... ما تفتحهوش قبل ما أوصلكم فضلنا نبص لبعض في ذهول.
أنا أول واحدة كسرت الصمت.
قلت إيه هو الظرف الأسود؟
روز بلعت ريقها وقالت
أنا معرفش... عمره ما قالي غير الجملة دي.
وقبل ما حد فينا ينطق، جرس المطعم رن تاني.
دخل شاب في آخر العشرينات، لابس بدلة سودة، وماشي وهو بيسأل عن اسم ريتشارد.
وقف قدام ترابيزتنا وقال
حضرتك الأستاذ ريتشارد؟
ريتشارد هز راسه.
الشاب طلع ظرف أسود صغير، مختوم بالشمع الأحمر.
وقال
ده أمانة... اتطلب مني أوصله لحضرتك النهارده الساعة خمسة بالظبط.
قلبي وقع.
بصيت لريتشارد، وهو بص لروز.
نفس اللحظة افتكرنا آخر سطر في الرسالة
لو
الشاب استغرب ترددنا وقال
في حاجة؟
ريتشارد أخد الظرف، لكنه ما فتحوش.
سأله
مين اللي اداهولك؟
رد الشاب
راجل كبير في السن... كان بيشتغل