جتلتوا يا عاصم

لمحة نيوز

أكملت السير إلى جواره في هدوء.
ومن بعيد...
كانت عينان تراقبان المشهد في صمت، قبل أن يبتعد صاحبهما سريعًا.
لم يكن عاصم ولا بدور يعلمان أن هناك من بدأ يجمع الأخبار عنهما، تمهيدًا لضربة جديدة، لكن هذه المرة... لن تكون موجهة إلى بدور وحدها، بل إلى عائلة ياسين كلها.
يتبع...
تناول ياسين الظرف بيده، وتأمله للحظات، ثم نظر إلى حسين مستغربًا.
وصية من خالك الله يرحمه؟ بعد السنين دي كلها؟
أومأ حسين برأسه وقال
أيوه يا أبو سالم. قبل ما يتوفى بأيام، سلمني الظرف بنفسه، وقال لي ما تفتحوش إلا قدام ياسين، ولو ربنا كتبلك ترجع البلد.
تنهد ياسين وهو يفض الختم القديم بحذر.
ساد الصمت في المجلس، ولم يعد يُسمع سوى صوت الورق وهو يُفتح.
بدأ يقرأ بصوت منخفض، ثم تغيرت ملامحه فجأة.
قال حسين بقلق
خير؟
رفع ياسين رأسه، وعيناه امتلأتا بالدهشة.
الله يرحمك يا خال... حتى بعد موتك بتصلح بين الناس.
سأله حربي بفضول
فيه إيه يا جدي؟
وضع ياسين الورقة على الطاولة وقال
خالي كتب إنه كان شاهد على أرض حصل فيها ظلم من سنين، والأرض دي حقها راجع لناس اتسلب منهم حقهم.
سأل حسين
ولناس مين؟
رد ياسين وهو يقرأ الاسم مرة أخرى
لرضوانة... أم نسمة.
شهق الجميع في وقت واحد.
رضوانة!
رددها حربي بدهشة، بينما عقد عاصم حاجبيه وقال
يعني أرض أم نسمة كانت حقها واتاخدت منها؟
هز ياسين رأسه في صمت.
والوصية فيها أسماء الشهود وحدود الأرض كمان.
قال حسين
وأبويا كتب إنه مستعد يقابل أي حد يشهد بالحق لو كان لسه عايش... لكن ربنا افتكره.
تنهد ياسين وقال بحزم
خلاص... الحق لازم يرجع لأصحابه، مهما طال الزمن.
في بيت رضوانة...
كانت نسمة تجهز العشاء، حين سُمع طرق على الباب.
خرج مروان ليفتح، ثم عاد مسرعًا.
يا أمي... الحج ياسين برا.
دخل ياسين ومعه حربي وعاصم.
استقبلتهم رضوانة بترحاب، لكنها لاحظت الجدية على وجوههم.
قالت بقلق
خير يا أبو سالم؟
جلس ياسين وأخرج الورقة من جيبه.
عندي أمانة لازم
توصلك.
ناولها الورقة.
بدأت رضوانة تقرأ، وما إن وصلت إلى منتصفها حتى ارتجفت يداها.
سقطت دموعها دون أن تشعر.
همست بصوت مكسور
يعني... حق جوزي ما ضاعش؟
قال ياسين بثقة
لا ضاع... ولا هيسيبه حد يضيع تاني.
احتضنت رضوانة ابنتها وهي تبكي، بينما كانت نسمة تنظر إلى ياسين بعينين مليئتين بالامتنان.
وفي الناحية الأخرى...
وصل الخبر إلى هاشم قبل غروب الشمس.
ضرب بيده على الطاولة بعنف.
يعني ياسين بدأ يفتح ملفات قديمة!
سأله معتصم بقلق
وإحنا مالنا بالأرض؟
نظر إليه هاشم نظرة غامضة وقال
مالناش... لو الأمور فضلت مستخبية.
ثم سكت، وكأن في صدره سرًا لا يريد لأحد أن يعرفه.
أما معتصم، فشعر لأول مرة أن الأمر أكبر مما كان يتخيل.
يتبع...
في مساء ذلك اليوم...
كان المجلس العرفي قد تحدد موعده بعد ثلاثة أيام، وانتشر الخبر في البلد كلها.
جلس هاشم في المندرة، وإلى جواره معتصم وانتصار.
قالت انتصار وهي تنظر إلى هاشم
لو الأرض رجعت لرضوانة، هيبقى لينا شكل قدام الناس؟
رد هاشم وهو يفكر
الأرض مش أكبر همي... اللي شاغلني إن ياسين كل يوم كلمته بتزيد، والناس بقت تمشي وراه.
قال معتصم بحقد
وأنا السبب؟
نظر إليه هاشم نظرة قاسية.
أنت السبب في نص اللي إحنا فيه... لو كنت عرفت تربي نفسك، ماكناش وصلنا لكده.
سكت معتصم وهو يعض على شفتيه في غيظ.
في بيت ياسين...
كان الجميع مجتمعين بعد العشاء.
قال ياسين وهو ينظر إلى عاصم
يا ولدي... أوعى تخلي غضبك يسبق عقلك الأيام الجاية.
رد عاصم
حاضر يا جدي.
ثم التفت إلى حربي وقال
وأنت كمان، خلّيك جنب رضوانة ونسمة لو احتاجوا حاجة.
أومأ حربي
من غير ما توصيني.
لاحظت هدية اهتمام ابنها الزائد، لكنها فضلت السكوت.
في صباح اليوم التالي...
خرجت نسمة إلى السوق برفقة والدتها.
وبينما كانتا تشتريان بعض الاحتياجات، توقفت سيارة سوداء بجوارهما.
نزل منها رجل أنيق في الأربعين من عمره.
اقترب باحترام وقال
السلام عليكم... لو سمحتم، حضرتك أم جابر؟

ردت رضوانة باستغراب
أيوه... خير؟
ابتسم الرجل وقال
أنا محامي، وجاي من القاهرة.
تبادلت نسمة ورضوانة النظرات في دهشة.
قال المحامي
عندي أوراق تخص المرحوم جابر... ولازم أوصلها ليكم بنفسي.
ازداد تعجب رضوانة.
أوراق إيه؟
أخرج الرجل حقيبة صغيرة، وقال
المرحوم كان مودعها في مكتب محاماة من سنين، وكتب إنها تتسلم لورثته لو حصل له أي مكروه.
شهقت رضوانة وهي تضع يدها على صدرها.
أما نسمة، فشعرت أن أسرار الماضي بدأت تنكشف واحدًا تلو الآخر.
في الجهة الأخرى...
كان عاصم يقف أمام الغيط عندما اقترب منه بدور.
قالت بخجل
كنت عايزة أشكرك.
ابتسم.
على إيه؟
على كل مرة حسستني فيها إني مش لوحدي.
ساد الصمت بينهما.
ثم قال عاصم بصوت هادئ
يا بدور... فيه كلام نفسي أقوله من زمان.
رفعت عينيها إليه، وقلبها يخفق بقوة.
لكن قبل أن ينطق...
جاء صوت سيارة مسرعة، وتوقف أحد الرجال أمامه وهو يلهث.
يا عاصم... إلحق بسرعة... جدك ياسين وقع في المجلس، والناس كلها متجمعة عنده!
تغير لون وجه عاصم في لحظة.
جرى نحو سيارته، بينما ركض حربي من الجهة الأخرى بعدما سمع الخبر.
أما بدور، فظلت واقفة مكانها، وقلبها يدعو
يارب... احفظه.
يتبع...النهاية
وصل عاصم وحربي إلى المجلس وهما يركضان، ليجدا ياسين جالسًا على الأرض، وحوله رجال البلد.
اندفع عاصم نحوه وهو يصيح
جدي!
ابتسم ياسين ابتسامة مطمئنة وقال
متخافش يا ولدي... مجرد هبوط بسيط من الضغط، أنا بخير.
تنفس الجميع الصعداء، وأصر الطبيب على أن يجلس ياسين قليلًا قبل أن تُستكمل الجلسة.
وقف ياسين بعدها، رغم اعتراض الجميع، وقال بصوت ثابت
الحق ما يستناش، والناس كلها شاهدة.
بدأ المجلس العرفي، وعُرضت الوصية والأوراق القديمة، ثم وقف كبار السن الذين كانوا شهودًا على الواقعة منذ سنوات، وأكدوا أن الأرض بالفعل كانت حقًا لزوج رضوانة الراحل، وأنها سُلبت منه بالباطل.
ساد الصمت، ثم وقف العمدة هاشم وقال أمام الجميع
الحق لازم يرجع لأصحابه..
. وأنا أول واحد موافق على الحكم.
صدر الحكم العرفي برد الأرض كاملة إلى رضوانة وورثتها، مع اعتذار علني عما وقع عليهم من ظلم.
انفجرت رضوانة في البكاء، بينما احتضنت نسمة والدتها وهي تقول
الحمد لله... حق أبويا رجع.
أما عيد، فقد حضر المجلس وهو يأمل أن يُجبر نسمة على العودة إليه.
لكن ياسين التفت إليه وقال بحزم
البت من أول يوم قالت رأيها، ومحدش له سلطة عليها. إن كانت عايزة ترجع، فبمزاجها، وإن كانت عايزة الطلاق، فهو حقها.
وقفت نسمة بكل ثبات وقالت أمام الجميع
أنا بطلب الطلاق... ومستحيل أرجع لراجل أهان كرامتي.
لم يجد عيد ما يقوله، وبعد تدخل كبار العائلة، تم الاتفاق على إنهاء الزواج بالمعروف، مع حصول نسمة على جميع حقوقها.
خرجت من المجلس وهي تشعر لأول مرة أنها استعادت نفسها.
وبعد أشهر...
تقدم حربي رسميًا لخطبة نسمة.
نظر إليها ياسين مبتسمًا وقال
القرار قرارك يا بتي.
ابتسمت نسمة وهي تنظر إلى حربي، الذي لم يضغط عليها يومًا، واكتفى بدعمها واحترامها.
قالت بخجل
موافقة.
امتلأ البيت بالزغاريد، وابتسم ياسين وهو يحمد الله أن عوضها خيرًا.
وفي الجانب الآخر...
وقف عاصم أمام راجح وقال
يا عمي... أنا داخل البيت من بابه، وعايز إيد بدور.
نظر راجح إلى ابنته.
خفضت بدور رأسها، ثم قالت بصوت خافت
موافقة.
ابتسم راجح، ومد يده يصافح عاصم، بينما كانت نعمات تمسح دموع الفرح.
أما نيرة فهتفت ضاحكة
أخيرًا... كنتوا فاكرين محدش واخد باله!
فضحك الجميع.
وبعد فترة قصيرة...
اجتمع أهل البلد في ليلة كبيرة امتلأت بالفرح.
كان عقد قران عاصم وبدور، وخطوبة حربي ونسمة في الليلة نفسها.
جلس ياسين في صدر المجلس، ينظر إلى أولاده وأحفاده، وعيناه تلمعان بالرضا.
اقترب منه عاصم وقبّل رأسه وقال
كل الخير ده بفضل ربنا... ثم حكمتك يا جدي.
ربت ياسين على كتفه وقال
افتكروا دايمًا... الرجولة مش قوة اليد، الرجولة إنك تصون اللي معاك، وتجبر خاطر الضعيف، ومتظلمش حد.
هز الجميع
رؤوسهم موافقين.
ومع ارتفاع أصوات الزغاريد، وابتسامات الفرح التي ملأت الوجوه، أُغلقت صفحة الألم، وبدأت صفحة جديدة عنوانها العدل، والكرامة، والحب الذي جاء في وقته.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط