جتلتوا يا عاصم

لمحة نيوز

خلاص موقفها واضح، والبنت مش عايزة ترجع، وأنا شايف إن محدش له حق يجبرها.
أومأ راجح برأسه.
وأنا معاك، اللي شافته منها كتير.
تنهد ياسين وقال
بس اللي شاغلني دلوقتي حاجة تانية.
إيه هي؟
عاصم.
تعجب راجح.
ماله؟
ابتسم ياسين بخفة.
قلبه سبق عقله... وأنا شايفه من زمان.
ابتسم راجح هو الآخر وقال
تقصد بدور؟
لم يرد ياسين، واكتفى بابتسامة أكدت كل شيء.
في بيت نعمات...
كانت بدور تساعد والدتها في إعداد الطعام، لكن عقلها كان شاردًا.
لاحظت نعمات ذلك.
مالِك يا بتي؟ بقالك يومين سرحانة.
ابتسمت بدور محاولة إخفاء مشاعرها.
مفيش يا أمي.
دخلت نهال فجأة وهي تضحك.
مفيش إيه؟ دي حتى الملح حطيتيه مرتين.
شهقت بدور.
يا ساتر!
ضحكت نعمات وقالت
ربنا يستر... شكلك قلبك في حتة تانية.
ازداد خجل بدور، فهربت إلى المطبخ وسط ضحكات الجميع.
في الناحية الأخرى...
كان معتصم يقف أمام المرآة، وآثار الضرب بدأت تختفي، لكن نار الإهانة كانت تزداد.
دخل هاشم وقال
لسه مصمم تنتقم؟
رد معتصم وهو يضغط على أسنانه
مش هرتاح غير لما أكسر فرحتهم.
اقترب منه هاشم وقال بصوت منخفض
يبقى العبها بالعقل... الضربة اللي من غير صوت هي اللي بتوجع.
أومأ معتصم، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة.
وفي المستشفى...
كان مدحت ينهي الكشف على آخر مريض، عندما لمح نهال تنتظره في نهاية الممر.
اقترب منها مبتسمًا.
استنيتِ كتير؟
هزت رأسها.
لو يوم كامل... مستاهل.
ابتسم رغم خجله.
هتيجي أخطبك قريب... بس بعد ما موضوع نسمة يخلص.
نظرت إليه بعينين تلمعان.
وأنا هستناك... حتى لو استنيت العمر كله.
ابتسم مدحت، ثم قال
لا... العمر كبير، وأنا مش هصبر كل ده.
فضحكت نهال، وامتزج صوت ضحكتها بصوت خطوات الممرضين في الممر.
وفي المساء...
كان عاصم عائدًا من الغيط، يحمل على كتفه فأسه، عندما لمح بدور تقف أمام باب منزلها تسقي الزرع.
توقفت هي عندما رأته.
اقترب بخطوات هادئة وقال
مساء الخير.
مساء النور.
ساد بينهما صمت قصير.
ثم قال عاصم
بدور...
رفعت عينيها إليه.
نعم؟
تنهد وقال
لو احتجتي أي حاجة... أي حاجة، حتى لو كانت صغيرة... ابعتيلي.
ابتسمت ابتسامة دافئة وقالت
عارفة... ومطمنة.
وقبل أن يرد، خرجت نيرة من البيت فجأة وهي تقول بصوت مرتفع
يا سلام! هو أنا جيت في وقت غلط ولا إيه؟
ابتعد الاثنان
بسرعة، بينما انفجرت نيرة في الضحك وهي تردد
والله الحكاية دي قربت تتكشف... وأنا أول واحدة هفرح بيها.
نظر إليها عاصم محرجًا وقال
يا بت بطلي رغي.
ضحكت أكثر، بينما اكتفت بدور بخفض رأسها، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها.
يتبع...في مساء اليوم نفسه...
دخل معتصم إلى ديوان العمدة، وعلامات الغضب بادية على وجهه.
رفع هاشم رأسه وقال
مالك؟
رد معتصم وهو يجلس بعنف
شفت بعيني... عاصم واقف مع بدور، وبيشيل عنها الجردل وكأنه جوزها.
نظر إليه هاشم بهدوء وقال
وبعدين؟
وبعدين إيه؟! لازم الناس كلها تعرف.
قطب هاشم حاجبيه وقال بصرامة
إوعى تعملها.
تعجب معتصم.
ليه؟
رد هاشم
لأن لو فتحت السيرة دي، الناس أول حاجة هتفتكرها إنك إنت السبب في كل اللي حصل. وساعتها هتبقى فضيحة عليك مش عليهم.
عض معتصم على شفتيه في غيظ.
أمال أعمل إيه؟
اقترب منه هاشم وقال بصوت منخفض
استنى... كل حاجة بوقتها.
في بيت ياسين...
كان الجميع مجتمعين على العشاء.
قالت هدية وهي تنظر إلى ابنها حربي
يا ولدي... أنت بقيت تسرح كتير اليومين دول.
ابتسم حربي وهو يحاول تغيير الموضوع.
تعب شغل بس.
ضحك عاصم وقال
شغل؟ ولا حاجة تانية؟
رمقه حربي بنظرة حادة.
كل يا عاصم وسيبك مني.
لاحظ ياسين نظرات الاثنين، فاكتفى بابتسامة صغيرة وهو يشرب الشاي.
في صباح اليوم التالي...
خرجت بدور متجهة إلى المدرسة.
وبينما كانت تسير، فوجئت بسيارة تقف أمامها.
نزل منها رجل في منتصف العمر، يرتدي بدلة أنيقة.
نظر إليها باهتمام وقال
لو سمحتي... دي دار الحاج سالم؟
أشارت بدور إلى آخر الشارع.
أيوه... آخر بيت على اليمين.
ابتسم الرجل.
شكرًا يا بنتي.
انصرف بسيارته، لكنها شعرت أن ملامحه مألوفة، وكأنها رأته من قبل.
وصل الرجل إلى منزل سالم، ونزل من السيارة.
خرج ياسين في تلك اللحظة، وما إن وقعت عيناه عليه حتى اتسعت عيناه بدهشة.
معقول... حسين؟
ابتسم الرجل ومد يده.
وحشتني يا أبو سالم.
احتضنه ياسين بحرارة.
خرج أهل البيت جميعًا على الصوت، وهم يتساءلون عن هوية الضيف.
قال ياسين بابتسامة كبيرة
ده حسين... ابن خالي. مسافر من أكتر من عشرين سنة.
رحب الجميع به، بينما كانت المفاجأة الكبرى عندما قال حسين
أنا ما رجعتش مخصوص أزوركم وبس... أنا راجع أنفذ وصية أبويا قبل ما يموت.
ساد الصمت.
نظر
ياسين إليه باستغراب.
وصية إيه؟
أخرج حسين ظرفًا قديمًا من حقيبته، وقال
الوصية دي بقالها سنين عندي... وأبويا وصاني ما أفتحهاش إلا قدامك.
تبادل الجميع النظرات في دهشة، بينما مد ياسين يده ببطء ليتسلم الظرف، وهو يشعر أن ما بداخله سيغيّر مجرى أمور كثيرة.
يتبع...
بعد يومين...
كان ياسين جالسًا في المندرة مع كبار رجال العائلة، عندما دخل أحد الصبية مسرعًا وهو يلهث.
يا حج ياسين... العمدة هاشم جاى على هنا، ومعاه ولده معتصم وكام راجل.
ساد الصمت في المكان.
رفع ياسين رأسه وقال بهدوء
دخلوهم... البيت بيتهم.
دخل هاشم بخطوات ثابتة، وخلفه معتصم وقد اختفت آثار الضرب من وجهه، لكن الحقد ما زال يملأ عينيه.
جلس الجميع، قبل أن يقول هاشم
جينا نفتح صفحة جديدة.
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة.
الصفحة الجديدة بتبدأ لما القديم يتصلح.
نظر هاشم إلى معتصم، فأخفض الأخير رأسه على مضض.
ثم قال بصوت خافت
أنا غلطت... وحق بدور عليا.
نظر إليه ياسين طويلًا، وكأنه يزن صدقه.
ثم قال
الاعتذار مش بالكلام... الاعتذار بالأفعال.
أومأ هاشم وقال
وده اللى جايين عشانه.
في بيت رضوانة...
كانت نسمة تجلس في فناء البيت تخيط ثوبًا قديمًا، حين دخل حربي مع ياسين.
قامت بسرعة احترامًا.
ابتسم ياسين وقال
اقعدي يا بتي... إحنا جايين نطمن عليكي.
جلس حربي صامتًا، وكلما رفعت نسمة عينيها وجدته يشيح ببصره خجلًا.
لاحظ ياسين ذلك، لكنه تظاهر بأنه لم ير شيئًا.
وبعد حديث قصير، نهض للمغادرة.
وقبل أن يخرج، قال لنسمة
خلي قلبك قوي... وربنا بيعوض الصابرين.
ابتسمت نسمة لأول مرة منذ أيام.
ونعم بالله.
وفي الجامعة...
كانت نهال خارجة من المحاضرة، فإذا بمدحت ينتظرها عند الباب.
ناولها كتابًا وقال
ده كنتِ بتدوري عليه.
ابتسمت وقالت
إنت فاكر كل حاجة.
قال وهو يبتسم
أنسى نفسي... ولا أنساكي.
احمر وجه نهال، بينما كانت بثينة تراقبهما من بعيد وتضحك.
أما عاصم...
فكان عائدًا من الغيط وقت الغروب، عندما لمح بدور تحمل جردل ماء ثقيلًا.
اقترب منها دون كلام، وأخذ الجردل من يدها.
قالت بسرعة
لا... سيبه، أنا هشيله.
ابتسم وهو يكمل السير.
وأنا موجود ليه؟
نظرت إليه بخجل.
هيتكلموا علينا.
رد بثقة
اللي يتكلم... يتكلم. طول ما إحنا ما عملناش غلط، محدش يقدر يقول كلمة.
وصل أمام البيت، ووضع
الجردل على الأرض.
قالت بدور بصوت منخفض
شكرًا.
ابتسم وهو ينظر إليها.
متقوليش شكر... بينا العِشرة والجيرة وأهل.
وقبل أن يبتعد، خرجت نيرة من الباب وهي تبتسم بمكر.
يا سلام... جردل المية بقى محتاج فارس يشيله؟
ضحك عاصم وهز رأسه.
يا بت بطلي غلاسة.
ضحكت نيرة، بينما اختبأت بدور خلف الباب من شدة خجلها.
لكن بعيدًا عنهم...
كان معتصم يقف خلف شجرة كبيرة يراقب كل ما حدث، واشتعلت عيناه بالحقد وهو يتمتم
كده وصلتوا للمرحلة دي...
قبض على يده بقوة، ثم استدار ورحل وهو يرسم في رأسه خطة جديدة، كانت أخطر من كل ما سبق.
يتبع...
في صباح اليوم التالي...
لم يكد ياسين يفرغ من صلاة الفجر حتى سمع طرقًا قويًا على باب الدار.
خرج حربي ليفتح، فإذا بأحد رجال القرية يقف وهو يلهث.
يا حج ياسين... فيه ناس واقفة عند أرض رضوانة، وبيقولوا إنها ملكهم، وبيمنعوا أي حد يدخلها.
خرج ياسين على الفور وهو يردد
يلا يا ولاد... نشوف آخرها إيه.
ركب هو وعاصم وحربي السيارة، واتجهوا نحو الأرض.
هناك...
كانت رضوانة ونسمة تقفان على طرف الأرض، بينما يقف أمامهما ثلاثة رجال يمنعونهم من الدخول.
ما إن وصل ياسين حتى ترجل من السيارة.
قال بصوت جهوري
خير يا رجالة؟
تقدم أحدهم وقال
الأرض دي لينا، ومعانا عقود.
مد ياسين يده وقال
هات العقود.
أخذها، وقرأها في هدوء، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
العقود دي حديثة... لكن الحق أقدم منها.
تعجب الرجل.
تقصد إيه؟
أخرج ياسين الوصية القديمة من جيبه.
دي شهادة من أكتر من عشرين سنة، وفيها حدود الأرض وأسماء الشهود.
ساد الهمس بين الواقفين.
وفي تلك اللحظة، وصل هاشم ومعه عدد من رجال البلد.
نظر إلى الورقة طويلًا، ثم قال
الموضوع ده لازم يتحول للمجلس العرفي، وكل واحد يقول اللي عنده.
رد ياسين بثبات
وأنا أول واحد موافق.
في طريق العودة...
كانت نسمة تسير بجوار والدتها، وقد بدا على وجهها شيء من الراحة لأول مرة.
قالت بهدوء
عمري ما توقعت إن ربنا يرجع لنا حقنا بعد السنين دي.
ابتسمت رضوانة وهي تمسح دموعها.
ربنا كبير يا بتي... والحق عمره ما يضيع.
كان حربي يسير خلفهما على مسافة، يسمع حديثهما دون أن يتدخل، لكنه شعر بارتياح غريب وهو يرى الابتسامة تعود إلى وجه نسمة.
أما عاصم...
فكان يقف عند باب المدرسة ينتظر خروج بدور، بعد أن سمع
أن معتصم بدأ يتحرك في البلد من جديد.
خرجت بدور، وما إن رأته حتى ابتسمت.
قالت
خير؟ واقف ليه؟
رد وهو ينظر حوله بحذر
قلت أوصلك... احتياط.
ابتسمت وقالت
إنت مش هتتعب من الخوف عليا؟
هز رأسه وقال
لا... طول ما أنا عايش.
سكتت بدور، واحمر وجهها، ثم
تم نسخ الرابط