عيشت اخدم حماتى 10 سنين

لمحة نيوز

ظرف باسمي.
كان مكتوب عليه
ما يتفتحش إلا بعد ما أمشي.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه.
كان جواه جواب.
بدأت أقرأ
يا حبيبتي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا سبقتك عند ربنا. متزعليش عليا... أنا عشت العمر اللي كنت بحلم بيه. خرجت من السجن مظلوم، لكن خرجت من الدنيا راضي. وأكبر نعمة ربنا رزقني بيها... كانت إنتِ. إوعي تخلي المستشفى تقفل، ولا المدرسة تقف، لأن الخير هو الحاجة الوحيدة اللي بتعيش بعد أصحابها. ولو سألك حد يومًا مين كان بطل حكايتي... قولي له الست اللي صدقتني قبل ما الدنيا كلها تصدقني.
وقفت عن القراءة.
دموعي كانت بتنزل على الورق.
رفعت عيني للسما، وابتسمت.
وقلت بهدوء
نفذت وصيتك يا ياسين... ولسه كل يوم في مريض بيتعالج، وكل سنة في طالب بيتخرج، وكل واحد فيهم بيدعيلك.
وفي آخر عمرها، لما كبرت، كانت كل ليلة تحكي للأحفاد نفس الحكاية.
لكنها كانت تبدأها بجملة مختلفة عن كل اللي فات
ما تتسرعوش تحكموا على حد... يمكن الحقيقة تكون
مستخبية سنين، لكن عمرها ما بتموت.
وهكذا، انتهت حياة ياسين...
لكن أثره الطيب، وحبه، وعدله، فضل يعيش في قلوب الناس جيلاً بعد جيل. تمت بعد سنوات طويلة...
في صباح ربيعي هادئ، كانت المستشفى تحتفل بمرور خمسين سنة على تأسيسها.
دخل الأحفاد قاعة الاجتماعات القديمة، وهم بينضفوا المخزن استعدادًا للاحتفال.
وأثناء نقلهم لخزانة خشب عتيقة، لاحظ حفيدي الأكبر درجًا سريًا.
فتحوه بحذر.
كان جواه... الصندوق الأسود.
نفس الصندوق اللي غيّر حياتنا من عشرات السنين.
لكن المرة دي، كان فيه ظرف جديد، مكتوب عليه
إلى أول حفيد يفتح الصندوق.
فتح الحفيد الظرف، وبدأ يقرأ بصوت مرتعش
إذا كنت بتقرأ الرسالة دي، فاعرف إنك غالبًا سمعت حكايتي من جدتك. لكن أهم حاجة عايزك تفتكرها مش إني دخلت السجن... ولا إني خرجت بريء... أهم حاجة إنك تعرف إن الإنسان بيتقاس بأخلاقه، مش بالمحنة اللي مر بيها.
سكت لحظة وهو يكمل القراءة.
لو في يوم ظلمك حد... طالب بحقك. ولو ربنا
رجعهولك... متخليش الكراهية تسكن قلبك. لأن الكراهية سجن... أصعب من أي زنزانة.
ساد الصمت في القاعة.
الحفيد قفل الرسالة، وبص لصورة جده المعلقة على الحائط.
ابتسم وقال
وعد يا جدو... هنكمل الطريق.
وفي المساء، اتجمعت العائلة كلها في حديقة المستشفى.
كان الأطفال بيلعبوا، والأطباء بيستقبلوا المرضى، والمدرسة المجاورة خرج منها جيل جديد من الطلاب.
وقفت أبص للمشهد، وأنا رغم كِبَر سني، حسيت إن ياسين لسه موجود...
في كل ابتسامة مريض، وفي كل دعوة أم، وفي كل طفل اتفتح له باب مستقبل جديد.
وأدركت أن بعض البشر لا يرحلون أبدًا...
لأن أثرهم يظل حيًا في قلوب الناس.
النهاية الأبدية. النهاية
بعد رحلة طويلة من الظلم والصبر، وقف أحفاد ياسين وزوجته أمام قبرهما في صباح هادئ.
قال الحفيد الأكبر وهو يضع باقة ورد
جدو علمنا إن الحق ممكن يتأخر... لكنه بيرجع. وتيتا علمتنا إن الوفاء مش كلمة، الوفاء عمر كامل.
ثم توجهوا جميعًا إلى المستشفى والمدرسة اللتين
أسسهما ياسين، حيث كان المرضى يتلقون العلاج مجانًا، والأطفال يتعلمون دون أن يدفعوا جنيهًا واحدًا.
على مدخل المستشفى كانت هناك لوحة رخامية كُتب عليها
هذا المكان بُني من قلب عرف الظلم، فاختار العدل... ومن روح عرفت الألم، فاختارت الرحمة.
مرت السنوات، وتغيرت الوجوه، لكن اسم ياسين وزوجته ظل يُذكر بكل خير.
أما هي، فكانت كلما سألها أحد عن أعظم قرار اتخذته في حياتها، تبتسم وتقول
وافقت يومًا على زواج ظننته صفقة تنقذني من الفقر... فاكتشفت أنه كان هدية من الله، رزقني فيها برجل شريف، وبعائلة، وبحياة لها معنى.
وفي آخر ليلة من عمرها، أغمضت عينيها وهي تبتسم، كأنها رأت ياسين من جديد.
همست بكلمة أخيرة
استنيتني كتير... المرة دي أنا اللي جاية.
وفي الصباح، دفنها أولادها إلى جوار زوجها، كما أوصت.
ومن يومها، صار الناس يمرون أمام قبريهما، يقرأون الفاتحة، ويرددون الحكاية التي أصبحت مثلًا بين الجميع
قد يتأخر العدل... لكنه لا يموت، وقد يبدأ
الحب من اتفاق، لكنه يخلد بالوفاء.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط