عيشت اخدم حماتى 10 سنين
المحتويات
بعدك.
ابتسم ياسين، وقفل الصندوق بهدوء.
وقال لي
دلوقتي فهمت ليه ربنا نجاني... مش عشان أرجع حقي بس، لكن عشان أكمل حلم أبويا.
وبالفعل، خلال السنوات التالية، اتبنت مدارس جديدة، واتعالج آلاف المرضى مجانًا، وبقى اسم والد ياسين مرتبط بالخير بدل القضية اللي ظلمته.
أما أنا...
فكل ما حد يسألني إيه أغرب قرار خدتيه في حياتك؟
أبتسم وأقول
اتجوزت راجل وأنا فاكرة إني ببيع اسمي مقابل الفلوس... واكتشفت إني كسبت إنسان يستحق العمر كله.
النهاية الحقيقية. بعد عشرين سنة...
كانت قاعة المستشفى مليانة أطباء شباب بيتخرجوا من برنامج المنح اللي أسسه ياسين.
وقف على المسرح، لكن المرة دي شعره كان اختلط بالشيب، وأنا قاعدة في أول صف، وبنتنا وملك وأخويا بقوا كلهم جنبي.
بدأ كلمته وقال
الناس فاكرة إن أكبر معركة في حياتي كانت إني أخرج من السجن... لكن الحقيقة إن أكبر معركة كانت إني ما أخليش الظلم يغيّرني.
الكل سكت يسمع.
وفجأة، دخل موظف الاستقبال وهو مستعجل.
همس في ودن ياسين
في راجل كبير برة... بيقول لازم يقابلك حالًا.
خرجنا معاه.
لقينا راجل في أواخر السبعين، ماشي بعكاز، ووشه مليان تجاعيد.
أول ما شاف ياسين، دموعه نزلت.
قال
أنا كنت وكيل النيابة المساعد في قضيتك.
اتجمد ياسين مكانه.
كمل الرجل
أنا كنت شاكك إنك بريء... لكن سكت. خفت على مستقبلي، فضيعت مستقبلك.
أخرج من جيبه ورقة قديمة.
وقال
دي كانت مذكرة كتبتها وقت التحقيق... وأثبت فيها إن الأدلة فيها تناقضات. رؤسائي أمروني أخفيها.
أخذ ياسين الورقة، وبص فيها طويلًا.
ثم رفع عينه وقال بهدوء
أنا سامحتك.
الرجل انفجر في البكاء.
قال
كنت مستني الكلمة دي من عشرين سنة.
ابتسم ياسين وقال
يمكن لو ما حصلش اللي حصل... ماكنتش هعرف قيمة العدل، ولا كنت هبني كل الخير ده.
وأثناء رجوعنا، سألته
عمرك ندمت على حاجة؟
ابتسم وهو بص لبنتنا وأحفادنا اللي كانوا بيلعبوا في جنينة المستشفى، وقال
أيوه... ندمت إني ضيعت سنين بعيد عنكم. لكن ربنا عوضني بأيام عمري ما كنت أحلم بيها.
وفي نهاية اليوم، اتجمعت العيلة كلها على سفرة واحدة.
ضحك الأطفال، واتكلم الكبار، وكان البيت مليان دفا.
وقتها همست لنفسي
يمكن البداية كانت صفقة... لكن النهاية كانت نعمة.
ستار. بعد مرور عشر سنوات...
في يوم الاحتفال بمرور عشر سنين على افتتاح المستشفى، كان المكان مليان ناس جايين يشكروا ياسين على كل الخير اللي عمله.
وأنا واقفة جنبه، جه شاب في أوائل العشرينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده ملف.
وقف قدام ياسين وقال
حضرتك أكيد مش فاكرني.
ياسين ابتسم وقال فكرني.
الشاب رد وهو بيبتسم
أنا ابن الراجل اللي اشتغل حارس في الجمعية زمان... حضرتك دفعت مصاريف تعليمي من غير ما أعرف مين اللي بيدفع.
سكت لحظة، وفتح الملف.
طلع شهادة تخرجه من كلية الطب.
وقال
أنا جيت النهارده أقولك... الدكتور اللي واقف قدامك ده، كان حلم مستحيل لولاك.
القاعة كلها سكتت.
ياسين قام وحضنه.
وقال
لأ... أنت اللي حققت حلمك بتعبك. أنا عملت واجبي بس.
بدأ الناس تصقف بحرارة.
وبعدين طلع مدير المستشفى على المسرح وقال
في مفاجأة للأستاذ ياسين ومدام...
اتفتح ستار كبير، وظهر تمثال رخامي بسيط مكتوب تحته
من اختار العفو على الانتقام، والعدل على الكراهية، فغيّر حياة آلاف البشر.
بصيت لياسين.
لقيته بيبكي لأول مرة قدام الناس.
همسلي
لو رجع بيا الزمن... هختارك إنتِ من أول يوم... حتى لو كنت لسه جوه السجن.
ابتسمت، ومسكت إيده، وقلت
وأنا كمان... لأن ربنا كتب أجمل قصة حب من قرار بدأ بالاحتياج... وانتهى بعمر كامل من الرحمة والوفاء.
وهكذا، بقت حكاية ياسين وزوجته تتقال لكل واحد فاقد الأمل، عشان يعرف إن الظلم ممكن يطول... لكنه لا يدوم، وإن الخير الصادق بيرجع لصاحبه مهما طال الزمن.
النهاية الأخيرة حقًا. بعد سنين طويلة...
وفي ليلة شتوية هادئة، كانت الأسرة كلها مجتمعة تحتفل بعيد ميلاد ياسين السبعين.
الأحفاد كانوا بيجروا في كل مكان، وكل واحد فيهم ماسك صورة قديمة لياسين وهو شاب.
فجأة، حفيده الصغير آدم قرب منه وسأله ببراءة
يا جدو... هو صحيح إنت دخلت السجن؟
سكتت القاعة كلها.
الكل بص لياسين، مستني إجابته.
ابتسم، وشال آدم وقعده على رجله،
أيوه يا حبيبي... دخلته.
سأله آدم كنت وحش؟
هز ياسين رأسه وقال
لأ... بس ساعات الإنسان ممكن يتظلم.
وزعلت؟
ابتسم وقال
زعلت جدًا... لكن لو فضلت زعلان، كنت هخسر باقي عمري.
سأله الطفل مين أنقذك؟
نظر ياسين نحوي، وأنا كانت الدموع في عيني.
ابتسم وقال
ربنا... وبعده ست شجاعة وافقت تقف جنبي، وهي مش مضطرة.
بص آدم ليا وقال
دي تيتا؟
ضحك الجميع.
قلت وأنا بمسح دموعي أيوه يا حبيبي.
جري آدم وحضني، وقال
يبقى إنتِ بطلة القصة.
ضحكت وقلت
لا... البطولة كانت إن جدك اختار يسامح بدل ما ينتقم.
وفي نهاية السهرة، فتح ياسين ألبوم الصور.
أول صورة كانت يوم كتبنا الكتاب داخل السجن.
آخر صورة كانت للعيلة كلها، واقفين قدام المستشفى والمدرسة اللي خرجوا للنور بسبب رحلة مليانة تعب وصبر.
قفل الألبوم، وقال بهدوء
لو حد سألكم يومًا إيه معنى العدل... قولوله إنه مش بس حكم محكمة. العدل الحقيقي هو إن الإنسان يفضل إنسان، حتى بعد ما الدنيا تظلمه.
وانتهت الحكاية، لكنها فضلت تعيش في قلوب كل اللي سمعها، لأنها أثبتت أن الحب الصادق، والصبر، والحق... ممكن يغيروا مصير حياة كاملة. بعد وفاة ياسين بسنوات، بقيت أروح كل صباح أقعد على المقعد الخشبي اللي كان بيحبه في جنينة المستشفى.
كنت أحط وردة بيضا كل يوم... وأقعد أتكلم معاه كأنه لسه سامعني.
في يوم، حفيدتي الصغيرة سألتني
تيتا... هو جدو كان بيخاف؟
ابتسمت وقلت
كان بيخاف زيه زي أي إنسان... لكن عمره ما سمح للخوف إنه يمنعه يعمل الصح.
فتحت الدرج اللي في مكتبه، ولقيت
متابعة القراءة