كان صباح هاديء فى فيلا عائله المنشاوى

لمحة نيوز


وحشتني يا عمار... بس وعدك لسه بننفذه.
كانت قد تجاوزت السبعين، لكن ملامحها ما زالت تحمل نفس الهدوء الذي عرفه الجميع.
وفي أحد الأيام، دخلت حفيدتها الصغيرة إلى غرفتها، ووجدتها تفتح صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قالت الطفلة إيه ده يا تيتا؟
ابتسمت جميلة وأخرجت منه كشكولًا قديمًا، اصفرّت أوراقه مع الزمن.
قالت وهي تمرر يدها على غلافه ده أول كشكول كنت بروح بيه الجامعة.
فتحت الصفحة الأولى، وكان مكتوبًا عليها بخط يدها
جميلة عبد الرحمن.
ضحكت وهي تتذكر اليوم الذي وقع فيه الكشكول أمام عمار، وكان السبب في أن يعرف حقيقتها.
قالت حفيدتها احتفظتي بيه كل السنين دي؟
أجابت لأنه
بيفكرني إني مهما وصلت، لازم عمري ما أنسى أنا بدأت منين.
في الأسبوع التالي، اجتمعت الأسرة كلها في مركز

رحمة للتعليم للاحتفال بمرور خمسين عامًا على تأسيسه.
وقف أحد الطلاب على المسرح وقال
النهارده، آلاف الشباب والبنات اتخرجوا من هنا، وكلهم مدينين بالفضل لست عظيمة اسمها جميلة.
صفق الجميع طويلًا.
وقفت جميلة بصعوبة، وأخذت الميكروفون.
نظرت إلى الوجوه أمامها وقالت
أنا مش بطلة... أنا مجرد بنت ربنا بعت لها ناس طيبين في الوقت المناسب. ولو في رسالة أحب أسيبها ليكم، فهي لما تلاقوا حد محتاج فرصة... ادوهاله. يمكن الفرصة دي تغيّر حياته كلها.
امتلأت القاعة بالتصفيق، بينما كانت عيون أبنائها وأحفادها تلمع فخرًا.
وفي تلك الليلة، عادت جميلة إلى منزلها، جلست في مقعدها المفضل، ونظرت إلى صورة عمار المعلقة على الحائط.
ابتسمت وقالت بهدوء
الحمد لله... خلصت الأمانة.
وأغمضت عينيها
في سلام، بعد عمر طويل مليء بالخير والعطاء، لتبقى سيرتها، وسيرة عمار، حاضرة في كل طالب نجح، وكل أسرة تبدلت حياتها بسبب فرصة منحوها لغيرهم.
وهكذا بقيت قصة جميلة... لا لأنها كانت الأغنى، بل لأنها كانت من أكثر الناس أثرًا في حياة الآخرين. بعد سنوات طويلة من رحيل جميلة، كان مركز رحمة للتعليم قد أصبح من أكبر المؤسسات الخيرية في الوطن العربي.
في صباح أحد الأيام، دخل طفل صغير إلى مكتبة المركز، وأشار إلى صورة كبيرة معلقة على الحائط.
سأل أمين المكتبة
مين الست دي؟
ابتسم الرجل وقال
دي اسمها جميلة... صاحبة المكان ده.
قال الطفل ببراءة
هي كانت غنية؟
هز الرجل رأسه مبتسمًا وقال
لأ... هي بدأت حياتها وهي لا تملك إلا كتبها وحلمها.
ثم أخذ كتابًا قديمًا من مكتبة خاصة، وكان
عنوانه
حكاية جميلة... حين انتصر الصبر.
فتح أول صفحة، وبدأ يقرأ للأطفال
في يوم من الأيام، كانت فتاة بسيطة تجري إلى جامعتها، وكادت أن تصدمها سيارة أمام بوابة بيت كبير... ولم تكن تعرف أن تلك اللحظة ستغيّر حياتها كلها.
جلس الأطفال ينصتون في صمت، وكأن القصة حدثت بالأمس.
وعندما انتهى من القراءة، قال طفل صغير
أنا لما أكبر... هساعد الناس زيها.
ابتسم أمين المكتبة وقال
وده بالضبط السبب اللي خلاها تعيش لحد النهارده... مش بجسدها، لكن بأثرها.
وفي الخارج، كانت لافتة كبيرة عند مدخل المركز كُتب عليها
قد تنتهي حياة الإنسان... لكن لا ينتهي الخير الذي زرعه.
ومع غروب الشمس، امتلأ المركز بأصوات الطلاب وهم يذاكرون ويضحكون، ليظل حلم جميلة وعمار حيًا في كل كتاب يُفتح، وكل طالب
ينجح، وكل إنسان يجد فرصة جديدة.
تمت القصة.

تم نسخ الرابط