كان صباح هاديء فى فيلا عائله المنشاوى
المحتويات
ماما... صاحبي اسمه يوسف. هو بيحب يذاكر، بس مش معاه فلوس يجيب كتب.
ابتسمت جميلة، وجلست أمام يوسف وسألته تحب تبقى إيه لما تكبر؟
رد الطفل بحماس مهندس... أبني بيوت للناس.
نظرت إليه ثم إلى آدم، وقالت من النهارده كل كتبك ودروسك علينا.
فرح يوسف جدًا، واحتضن حقيبته كأنه حصل على كنز.
ابتسم عمار، الذي كان يتابع المشهد من بعيد، وقال شايفة؟ الخير لما يبدأ من شخص واحد، بينتقل لناس كتير.
مرّت السنوات، وتخرج يوسف فعلًا من كلية الهندسة بتفوق، وكان أول مشروع صممه هو توسعة مركز رحمة للتعليم ليستوعب عددًا أكبر من الطلاب.
وفي يوم الافتتاح، وقف يوسف على المنصة وقال
لولا الست جميلة والأستاذ عمار، كنت سيبت المدرسة من وأنا صغير. النهارده أنا واقف هنا عشان أشكرهم قدام الناس كلها.
امتلأت عينا جميلة بالدموع، بينما أمسك عمار بيدها وقال ده أحسن استثمار عملناه في حياتنا.
في نهاية اليوم، وقفت جميلة أمام صورة والدتها المعلقة في مدخل المركز، وابتسمت وهي تهمس
اطمني يا أمي... الحلم اللي كنتِ بتحلمي بيه كبر، وبقى نور لبيوت كتير.
وأغلقت الأنوار، بينما ظل المركز مفتوحًا في قلوب كل طفل وجد فيه فرصة
كان مركز رحمة للتعليم قد أصبح مؤسسة كبيرة لها فروع في أكثر من محافظة، تساعد آلاف الطلاب كل عام.
في صباح يوم مشمس، كانت جميلة، وقد غزا الشيب أطراف شعرها، تسير في أروقة المركز برفقة عمار.
ابتسم عمار وقال فاكرة أول مرة شوفتك فيها؟
ضحكت جميلة وقالت إزاي أنسى؟ كنت هتخبطني بالعربية.
ضحك الاثنان، بينما اقترب منهما شاب في منتصف العشرينات.
قال باحترام أستاذة جميلة... في بنت برة بتطلب تقابلك.
خرجت جميلة، فوجدت فتاة صغيرة تحمل ملفًا قديمًا، وملابسها بسيطة جدًا.
قالت الفتاة بخجل أنا مليش حد... وعايزة أكمل تعليمي، بس مش عارفة أبدأ منين.
نظرت جميلة إليها طويلًا، ثم ابتسمت.
تذكرت نفسها قبل سنوات، وهي تقف وحيدة، خائفة، لا تملك سوى حقيبة قماش وبعض الكتب.
اقتربت منها، وأمسكت بيدها وقالت
تعالي... من النهارده إنتِ مش لوحدك.
دخلت الفتاة وهي تبكي من شدة الفرح.
ابتسم عمار وهو يراقب المشهد، وقال الدنيا دارت يا جميلة.
ردت وهي تنظر إلى الفتاة أيوه.
وفي نهاية اليوم، علّقت جميلة لوحة جديدة عند مدخل المركز، كُتب عليها
إذا استطعت أن تغيّر حياة إنسان إلى الأفضل، فلا تتردد... فربما تكون أنت الإجابة الوحيدة لدعائه.
وقف عمار بجانبها، وأمسك يدها كما فعل منذ سنوات طويلة، وقال
أجمل حاجة في قصتنا، إنها ما انتهتش عندنا... لكنها بدأت في حياة ناس كتير.
ابتسمت جميلة، بينما كانت ضحكات الأطفال تملأ المكان، لتؤكد أن الخير الحقيقي لا ينتهي، بل يترك أثرًا يمتد من جيل إلى جيل.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن أثرها بقي. بعد سنوات طويلة...
في إحدى الأمسيات، كان عمار وجميلة يجلسان في شرفة منزلهما، يشاهدان أحفادهما يلعبون في الحديقة.
قال الحفيد الصغير وهو يجري نحوهما
تيتا جميلة... هو صحيح إنك كنتي عايشة هنا زمان؟
ابتسمت جميلة ونظرت إلى عمار، ثم قالت
لا يا حبيبي... أنا بدأت حياتي في مكان بسيط جدًا، وعديت بأيام صعبة، لكن ربنا كان كريم.
جلس الأطفال حولها في فضول.
قال حفيد آخر وجدو عمار عرفك إزاي؟
ضحك عمار وقال دي أطرف قصة في حياتي... كنت خارج بعربيتي، وهي كانت مستعجلة على الجامعة،
ضحك الأطفال بصوت عالٍ.
قالت جميلة وهي تبتسم ومن يومها، حياتنا كلها اتغيرت.
سأل أحد الأحفاد لو الزمن رجع، تتمني تغيري حاجة؟
سكتت جميلة لحظة، ثم هزت رأسها.
لا... لأن كل لحظة صعبة علمتني درس، وكل دمعة نزلت كانت سبب في الفرحة اللي إحنا فيها النهارده.
أمسك عمار يدها وقال
وأنا لو رجع بيا الزمن ألف مرة، هاختار نفس الطريق... لأنه وصلني ليكي.
في تلك اللحظة، ارتفع أذان المغرب من المسجد القريب.
قام عمار ببطء، ثم مد يده إلى جميلة كعادته منذ عشرات السنين.
ابتسمت وأمسكت يده، وسارا معًا إلى الداخل، بينما كان الأحفاد يجرون خلفهما في ضحكات بريئة.
وفي آخر صفحة من مذكرات جميلة، التي تركتها لأبنائها وأحفادها، كُتب
لا تخجلوا أبدًا من بداياتكم، ولا تنسوا فضل من وقف بجانبكم. فالإنسان لا يُقاس بما كان يملكه، بل بما زرعه من خير في قلوب الناس.
وأصبحت قصة جميلة تُروى لكل طالب فقد الأمل، ولكل فتاة ظنت أن الظروف ستكسرها، لتذكرهم دائمًا أن الإيمان، والعمل، والصبر، يصنعون أجمل النهايات.
تمت بحمد الله. بعد رحيل عمار بسنوات، كانت جميلة تزوره كل يوم جمعة.
تقف أمام قبره، تضع باقة
متابعة القراءة