ابويا جيه من الفيوم لزهرة الربيع
المحتويات
بعد عشر سنين...
في عيد جوازنا، محمود فاجأني وقال
البسي بسرعة... عندي مشوار مهم.
ركبنا العربية، وسافرنا لحد الفيوم.
افتكرت إننا رايحين نزور أبويا كعادتنا، لكن فوجئت إنه وقف قدام قطعة أرض كبيرة على أول البلد.
ناول أبويا ملف وقال
اتفضل يا عمي.
أبويا فتح الملف، واتسعت عينه من الدهشة.
كان عقد بيت صغير مبني على الأرض، باسم أبويا.
قال وهو مرتبك
إيه ده يا محمود؟
ابتسم محمود وقال
زمان كنت شايف إن أي جنيه يخرج من جيبي خسارة... لكن لما ربنا وسع رزقي، افتكرت أول إنسان كسرته بكلمة، ووعدت نفسي إني أعوضه طول عمري.
أبويا دمعت عينه وقال
يا ابني... أنا كنت نسيت الموضوع من زمان.
رد محمود
بس أنا منستهوش... لأن الإنسان لازم يفتكر غلطه، مش علشان يعيش ندمان، لكن علشان ميكرروش.
حضن أبويا، وبكيت أنا من الفرحة.
وفي طريق الرجوع، قلت لمحمود
إنت فعلًا اتغيرت.
ابتسم وهو ماسك إيدي وقال
لا... أنا رجعت لطبيعتي اللي كان المفروض أكون عليها من الأول.
وبعدها بسنوات، لما كبر ابننا حسن واتجوز، وقبل ما يزورنا حماه لأول مرة، ناداه محمود وقال له
اسمع يا ابني... عمرك ما تستقبل والد مراتك كضيف، استقبله كأنه أبوك. لأن البنت لما تشوف أبوها مكرم في بيتها، عمرها ما تحس إنها غريبة.
هز حسن رأسه وقال
اطمن يا بابا... أنا اتعلمت الدرس من غير ما أحضره.
ابتسم محمود، وبص لي من بعيد، وكأن نظرة واحدة بينا كانت كفاية تفتكرنا باليوم اللي بدأ فيه كل شيء... يوم قال كباية عصير كفاية. ويوم عرف بعدها أن الكلمة قد تهدم بيتًا، وأن الاحترام هو أغلى ما يملكه الإنسان.
تمت بحمد الله بعد سنوات طويلة...
كبرنا، وشابت شعورنا، لكن الحكاية دي عمرها ما غابت عن بالنا.
في يوم، كنا قاعدين كلنا على سفرة الغدا أنا، ومحمود،
رن جرس الباب.
حسن قام يفتح، وبعد دقيقة رجع ومعاه راجل بسيط، هدومه متواضعة، وقال
يا جماعة، الراجل تايه، وتعبان، وطلب يشرب كوباية مية.
قبل ما حد يتكلم، حفيدي الصغير جري على المطبخ وهو بيقول
جدو محمود... الضيف مبيشربش مية بس... الضيف بيتغدى معانا.
بصيت لمحمود.
عينه دمعت.
ضحك وهو شايل حفيده وقال
مين اللي علمك الكلام ده؟
الولد رد ببراءة
إنت يا جدو... كل مرة تقول إن الضيف رزقه معاه.
ضحكنا كلنا، ودخل الراجل أكل معانا، وخرج وهو بيدعيلنا من قلبه.
بعد ما الباب اتقفل، محمود قعد ساكت شوية، ثم بص لي وقال
فاكرة لو كنت زمان أصرّيت على موقفي؟
ابتسمت وقلت
كان زماننا خسرنا حاجات كتير... أهمها احترامنا لبعض.
هز رأسه وقال
الحمد لله إن ربنا بعتلي درس قبل ما يبعتلي عقاب.
وفي آخر الليل، وأنا بقفل النور، لقيته واقف يبص على صورة أبويا المعلقة في الصالون.
أبويا كان قد توفاه الله من سنوات، لكن صورته كانت دايمًا في مكانها.
محمود قرأ له الفاتحة، وقال بصوت منخفض
الله يرحمك يا عمي... إنت سامحتني في الدنيا، وأسأل الله يسامحني في الآخرة.
وقتها حسيت إن بعض الدروس لا تنتهي أبدًا، لأنها تتحول إلى أخلاق يعيش بها الإنسان حتى آخر عمره.
تمت القصة. بعد وفاة أبويا بعام...
كنت قاعدة أرتب أوراقه مع إخواتي، وكل واحد فينا بيحاول يتمالك نفسه.
وسط الأوراق، لقيت ظرف صغير مكتوب عليه بخط إيده
يفتح بعد وفاتي.
فتحناه، وكان جواه جواب.
قرأته بصوت مرتعش
لو بتقرو الجواب ده، يبقى أنا سبت الدنيا، وأسأل الله أن يغفر لي ويرحمني.
يا بنتي، لو محمود لسه جنبك، أوعي يوم تعايريه بالغلط اللي عمله معايا. الإنسان بيتحاسب على آخره، وأنا شفت منه خير كتير بعد كده.
الراجل
يمكن الناس فاكرة إنه كان بخيل، لكن أنا شفت بعيني إنه جاهد نفسه لحد ما بقى كريم.
سامحيه على أول غلطة، وافتكري آخر ألف موقف حلو عملهم معايا.
ماقدرتش أكمل القراءة.
دموعي نزلت بغزارة.
بصيت لمحمود، لقيته واقف في آخر الأوضة، بيبكي زي الطفل.
بعد أيام، رجعنا القاهرة.
وفي أول جمعة، محمود قال
يلا بينا.
قلت
على فين؟
قال
على المقابر... عند أبوكي.
رحنا، وقعد قدام قبره وقت طويل، ودعاله، وقرأ القرآن.
ولما قام، قال بهدوء
أنا كل مرة باجي هنا، بحس إنه لسه بيعلمني.
مسكت إيده وأنا ببتسم وسط دموعي.
وقلت
وأنا كل مرة ببص ليك، بعرف إن الإنسان لو صدق في التوبة، ربنا يغيره لأحسن مما كان.
ورجعنا بيتنا، وإحنا متأكدين أن الكلمة الطيبة، والاعتذار الصادق، والعمل الصالح... يقدروا يصلحوا حتى أصعب الجروح.
وهنا تنتهي الحكاية... نهاية تليق بكل قلب عرف قيمة الكرامة، ثم عرف قيمة التغيير بعد مرور سنوات...
في ليلة هادئة، كان محمود قاعد مع حفيده الكبير، يقلب في ألبوم الصور القديم.
وقف عند صورة باهتة، فيها أبويا وهو داخل الشقة، شايل شنطة فيها فطير ومش وعسل، ووشه كله فرحة.
الحفيد سأل
جدو... ليه بتحب الصورة دي أوي؟
ابتسم محمود، وقال
لأنها أكتر صورة غيرت حياتي.
ثم حكى له الحكاية من أولها، من غير ما يخبي غلطه ولا يبرر تصرفه.
ولما خلص، الحفيد قال ببراءة
يعني يا جدو... لو تيجي تبدأ حياتك من جديد، هتعمل إيه؟
سكت محمود شوية، ثم قال
أول حاجة كنت هعملها... إني أنزل أجيب أحسن غدا أقدر عليه، وأستقبل جدك بالحضن قبل الأكل. لأن بعض الفرص ربنا بيدهالك مرة واحدة، ولو ضيعتها، تفضل
بعدها قام الحفيد، وحضنه بقوة، وقال
أنا لما أكبر، عمري ما هخلي حد يخرج من بيتي مكسور الخاطر.
ابتسم محمود، ودموعه نزلت من غير ما يحس.
بص للصورة مرة أخيرة، وقال
الحمد لله... ربنا سترني، وأداني فرصة أصلح غلطي قبل ما يفوت الأوان.
وأغلق ألبوم الصور، لكن الحكاية ظلت مفتوحة في قلوب كل من سمعها...
لأن الكرم لا يُقاس بما على المائدة، بل بما في القلب، والاحترام هو الإرث الحقيقي الذي يبقى للأبناء والأحفاد.
تمت بحمد الله. بعد أكثر من عشرين سنة...
كان حسن، ابننا، بيجهز لفرح بنته.
البيت كله كان مليان فرحة، والكل بيضحك ويجهز.
وفجأة، قال حسن
يا جماعة، والد العريس هيزورنا النهارده لأول مرة.
قبل ما حد يتحرك، قام محمود رغم كبر سنه، واتكأ على عصاه وقال
محدش هينزل السوق... أنا اللي هروح.
قلت له بقلق
إنت تعبان، ارتاح وأنا أجيب كل حاجة.
ابتسم وقال
لا... الزيارة دي ليها معنى كبير عندي.
نزل بنفسه، ورجع بعد ساعتين، شايل أكياس كتير رغم تعبه.
رتب السفرة بنفسه، وكان كل شوية يقول
زودوا الأكل... يمكن حد يستحي يطلب.
ولما وصل والد العريس، استقبله محمود عند الباب بالأحضان، وقال
نورت بيتنا... ده بيتك قبل ما يكون بيتنا.
الراجل تأثر جدًا من الاستقبال، وقال
والله قليل اللي بيستقبلوا الضيف بالشكل ده الأيام دي.
ابتسم محمود، وقال وهو ينظر إليّ
اتعلمت الدرس من أغلى إنسان دخل بيتي.
بعد انتهاء الزيارة، قعد حسن جنب أبوه وقال
بابا... أنا كنت صغير ومش فاهم اللي حصل زمان، لكن دلوقتي فهمت ليه كنت دايمًا تكرر علينا إن كرامة الضيف خط أحمر.
رد محمود وهو يبتسم
لأن كلمة واحدة غلط ممكن تفضل توجع صاحبها سنين... وكلمة طيبة واحدة ممكن تعيش في قلب إنسان العمر كله.
ثم أمسك
لو أمكم كانت سكتت خوفًا أو قبلت إهانة جدكم، كنت فضلت طول عمري إنسان ناقص. هي وقفتني عند
متابعة القراءة