ابويا جيه من الفيوم لزهرة الربيع

لمحة نيوز

شنطتي وقلت فاكر الشبكة اللي بعتها من غير ما تقولي علشان توفر؟ أنا كنت مخبية جزء من الفلوس في حساب باسمي. دي فلوسي، وصرفت منها على أبويا.
وشه احمر من الغضب، لكنه سكت لأن أبويا كان قاعد قدامه.
أبويا حاول يهدّي الجو وقال يا ولاد، مكنش ليه لزوم كل ده.
مسكت إيده وقلت بالعكس يا بابا... إنت تستاهل أكتر من كده. الراجل اللي تعب وشقى ورباني عمره ما يدخل بيت بنته ويحس إنه تقيل.
الكلام وقع على محمود زي الحجر.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية...
وأنا بقدم الأكل، سمعت خبط على الباب.
فتحت... لقيت صاحب العمارة واقف ومعاه الراجل اللي أجرلنا الشقة.
قال آسفين على الإزعاج... جينا ناخد الإيصال اللي الأستاذ محمود وعد يجيبه.
محمود ارتبك وقال إيصال إيه؟
صاحب العمارة رد قدام الكل إيصال التأمين اللي أخدناه منك زيادة، لأنك فضلت أسبوع كامل تفاوض على خصم خمسين جنيه في الإيجار، وفي الآخر دفعت مبلغ زيادة بالغلط.
أبويا استغرب وقال يعني بتتخانق على خمسين جنيه... وبتكسف ضيفك علشان تمن فرخة؟
محمود معرفش يرد.
ولأول مرة... حس إن بخله مبقاش مجرد توفير، لكنه بقى إهانة للناس اللي حواليه.
فضل ساكت طول الغدا، ولا رفع عينه في عين أبويا مرة واحدة بعد سنة كاملة...
ربنا رزقنا بولد، وقررنا نسميه حسن على اسم جدي.
يوم السبوع، وأنا بجهز البيت، لقيت محمود داخل المطبخ شايل أكياس كتير.
قلت له باستغراب إيه كل ده؟
ابتسم وقال دي عزومة لأهلك وأهلي والجيران... عاوز كل واحد يخرج من عندنا وهو فرحان.
ضحكت وأنا بفتكره وهو زمان كان شايف إن كباية عصير كفاية لأي ضيف.
في وسط العزومة، أبويا قعد يبص لمحمود وهو بيقدم الأكل بنفسه للناس، وقال وهو بيضحك هو ده محمود اللي كنت أعرفه؟
محمود ابتسم
وقال لا يا عمي... ده محمود الجديد. القديم مات يوم شاف نظرة الحزن في عين بنتك.
سكتت القعدة كلها.
وبعدين كمل وهو ماسك إيدي قدام الكل
يومها كنت فاكر إني بوفر فلوسي... لكن الحقيقة إني كنت بخسر احترام مراتي، وبركة بيتي.
قام ناحية أبويا، وقبّل إيده قدام الجميع، وقال
سامحني على كل كلمة ضايقتك بيها.
أبويا دمعت عينه، وشده في حضنه وقال أنا سامحتك من زمان... لأن بنتي اختارت تكمل بيتها، وإنت اخترت تصلح نفسك.
ومن يومها، بقى محمود كل ما يسمع إن حد جاي يزورنا، يكون أول واحد ينزل يشتري أحسن حاجة يقدر عليها.
وكان دايمًا يردد لابننا حسن
افتكر يا ابني... الضيف نعمة، وجدك له فضل علينا عمرنا ما ننساه. والكرم مش بكثرة الأكل... الكرم في احترام اللي داخل بيتك.
وهكذا انتهت الحكاية، بعد ما انتصر الاحترام على البخل، واتعلم محمود أن المال يمكن تعويضه، لكن كسر خاطر إنسان، خاصةً والد الزوجة، قد يترك أثرًا لا يُنسى بعد مرور شهرين، افتكرت إن الموضوع انتهى، وإن محمود فعلًا اتغير.
لكن في يوم، وأنا برتب الدولاب، لقيت ظرفًا قديمًا واقع بين هدومه.
فتحته من غير قصد، ولقيت فيه إيصالات وحسابات مكتوب عليها بخط إيده.
كل جنيه كان مسجله.
حتى المصاريف اللي صرفها على أهلي يوم ما جم عندنا كانت مكتوبة بالتفصيل
دجاجة ...
أرز ...
عصير ...
حلو ...
وفي آخر الورقة جملة صدمتني
مصاريف أهل الزوجة... لا تتكرر إلا للضرورة.
قفلت الظرف، وحطيته مكانه، لكن المرة دي ما سكتش.
بالليل، حطيت الورقة قدامه على السفرة.
أول ما شافها، وشه اصفر.
قلت بهدوء أنا كنت فاكرة إنك اتغيرت من قلبك... لكن واضح إنك كنت بتجامل وبس.
طول عمره كان عنده رد على كل حاجة...
المرة دي، فضل ساكت.
وبعد دقائق قال بصوت
واطي
أنا اتربيت في بيت كان كل قرش فيه بيتحسب. أبويا كان بيحاسبنا على رغيف العيش، ولحد النهارده الخوف من الفقر مسيطر عليّ. بس اكتشفت إني ظلمتك وظلمت عيلتك معايا.
سحب الورقة قدامي... وقطعها حتت صغيرة.
وقال
من النهارده مش هحسب كرامة الناس بالأرقام.
وبعدها بأسبوع، هو بنفسه اقترح نسافر الفيوم نزور أبويا.
اشترى هدية بسيطة، وأصر يحملها بإيده.
ولما دخل بيت أبويا، أول كلمة قالها كانت
يا عمي... المرة دي أنا اللي جاي آكل من خير إيدك، وأشكرك على إنك سامحتني.
ابتسم أبويا، وقال وهو بيحضنه
البيوت بتتبني بالاحترام يا ابني... واللي يعرف غلطه ويصلحه، مقامه بيكبر.
ومن يومها، بقى كل ما ييجي ضيف لبيتنا، محمود هو أول واحد يقول
حطوا السفرة... الضيف رزقه معاه.
وساعتها بس... حسيت إن بيتنا الجديد بقى فعلًا بيت بعد الموقف ده بأيام...
وأنا بنضف الدولاب، لقيت صندوق خشب صغير كان محمود قافله بالمفتاح.
استغربت، لأن عمره ما كان بيخبي عني حاجة بعد اللي حصل.
لما رجع من الشغل، سألته
إيه الصندوق ده؟
ابتسم وقال
افتحيه.
فتحت الصندوق، ولقيت دفتر توفير جديد.
فتحت أول صفحة... واتصدمت.
اسم صاحب الدفتر كان أبويا.
بصيت لمحمود باستغراب.
قال وهو مبتسم
كل شهر من أول مرتب بعد ما اتغيرت، وأنا بحط مبلغ بسيط فيه. مش صدقة، ولا مساعدة... ده رد جزء بسيط من جميل الراجل اللي ربّى أحسن زوجة في الدنيا.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت
بابا عمره ما هيقبل.
رد
عارف... عشان كده الدفتر هيبقى هدية ليه يوم يعمل عمرة أو لو احتاج أي حاجة، من غير ما يحس إنه مديون لحد.
في نهاية الأسبوع رحنا الفيوم.
بعد الغدا، محمود طلع الدفتر وحطه قدام أبويا.
أبويا فتحه، ولما فهم، زعل وقال
أنا مش محتاج فلوس يا
ابني.
ابتسم محمود، ومسح على إيده وقال
وأنا مش بديك فلوس... أنا بقولك شكرًا. شكرًا لأنك سامحتني، وشكرًا لأنك ربيت بنت بالأخلاق دي.
سكت أبويا شوية...
وبعدين حضنه وقال
النهارده بس حسيت إنك ابني بجد.
وأنا واقفة أبص عليهم، افتكرت اليوم اللي دخل فيه أبويا بيتي ومعاه شنطة فيها فطير ومش وعسل، وكان هيخرج منها مكسور الخاطر.
لكن ربنا أراد إن نفس الزيارة تبقى بداية تغيير عمر كامل.
ومن ساعتها، كل ما حد كان يمدح كرم محمود، كان يبتسم ويقول
الفضل بعد ربنا يرجع لمراتي... لأنها سكتت وقت ما كان لازم تسكت، واتكلمت وقت ما كان لازم تتكلم.
النهاية الحقيقية بعد خمس سنين...
كبر حسن، وبقى عنده أربع سنين، وكان متعلق بجده تعلق غريب. كل ما يشوفه يجري عليه ويقول
جدو... هتيجي عندنا؟
وأبويا يضحك ويقوله لو ماما وبابا عزموني، أجي طبعًا.
في يوم، وأنا في المطبخ، سمعت حسن بيسأل أبوه
بابا... ليه كل ما جدو ييجي بتجيب أكل كتير؟
ابتسم محمود، وشاله على رجله وقال
عشان جدك راجل عظيم، وعشان بابا زمان غلط غلطة كبيرة، واتعلم منها درس عمره ما هينساه.
حسن قال ببراءة إيه هي؟
بصلي محمود، وابتسم ابتسامة فيها ندم وقال
زمان افتكرت إن الفلوس أهم من مشاعر الناس... لكن أمك علمتني إن احترام الكبير وكرم الضيافة أهم من أي فلوس.
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.
فتحت...
لقيت راجل كبير واقف، شكله بسيط، هدومه قديمة، ووشه عليه تعب.
قال يا بنتي... أنا كنت بعدّي من هنا، وتعبت من الحر، ينفع أشرب كوباية مية؟
قبل ما أرد...
كان محمود سبقني.
فتح الباب على آخره، وقال بابتسامة
كوباية مية إيه بس؟ اتفضل ارتاح الأول، وهتاكل معانا.
بصيت له وافتكرت اليوم اللي قال فيه لأبويا كباية عصير كفاية.
ابتسمت من غير
ما أتكلم.
عرفت وقتها إن الإنسان ممكن فعلًا يتغير... لو اعترف بغلطه، وكان عنده استعداد يصلحه بالأفعال، مش بالكلام.
تمت
تم نسخ الرابط