بعد 3 سنين بقلم زيزي احمد
المحتويات
وده الدليل.
فتحت الظرف...
كان فيه إيصالات تبرعات، وصور قديمة، وخطابات شكر من الجمعية، كلها باسم فاعل خير مجهول.
لكن بين الأوراق، وقعت صورة صغيرة على الأرض.
ابني الصغير جرا يجيبها.
أول ما بص فيها، قال باستغراب
ماما... مين الراجل اللي واقف جنب بابا في الصورة دي؟
أخدت الصورة...
واتجمد الدم في عروقي.
لأن الراجل اللي كان واقف جنب جوزي... كان نفس الشخص اللي شفته واقف قدام بيتنا من يومين، بيراقب البيت من بعيد، ولما لمحني... اختفى من غير ما ينطق بكلمة.
الحاج محمود خطف الصورة من إيدي، واتغير لون وشه فجأة، وقال بصوت مرتبك
إزاي...؟! مستحيل يكون رجع... إحنا كنا فاكرين إنه اختفى من أكتر من عشرين سنة!ساد صمت ثقيل.
كل واحد فينا بقى يبص للتاني، وكأن الصورة دي قلبت كل اللي كنا فاهمينه.
قلت للحاج محمود بصوت متوتر
مين الراجل ده؟
فضل يبص للصورة ثواني، وبعدها رجعها ليا وقال
اسمه مش مهم دلوقتي... المهم تعرفي إنه كان سبب في أكبر قرار أخده جوزك في حياته.
عماد اتدخل بسرعة
يا حاج محمود... بعد كل السنين دي، لازم تقول الحقيقة كاملة.
هز رأسه وقال
هقول... بس بالترتيب.
قرب من الترابيزة، وحط الصورة عليها.
كانت الصورة قديمة جدًا، باين إنها متصورة في أرض زراعية.
جوزي كان واقف مبتسم، والراجل الغريب واقف جنبه، وبينهم طفل صغير ماسك شجرة زيتون.
دققت في الطفل.
وشه كان مألوف بطريقة غريبة.
قلت
أنا حاسة إني شفته قبل كده.
الحاج محمود قال
طبيعي... لأن الزمن بيغير الملامح.
وأخرج من جيبه نظارة، ولبسها، وبص للصورة مرة تانية.
الصورة دي اتصورت يوم ما اتزرعت أول شجرة في الأرض اللي جوزك اشتراها.
استغربت.
بس هو اشترى الأرض لوحده.
رد بهدوء
وده اللي كل الناس تعرفه... لكن الحقيقة إن الأرض كان ليها حكاية طويلة.
فتح الملف الأزرق مرة تانية، وطلع منه عقد قديم.
العقد كان باهت من كتر
أول ما بصيت عليه، لقيت اسم جوزي فعلًا.
لكن تحت اسمه مباشرة...
كان فيه اسم شخص تاني.
نفس اسم الراجل اللي في الصورة.
شهقت.
يعني الأرض كانت بينهم؟
عماد قال
أنا أول مرة أشوف العقد ده.
الحاج محمود رد
لأن النسخة دي كانت معايا أنا... وهو وصاني محدش يشوفها غير النهارده.
قلب الصفحة الأخيرة.
كان فيها ملاحظة بخط إيد جوزي
إذا ظهر شريكي يومًا، اسمعوا كلامه... لكن لا تسلموه المفتاح إلا بعد ما تتأكدوا من العلامة.
ابني الكبير سأل باستغراب
إيه العلامة؟
الحاج محمود سكت.
ولأول مرة، ظهر عليه القلق.
قال
دي المشكلة... أنا معرفش العلامة دي إيه.
في اللحظة دي...
رن جرس الموبايل بتاعي.
رقم غريب.
كنت هقفل المكالمة، لكن قلبي قالي أرد.
حطيت التليفون على ودني.
جالي صوت راجل هادئ قال
متفتحيش الظرف الأخير... ومتثقيش في أي حد موجود عندك دلوقتي.
اتجمدت.
وقبل ما أتكلم، كمل
ولو عايزة تعرفي الحقيقة... بصي تحت درج الكومود اللي كان جوزك بينام جنبه.
وأغلق الخط.
بصيت ناحية غرفة النوم.
دي أول مرة حد يذكر مكان محدش يعرفه غيري... وغير جوزي.
عماد لاحظ ارتباكي وقال
في إيه؟
لكن قبل ما أجاوب...
سمعنا صوت ارتطام قوي جاي من أوضة النوم...
كأن حد وقع أو فتح حاجة بعنف.
جرينا كلنا ناحية الأوضة...
ولما فتحنا الباب...
لقينا الدولاب مفتوحًا على آخره...
والعلبة الخشبية اللي كانت فوق الرف... اختفت تمامًا وقفت مكاني للحظات، وأنا ببص للدولاب المفتوح.
العلبة الخشبية اختفت...
لكن الغريب إن مفيش أي كسر في الشباك، ولا باب البلكونة مفتوح، ولا حتى أثر يدل إن حد دخل البيت.
عماد قال وهو بيلف بعينيه في الأوضة مستحيل... إحنا كلنا كنا قاعدين بره.
الحاج محمود قرب من الدولاب، ومرر إيده على الرف الفاضي، وقال بهدوء
اللي أخدها كان عارف مكانها... وعارف إحنا بندور على إيه.
قلبي بدأ يدق بعنف.
افتكرت
بصي تحت درج الكومود.
جريت ناحية الكومود اللي كان جوزي بينام جنبه.
شدّيت الدرج... لكنه مخرجش كله.
فضلت أحاول لحد ما طلع بالكامل.
حطيته على الأرض، وبصيت تحته.
في البداية، مكنش فيه حاجة.
لكن لما مررت إيدي، حسيت بحافة خشب مختلفة.
ضغطت عليها...
وفجأة اتفتح جزء سري صغير، عمره ما كان ظاهر.
شهقت.
كان جواه ظرف أبيض، وميدالية نحاس صغيرة على شكل مفتاح.
أخدت الظرف بسرعة.
كان مكتوب عليه بخط جوزي
لو وصلتي للرسالة دي... يبقى حد سبقك للعلبة.
بصيت لعماد والحاج محمود، ووشوشهم اتغيرت.
فتحت الرسالة وأنا برتعش.
كان مكتوب
متستغربيش لو لقيتي العلبة اختفت... لأن اللي بيدور عليها مش بيدور على فلوس، ولا على أوراق... بيدور على دفتر أسود صغير.
لفيت الورقة.
مفيش غير سطر واحد تحتها.
والدفتر... عمره ما كان جوه العلبة.
عماد قال بدهشة يعني كل اللي خد العلبة... خدها على الفاضي؟
الحاج محمود هز رأسه.
واضح إن صاحب الرسالة كان عامل حساب كل خطوة.
ابني الكبير سأل إيه الدفتر ده؟
رد الحاج محمود
معرفش... لكن أكيد هو أهم من الأرض، وأهم من المفاتيح كلها.
في اللحظة دي...
ابني الصغير كان واقف ساكت، وباصص لصورة أبوه المعلقة على الحيطة.
وفجأة قال
ماما... هو بابا كان بيحب الكتاب الأسود اللي كان بيقعد يكتب فيه كل ليلة؟
لفيت ناحيته بسرعة.
كتاب إيه؟
قال ببراءة
الدفتر اللي كنتي بتقوليلي كل مرة سيبه مكانه، ده بتاع بابا.
اتسعت عيني.
افتكرت فعلًا...
قبل وفاة جوزي بشهور، كان فيه دفتر أسود صغير، عمره ما كان بيسيبه.
وفجأة... اختفى.
وقتها افتكرت إنه ضاع وسط حاجاته بعد الوفاة.
لكن دلوقتي...
أدركت إنه ما ضاعش.
كان مخبّى في مكان قصده هو بنفسه.
وقبل ما أتكلم...
رن جرس الباب مرة تانية.
ولما بصيت من العين السحرية...
لقيت نفس الرجل اللي كان في الصورة القديمة واقف قدام
لكن المرة دي...
كان ماسك في إيده العلبة الخشبية المسروقة...
وقال من برّه بصوت واضح
أنا رجعتها... لأن اللي كنت بدور عليه، ملقتوش فيها. لكن لو عايزين تعرفوا مكان الدفتر الأسود... لازم تسمعوا الحقيقة اللي أخفيتها عن أبوكم طول السنين اتبادلنا النظرات في صمت.
عماد همس متفتحيش... لحد ما نعرف هو عايز إيه.
لكن الحاج محمود قال بهدوء لا... افتحي. لو كان ناوي يأذينا، ماكنش رجّع العلبة.
أخدت نفسًا عميقًا، وفتحت الباب.
الراجل دخل من غير ما يتكلم، وحط العلبة الخشبية على السفرة برفق، كأنها شيء غالي عليه.
كان شعره مخلوطًا بالشيب، وملامحه مرهقة، لكن عينيه كان فيهم حزن واضح.
بص للصورة المعلقة لجوزي، وقال بصوت مكسور
الله يرحمك يا صاحبي... حتى بعد رحيلك، لسه سابقنا بخطوة.
استغربت.
لو كان صاحبه فعلًا... ليه مستخبي كل السنين دي؟
قلت بحزم حضرتك مين؟
رد بعد لحظة صمت اسمي شريف... وكنت أعرف جوزك من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
عماد قطب حاجبيه.
ليه ما ظهرتش في العزا؟ ولا في أي وقت بعد وفاته؟
تنهد شريف وقال
لأن ده كان وعد بيني وبينه... إنه لو حصل له حاجة، أفضل بعيد لحد ما ييجي الوقت المناسب.
أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا، وقدمه لي.
كان الظرف مختومًا بالشمع الأحمر.
وعليه عبارة واحدة
يُفتح بحضور شريف فقط.
بصيت للحاج محمود.
هز رأسه وقال أنا أول مرة أشوف الظرف ده.
كسرت الختم.
في الداخل كانت هناك ورقة قصيرة جدًا.
لو شريف واقف قدامكم، يبقى المرحلة الأولى انتهت... لكن قبل أي خطوة، اسألوه عن اللي حصل ليلة المطر.
رفعت عيني بسرعة.
قلت إيه هي ليلة المطر؟
ملامح شريف اتبدلت فجأة.
سكت... وبعدين قال
الليلة دي غيرت حياة جوزك للأبد.
كلنا سكتنا.
بدأ يحكي
من حوالي عشرين سنة، كان في مطر شديد جدًا، وأنا وهو راجعين من سفر. على طريق زراعي، لقينا عربية مقلوبة في الترعة.
اتسعت
من غير تفكير، نزل جوزك للمية، وأنقذ أسرة كاملة كانت محبوسة جوه العربية... أب وأم وطفل صغير.
ابني الكبير ابتسم بفخر.
لكن شريف كمل بصوت منخفض
بعدها بأيام، الأب
متابعة القراءة