بعد 3 سنين بقلم زيزي احمد
بعد 3 سنين من وفاة جوزي... لقيت نفسي واقفة قدام دولابه، حضنت قميصه وبكيت لأول مرة قدام ولادي... لكن الصدمة الحقيقية كانت لما ابني الصغير مسك إيدي وقال ماما... هو ينفع يبقى لينا بابا تاني؟... ساعتها قلبي وقف، ومقدرتش أرد.
أنا أرملة عندي 39 سنة، ومن يوم ما زوجي توفى وأنا بحارب الدنيا لوحدي. قدام الناس قوية، بضحك، وبشتغل، وبربي طفلين بكل اللي أقدر عليه... لكن أول ما باب البيت يقفل بالليل، القوة دي كلها بتقع، وأفضل أبص لكرسيه الفاضي وكأنه لسه هييجي يقعد عليه.
كل حاجة في البيت لسه شايلة ريحته... فنجان القهوة اللي كان بيشرب فيه، الساعة اللي كان سايبها على الكومود، حتى الدعوة اللي كان بيقولها قبل ما ينزل الشغل لسه بسمعها في وداني.
الناس فاكرة إن 3 سنين كفاية عشان الإنسان ينسى... لكن محدش يعرف إن الفقد ملوش ميعاد.
اللي كان بيوجعني أكتر، إني كل ما أقعد وسط قرايبي أو صحباتي، يفضلوا يحكوا عن أزواجهم، عن فسحة، أو خناقة واتحلت، أو هدية جابها... وأنا أفضل ساكتة، أبتسم بالعافية، وأرجع البيت أبكي في حضن المخدة.
فضلت أقول لنفسي إني هعيش لأولادي وبس... لكن الحقيقة إني كنت محتاجة حد يسندني، حد أقوله تعبانة من غير ما أشرح، وحد يطمنّي لما أخاف من بكرة.
لما بعض الناس قالولي اتجوزي... إنتِ لسه صغيرة، حسيت بالذنب، وكأني بخون الراجل اللي حبيته بجد. ولما ناس تانية قالتلي ركزي في عيالك وبلاش جواز، حسيت إني اتحكم عليّ أعيش باقي عمري لوحدي.
وفي ليلة، وأنا بقلب في صورنا القديمة، لقيت رسالة بخط إيده كان كاتبها ليا من سنين لو في يوم الدنيا تعبتك... أوعي تكسري.
حضنت الورقة وفضلت أعيط، وسألت نفسي لأول مرة بصوت عالي هو لو فكرت أبدأ من جديد... يبقى أنا بخون ذكراه؟ ولا
لكن اللي حصل بعدها بيوم واحد، خلّى كل الأسئلة دي تتحول لصدمة... لأن باب البيت خبط، ولما فتحته لقيت شخصًا واقف قدامي، ومعاه حاجة من ماضي جوزي، وقال بهدوء
أنا لازم أكلمك... لأن في سر كان جوزك مخبيه، والوقت جه تعرفيه ووو
بقلم_زيزي_احمد
الرجل كان في أواخر الأربعينات، ملامحه هادئة، وفي إيده حقيبة جلدية قديمة باين عليها إنها عاشت سنين طويلة.
اترددت للحظة، لكن حاجة جوايا خلتني أفسح له الطريق.
قال بصوت منخفض أنا اسمي عماد... وكنت شريك جوزك، الله يرحمه، قبل ما يسيب الشغل بسنين.
اتسمرت مكاني.
جوزي عمره ما قالي إنه كان ليه شريك.
فتح الحقيبة، وطلع منها ملف أزرق، وصندوق خشب صغير، ومفتاح نحاس قديم.
قال وهو بيبص للمفتاح قبل وفاته بأسبوع سلّمني الحاجات دي، وقال لو جرالي حاجة، متسلمهمش لمراتي إلا بعد 3 سنين.
قلبي بدأ يدق بعنف.
ليه استنى 3 سنين؟
فتح الملف، وطلع منه ورقة بخط إيد جوزي.
أول ما شفت خطه، دموعي نزلت.
كان مكتوب
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى ربنا اختارني قبلك... وأنا راضي بقضائه. ولو عماد جه بعد 3 سنين، يبقى اعرفي إن الوقت المناسب جه.
حضنت الورقة وأنا برجف.
كمل عماد جوزك كان بيبني حاجة كبيرة... لكن كان خايف الناس تستغلها وإنتِ لسه في عز الصدمة، عشان كده طلب مني أستنى.
فتح الصندوق الخشبي.
كان فيه مفاتيح صغيرة، وخريطة قديمة لقطعة أرض، وفلاشة.
قال الفلاشة دي فيها كل تسجيلاته.
وصلناها على اللاب.
وفجأة ظهر جوزي على الشاشة، مبتسم بنفس الابتسامة اللي وحشتني.
قال
لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أول حاجة عايز أقولها... أنا فخور بيكي. كنت عارف إنك هتشيلي البيت، وهتربي ولادنا أحسن تربية.
كنت بعيط، وولادي قاعدين جنبي ساكتين.
كمل
يمكن
طلع كاميرا يصورها.
كانت مجرد أرض فاضية وقتها.
قال
اشتريتها بالقسط من سنين، وكنت ناوي أبني عليها مركز خيري لتعليم الأيتام والحرف مجانًا. مكان يطلع منه شباب يشتغلوا ويعيشوا بكرامة.
بصيت لعماد بعدم تصديق.
ابتسم وقال الحلم ده لسه ممكن يكمل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لما فتح آخر درج في الصندوق.
كان فيه ظرف مغلق مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا قررتوا تبدأوا التنفيذ.
بصيت لأولادي.
ابني الكبير قال بحماس يا ماما... نكمل حلم بابا.
أما الصغير، اللي سألني من يومين إذا ينفع يبقى لينا بابا تاني... حضن الصورة وقال
بابا لسه معانا... صح؟
ضمّيته لصدري وقلت طول ما الخير اللي كان نفسه يعمله هيعيش... يبقى باباكم عمره ما غاب.
فتحت الظرف.
لكن أول سطر فيه خلّى عماد نفسه يندهش، لأنه كان مكتوب
المركز مش هيقوم على الأرض دي... إلا لما تلاقوا المفتاح الأخير.
سكت الجميع.
عماد رفع رأسه وقال بذهول
مفتاح أخير؟! أنا عمري ما سمعت عنه...
وفي اللحظة نفسها، جرس الباب رن مرة تانية...
ولما فتحت، لقيت راجل مسن واقف، ماسك في إيده عصا خشبية قديمة، وقال بثقة
أنا كنت مستني اليوم ده من 3 سنين... والمفتاح الأخير معايا، لكن قبل ما أسلمه... لازم تعرفوا الحقيقة اللي عمر محدش عرفها عن والدكم الراجل العجوز دخل بخطوات بطيئة، لكنه كان ماشي بثقة غريبة، كأنه حافظ البيت ده من زمان.
بصيت له باستغراب، وقلت حضرتك تعرف جوزي؟
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال أعرفه من وهو شاب صغير... ويمكن أعرف عنه حاجات حتى أقرب الناس ليه ميعرفوهاش.
عماد وقف فجأة وقال إنت... إنت الحاج محمود؟
هز العجوز رأسه.
أيوه... وأنا كنت مستني
مد إيده بعلبة معدنية صغيرة، عليها آثار صدأ، لكن كان واضح إنها محفوظة بعناية.
قال دي أمانة عندي من أكتر من عشر سنين... وصاحبها قال محدش يفتحها غير مراته، وبعد مرور 3 سنين على وفاته.
إيدي كانت بترتعش وأنا باخد العلبة.
كان عليها بخط جوزي
الأمانة الأخيرة.
فتحتها ببطء...
لقيت مفتاح فضي مختلف عن كل المفاتيح اللي شوفناها، ومعاه ورقة مطوية.
قبل ما أفتح الورقة، الحاج محمود قال بسرعة استني... اقريها لما أقولك.
استغربت.
ليه؟
رد وهو بيبص لعماد لأن فيه حاجة لازم تتقال الأول... لو قريتي الرسالة قبل ما تعرفيها، ممكن تفهميها غلط.
قعدنا كلنا في الصالة.
الحاج محمود أخد نفسًا طويلًا وقال
من حوالي خمستاشر سنة، جوزك كان شغال في شركة كبيرة، وكان قدامه فرصة يسافر بره مصر براتب أضعاف اللي بياخده.
افتكرت فعلًا إنه مرة لمح للسفر، لكنه عمره ما حكى التفاصيل.
الحاج محمود كمل
كل الناس افتكرت إنه رفض السفر عشان مش حابب الغربة... لكن الحقيقة غير كده تمامًا.
سكت لحظة، وكأنه بيجمع ذكرياته.
قبل السفر بأيام، عرف إن في مجموعة شباب أيتام كانوا هيتشردوا بعد ما الجمعية اللي بتصرف عليهم أعلنت إفلاسها.
ابني الكبير سأل وبابا عمل إيه؟
ابتسم الحاج محمود بفخر.
باع عربيته... وسحب كل تحويشة عمره... وحط الفلوس كلها في حساب الجمعية، بشرط واحد.
قلت بسرعة إيه هو؟
إن محدش يعرف اسمه.
شهقت وأنا حاطة إيدي على بقي.
عمري ما سمعت بالكلام ده.
عماد هز رأسه وقال وده سبب إنه فضّل يبدأ من الصفر تاني... وكان بيقول لكل الناس إن العربية باعها عشان يفتح مشروع.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الحاج محمود كمل
ولما المشروع نجح بعد سنين، قال لي جملة عمري ما نسيتها...
وسكت.
قلت بلهفة قال إيه؟
ابتسم
قال الخير لما يتعمل في السر... ربنا هو اللي يحفظه.
وفجأة أخرج من جيبه ظرفًا أصفر قديم.
قال