هتجوز انا وانتى
المحتويات
واقف عند باب الجناح.
شاف السلسلة في إيدها... واتغير لون وشه.
بص لها بصدمة حقيقية وقال
السلسلة دي... جتلك منين؟
رحمة رفعت عينيها نحوه.
تعرفها؟
جاد قرب خطوة، وعينه ثابتة على السلسلة.
وقال بصوت منخفض
أعرفها... لأنها كانت مع أبوكي... آخر مرة شفته فيها قبل ما يموت.
الكلمة نزلت على رحمة كالصاعقة.
اتسعت عينيها وهي بتقول
إنت... كنت تعرف بابا؟
ساد صمت ثقيل...
وجاد أدرك أن السر الذي أخفاه لسنوات بدأ يخرج إلى النور، وأن الأيام القادمة لن تكون مجرد تمثيل لزواج مؤقت، بل بداية مواجهة مع ماضٍ لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا له رحمة رجعت خطوة لورا، وإيديها بتضم السلسلة بقوة.
قالت بصوت متقطع
يعني... إنت كنت تعرف بابا؟! ليه مخبيتوش عليا؟
جاد أخد نفسًا عميقًا، وقفل باب الجناح بهدوء.
اقعدي... ولازم تسمعي الكلام كله قبل ما تحكمي.
رحمة فضلت واقفة.
لا... اتكلم.
جاد سكت لحظة، ثم قال
أبوكي كان راجل شريف. اشتغل مع والدي أكتر من خمسة عشر سنة. عمره ما خان الأمانة، وكان من أكتر الناس اللي والدي بيثق فيهم.
رحمة شهقت.
مستحيل... بابا عمره ما حكالي.
لأنه كان رافض يدخل أسرته في شغله.
مد جاد إيده ناحية السلسلة.
السلسلة دي كنت فاكر إنها ضاعت يوم الحادث.
رحمة قبضت عليها أكتر.
يبقى الرسائل دي بتقول الحقيقة... في حد عارف حاجة.
جاد هز رأسه.
أو في حد بيحاول يوقعك.
وقبل ما يكمل...
رن موبايله.
بص للشاشة، لقى مدير الأمن.
رد بسرعة.
خير؟
جاله الصوت متوتر
يا جاد بيه... في مشكلة.
إيه اللي حصل؟
الشخص اللي ساب الظرف... ظهر تاني.
جاد اعتدل في وقفته.
فين؟
على كاميرات المراقبة... واقف دلوقتي قدام البوابة الرئيسية.
جاد خرج من الجناح بسرعة، ورحمة جريت وراه.
وصلوا لغرفة المراقبة.
على الشاشة...
كان راجل كبير في السن، لابس جلابية بسيطة وواقف قدام البوابة.
وشه كان باين المرة دي.
رحمة صرخت فجأة
عم سعيد!
كل اللي في الغرفة بصوا لها.
جاد سألها بسرعة
تعرفيه؟
ده كان صاحب بابا... وكان بيزورنا زمان.
جاد قال لمدير الأمن
دخلوه فورًا.
بعد دقائق...
دخل الراجل وهو ماسك عصاية، وشكله مرهق.
أول ما شاف رحمة، دموعه نزلت.
كبرتي يا بنت حسن...
رحمة جريت عليه.
يا عم سعيد... إنت فين من سنين؟
بصلها بحزن.
كنت مستخبي... لأن في ناس كانت عايزة تخلص مني.
جاد تدخل بهدوء
حضرتك اللي بعت الرسائل؟
الراجل هز رأسه.
أيوه.
رحمة قالت بسرعة
ليه مخوفتني؟
تنهد وقال
لأن الحقيقة أخطر من إن تتقال في التليفون.
مد إيده في جيبه، وطلع فلاشة صغيرة.
حطها على الترابيزة.
دي فيها تسجيلات ومستندات احتفظ بيها أبوكي قبل وفاته بأيام.
رحمة بصت للفلاشة وكأنها كنز.
جاد مد إيده، لكن عم سعيد سحبها بسرعة.
وقال بجدية
قبل ما حد يشوف اللي فيها... لازم أعرف حاجة.
كل الموجودين سكتوا.
بص لجاد مباشرة وقال
يا جاد... إنت مستعد تعرف الحقيقة كاملة؟
جاد رد بثبات
أيوه.
لف عم سعيد ناحية رحمة.
وإنتِ يا بنت حسن... مستعدة تعرفي إن الحادث اللي أخد أبوكي... يمكن ماكانش حادث أصلًا؟
رحمة حسّت الأرض بتميد تحت رجليها.
لكن قبل ما حد ينطق...
انطفأت الكهرباء فجأة في القصر كله.
غرقت الغرفة في الظلام.
وفي نفس اللحظة...
اتسمع صوت زجاج بيتكسر في الدور الأرضي...
ثم دوّى جهاز الإنذار في أرجاء القصر، وأسرع أفراد الأمن نحو مصدر الصوت، بينما تشبثت رحمة بالسلسلة في يدها، مدركة أن من يطارد الحقيقة... وصل إليهم قبل أن ينطق عم سعيد بكلمة واحدة دوّى جرس الإنذار في القصر كله، وتحولت الأروقة الهادئة إلى حركة سريعة.
رجال الأمن انتشروا في كل اتجاه، بينما أخرج جاد هاتفه وأمر بحزم
اقفلوا كل البوابات... محدش يخرج ولا يدخل قبل ما نفتش القصر كله.
جاءه الرد فورًا
حاضر يا فندم.
رحمة كانت واقفة بجوار عم سعيد، وإيديها بتترعش.
قالت بخوف
الفلاشة... أهم
عم سعيد حطها في جيبه الداخلي وقال
طول ما هي معايا محدش هياخدها.
بعد دقائق، اشتغلت الكهرباء تاني.
مدير الأمن دخل وهو بيحاول يلتقط أنفاسه.
يا جاد بيه... لقينا الزجاج المكسور في باب المكتب القديم، لكن الغريب إن مفيش حاجة اتسرقت.
جاد عقد حاجبيه.
يبقى اللي دخل كان بيدور على حاجة.
وفجأة تذكّر.
لف ناحية عم سعيد بسرعة.
الفلاشة!
لكن عم سعيد ابتسم ابتسامة هادئة.
متقلقش... لسه معايا.
تنفس جاد الصعداء.
ثم قال
ندخل المكتب ونشوف اللي فيها.
دخل الأربعة المكتب، وأغلق جاد الباب بنفسه.
وضع عم سعيد الفلاشة في يد جاد.
وصلها بالكمبيوتر.
ظهرت ملفات كثيرة.
أول ملف كان بعنوان
وصية حسن.
رحمة شهقت.
ضغط جاد على الملف.
ظهر تسجيل فيديو.
كان رجل في الخمسينات، ملامحه مرهقة لكنه يبتسم بهدوء.
رحمة انفجرت في البكاء.
بابا...
على الشاشة قال حسن
لو الفيديو ده اشتغل... يبقى أنا غالبًا مش موجود في الدنيا.
سكت لحظة، ثم أكمل
يا رحمة... لو إنتِ اللي بتتفرجي عليا، يبقى اعرفي إني بحبك أكتر من أي حاجة.
دموع رحمة نزلت بغزارة.
أما جاد فظل يركز في الشاشة.
أكمل حسن
أنا ما عملتش أي ذنب... لكن اكتشفت ناس بتحاول تستولى على حقوق شركات كبيرة بالتزوير. احتفظت بالمستندات... ولو حصلي حاجة، يبقى اعرفوا إنها مش صدفة.
نظر حسن إلى الكاميرا مباشرة وقال
يا جاد... لو وصل لك التسجيل ده، أوعدني تحمي بنتي. لأنها ملهاش حد بعد ربنا.
رحمة التفتت ناحية جاد بصدمة.
بابا... كان يعرفك؟
جاد لم يجب.
على الشاشة أكمل حسن
أنا ووالدك كنا أصحاب عمر... ولما حسيت بالخطر، استأمنت جاد على سر كبير. وقتها كان لسه شاب، لكنه وعدني إنه يحافظ على الأمانة مهما حصل.
ساد الصمت داخل المكتب.
رحمة كانت تنظر إلى جاد، وكل الأسئلة تتزاحم في رأسها.
قالت بصوت مبحوح
يعني... أنت من زمان كنت عارفني؟
أخفض جاد رأسه قليلًا، ثم قال بهدوء
كنت
وقبل أن ترد رحمة...
ظهر إشعار جديد على شاشة الكمبيوتر.
ملف أخير بعنوان
لا يُفتح إلا إذا شعرت أن الخطر اقترب.
نظر عم سعيد إلى الشاشة، وتغيرت ملامحه.
وقال بقلق
لا... الملف ده ماكنتش أتمنى ييجي اليوم اللي يتفتح فيه.
مد جاد يده نحو الفأرة...
لكن قبل أن يضغط، دوّى صوت إطلاق نار من خارج القصر، فتجمد الجميع في أماكنهم، بينما جاء صوت أحد أفراد الأمن من جهاز الاتصال
يا جاد بيه... في حد بيحاول يقتحم البوابة الرئيسية!دوّى صوت إطلاق النار في الخارج، لكن جاد رفع إيده فورًا وقال لرجال الأمن
محدش يرد بالنار إلا لو في خطر مباشر. اقبضوا عليه حي.
بعد دقائق من التوتر، وصل الخبر.
الرجل المجهول اتقبض عليه.
ولما الأمن فتش عربيته، لقوا فيها مستندات قديمة وصور وأوراق كانت بتثبت وجود شبكة تزوير كبيرة، يقودها مجموعة من رجال الأعمال الفاسدين، واللي كان حسن والد رحمة اكتشف جرائمهم قبل سنوات.
أما الحادث اللي مات فيه...
فماكانش حادث عادي، لكنه كان نتيجة تخطيط لإسكاته.
عم سعيد سلّم كل الأدلة
للنيابة، وجاد استخدم كل نفوذه القانوني علشان القضية تتحقق فيها بشفافية، بعيدًا عن أي ضغوط.
بعد شهور من التحقيقات...
صدرت الأحكام.
كل المتورطين اتحاسبوا، واترد اعتبار حسن رسميًا، واتكتب في قرار المحكمة إنه كان موظفًا شريفًا حاول يحمي الأمانة حتى آخر لحظة.
رحمة وقفت قدام قبر أبوها وهي ماسكة وردة بيضا.
دموعها نزلت وهي بتقول
حقك رجع يا بابا... أخيرًا ارتحت.
وقف جاد على بعد خطوات، احترامًا لمشاعرها.
ولما خلصت، قرب منها وقال
وعدته أحميكي... والحمد لله قدرت أوفي بجزء من الوعد.
ابتسمت له لأول مرة من قلبها.
لكن كان لسه باقي وعد تاني...
وهو نهاية الشهر.
...
مرّ الشهر بسرعة.
وفي اليوم المحدد، جه المحامي شريف بالعقد.
حطه على المكتب وقال
النهارده آخر يوم في الاتفاق.
رحمة ابتسمت ابتسامة حزينة.
كانت فاكرة إن فراق جاد هيكون سهل.
لكنه بقى
متابعة القراءة