صرخ الولد

لمحة نيوز

لوحة مفاتيح معلقة على الحائط... كان ناقص منها مفتاح واحد، ورقمه كان 27.
الأب فتح عينيه بدهشة.
إزاي ما افتكرناهاش!
رجعوا للفيلا فورًا.
نزلوا للمخزن.
وبالفعل، كانت لوحة المفاتيح القديمة ما زالت في مكانها.
كل المفاتيح موجودة...
إلا رقم 27.
الأب أدخل المفتاح في باب صغير آخر الممر.
سمعوا صوت تك.
الباب اتحرك ببطء.
ورا الباب كانت أوضة ضيقة جدًا، مغطاة بالتراب، واضح إنها مقفولة من سنين.
دخلوا بحذر.
في الركن كان فيه خزنة حديدية.
الغريب...
إن نفس المفتاح فتح باب الأوضة، لكنه ما فتحش الخزنة.
الخزنة كانت برقم سري.
وأعلاها ورقة صفراء مكتوب عليها
الرقم السري هو تاريخ لن تنساه.
الأب فضل يفكر.
تاريخ ميلاد ابنه؟
مافتحش.
تاريخ وفاة زوجته الأولى؟
مافتحش.
تاريخ تأسيس الشركة؟
برضه لا.
وفجأة...
الولد، اللي كان خرج من المستشفى بعد تحسن حالته وجاء مع والده، قال بهدوء
بابا... جرب اليوم اللي ماما قالتلي فيه إن الحقيقة عمرها ما بتستخبى.
الأب سكت.
افتكر...
كان آخر عيد ميلاد احتفلوا بيه مع والدته قبل وفاتها.
كتب التاريخ.
ضغط آخر رقم...
وفجأة...
الخزنة اتفتحت.
لكن اللي جواها ماكانش فلوس.
ولا مجوهرات.
كان صندوق خشب صغير.
ولما فتحوه...
لقوا ملفات قديمة جدًا.
وصور.
وعقود.
وفوق الكل...
مظروف مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا تعرض ابني لأي خطر.
الأب حس إن قلبه هيقف.
لأن الخط...
كان خط زوجته الراحلة.
رفع المظروف ببطء...
وقبل ما يفتحه، قال المحقق
استنى... لازم نوثق كل اللي فيه.
لكن الأب كان يعلم أن ما بداخل هذا المظروف قد يغيّر كل ما عرفه عن القضية، وربما يكشف السر الذي حاول شخص ما إخفاءه لسنوات مرت ثوانٍ ثقيلة...
المحقق خرج من المكتب وهو ماسك الورقة، وقال لكل الضباط
محدش يتحرك لوحده. من دلوقتي أي خطوة هتكون بأمر مباشر.
الأب قرب منه وقال بعصبية
قول لي الاسم.
المحقق تنهد وقال
لو قلته قبل ما نتأكد، ممكن نضيع القضية كلها.
في اللحظة دي، رن هاتف أحد الضباط.
رد بسرعة، ثم اتغير وشه.
يا فندم... في انفجار بسيط حصل في المخزن اللي لقينا فيه الكمبيوتر.
المحقق اتجمد.
في إصابات؟
لا... المكان كان فاضي، لكن واضح إن حد كان عايز يدمر أي دليل باقي.
المحقق بص للأب وقال
واضح إنهم عرفوا إننا قربنا.
...
في نفس الوقت، كان فريق الأدلة الجنائية بيراجع الملف الأخير.
وفجأة اكتشف الخبير حاجة غريبة.
قال
بصوا هنا.
كل الورق كان مطبوع.
إلا توقيع واحد.
كان مكتوبًا بقلم حبر أزرق.
الخبير ابتسم وقال
الحبر ده ممكن يوصلنا لصاحبه.
الأب استغرب.
إزاي؟
لأن الورقة دي اتكتبت من أيام قليلة، ولسه عليها بصمات واضحة.


أُرسلت الورقة فورًا إلى المعمل.
وبعد أقل من ساعة...
ظهر تقرير البصمات.
المحقق فتحه.
وسكت.
الأب قال بلهفة
مين؟
رد المحقق
البصمة مش لمجرم سابق... ولا لأي حد من اللي حققنا معاهم.
أمال لمين؟
رفع المحقق التقرير وقال
البصمة مطابقة لشخص دخل الفيلا أكثر من مرة بصفة رسمية.
الأب بدأ يراجع الأسماء في دماغه.
الأطباء...
المهندسين...
عمال الصيانة...
المحامي...
لكن المحقق أكمل
علشان كده... استدعينا كل اللي دخلوا الفيلا خلال آخر سنة.
وبينما التحقيقات مستمرة...
دخل ضابط شاب وهو يحمل تقريرًا جديدًا.
قال
لقينا كاميرا صغيرة جدًا مخفية في المكتب.
فتحوا التسجيل.
ظهر شخص يدخل المكتب ليلًا.
كان يلبس قفازات.
لكن وهو بيقفل الدرج...
وقعت القفاز من إيده للحظة.
فظهرت في معصمه علامة مميزة...
ندبة طويلة تمتد حتى كفه.
الأب شهق.
أنا شوفت الندبة دي قبل كده!
المحقق سأله بسرعة
فين؟
الأب رد وهو يحاول يتذكر
في اليوم اللي ابني تعب أول مرة... الشخص ده سلّم عليّ.
ساد الصمت.
لأن معنى ذلك كان واضحًا...
العقل المدبر لم يكن شخصًا بعيدًا عن العائلة أو الشركة، بل كان قد وقف أمام الأب وجهًا لوجه، وصافحه، دون أن يثير أي شك الأب حس بقلبه بيدق بعنف.
قال للمحقق
كل اللي في البيت خرج معايا... مين ممكن يكون هناك؟
المحقق ما ردش.
أشار لرجال الشرطة
ارجعوا الفيلا فورًا... فتشوا كل شبر.
وصلت القوة خلال دقائق.
الفيلا كانت هادئة بشكل غريب.
كل الأبواب مقفولة.
لكن أحد الضباط لاحظ إن نور المكتب الخاص بالأب منور.
رغم إن محدش كان فيه قبل ما يخرجوا.
اقتربوا بحذر.
وفجأة...
سمعوا صوت درج بيتقفل.
صرخ الضابط
شرطة... افتح الباب!
محدش رد.
كسروا الباب.
لكن المكتب كان فاضي.
النافذة الخلفية مفتوحة.
والستارة بتتحرك مع الهوا.
واضح إن حد هرب قبل وصولهم بثوانٍ.
وأثناء تفتيش المكتب، لاحظ الأب إن اللوحة المعلقة على الحائط مائلة.
رفعها.
وراها كان فيه تجويف صغير في الحائط.
جواه جهاز تسجيل رقمي.
ضغط على زر التشغيل.
خرج صوت رجل يقول
أنا عارف إنكم هتوصلوا للجهاز ده... ولو وصلتوا، يبقى اللعبة انتهت.
سكت لحظة، ثم أكمل
أنا مش ههرب أكتر من كده.
الجميع تبادل النظرات.
لكن التسجيل ما انتهاش.
قال الرجل
دوروا في مكتبي القديم... الدليل الأخير هناك.
المحقق سأل الأب
فين مكتبه؟
الأب رد بسرعة
الموظف القديم كان ليه مكتب في المبنى الإداري للشركة... من يوم ما ساب الشغل محدش دخله.
تحركوا فورًا.
وصلوا الشركة.
فتحوا المكتب المغلق.
كان كل شيء عليه طبقة تراب.
لكن المكتب نفسه كان مرتبًا بطريقة غريبة.
الخبير بدأ يفتش.
وفجأة سحب أحد الأدراج.

طلع درج سري.
كان فيه ملف واحد فقط.
فتحوه.
وجدوا قائمة بأسماء كل الأشخاص الذين شاركوا في التزوير وإخفاء الأدلة.
لكن أمام اسم واحد فقط كانت مكتوبة كلمة
الرئيس.
ولا يوجد اسم حقيقي.
ولا صورة.
ولا أي معلومة تدل عليه.
وفي آخر الملف...
كانت ورقة مطوية.
فتحها المحقق.
قرأها بصمت.
ثم رفع رأسه ببطء.
الأب سأله بقلق
إيه المكتوب؟
قال المحقق
المرة دي... عندنا اسم كامل.
اقترب الأب بسرعة.
لكن المحقق أغلق الورقة وقال
لازم نتأكد الأول... لأن لو الاسم ده صحيح، فالقضية كلها هتنتهي خلال ساعات.
وفي الخارج...
كانت سيارة سوداء تقف أمام مبنى الشركة.
وبداخلها شخص يراقب كل ما يحدث، ثم أخرج هاتفه وقال بهدوء
واضح إنهم عرفوا الطريق... نفذوا الخطة الأخيرة.
يتبع...الأب قعد يحاول يفتكر.
كان يقلب الوجوه في دماغه واحدًا واحدًا.
وفجأة ضرب كفه بكف.
افتكرت!
المحقق اقترب منه بسرعة.
مين؟
الأب قال
في يوم عيد ميلاد ابني... كان فيه شركة صيانة جاية تركب نظام كاميرات جديد. مدير الفريق سلّم عليّ، وكانت في إيده ندبة طويلة.
المحقق ما ضيعش ثانية.
طلب ملف شركة الصيانة.
وبعد مراجعة السجلات، اكتشفوا مفاجأة.
شركة الصيانة دي ما كانتش هي اللي ركبت الكاميرات أصلًا.
كان فيه أمر عمل مزور باسمها.
يعني الشخص دخل الفيلا بهوية مزيفة.
...
بدأوا يراجعوا تسجيلات بوابة الفيلا القديمة.
وفي أحد التسجيلات ظهر الرجل بوضوح وهو داخل.
لكن قبل ما يدخل، وقف قدام الكاميرا ثانيتين.
ابتسم...
ورفع إيده بعلامة النصر.
كأنه كان واثق إن محدش هيعرف يمسكه.
الخبير كبّر الصورة.
وأخيرًا ظهرت ملامحه بوضوح.
المحقق بص للصورة، ثم قال
أخيرًا... عرفنا شكله.
في اللحظة نفسها، جهاز التعرف على الوجوه قارن الصورة بقاعدة البيانات.
وبعد ثوانٍ...
ظهر تطابق.
الاسم.
العنوان.
وصورة حديثة.
المحقق ابتسم لأول مرة.
وقال
المرة دي... مش هيفلت.
تحركت قوة كبيرة إلى العنوان.
حاصروا العمارة بالكامل.
صعدوا للدور الرابع.
وقفوا أمام الشقة.
المحقق عد
واحد...
اتنين...
تلاتة...
وكسروا الباب.
دخلوا بسرعة...
لكن الشقة كانت خالية.
على الطاولة كان فيه كوب شاي لسه دافئ.
يعني صاحبها خرج من دقائق.
وأثناء التفتيش، وجدوا جهاز إرسال صغير متصل بشاشة.
اتضح أنه كان يستقبل بثًا مباشرًا من كاميرا مخفية.
الكاميرا كانت مزروعة...
داخل فيلا الأب.
المحقق قال بغضب
يعني كان شايف كل تحركاتنا أول بأول.
الأب شعر بصدمة.
يعني حتى اجتماعنا الأخير كان بيتفرج عليه؟
الخبير هز رأسه.
للأسف... أيوه.
وفجأة، وصل إشعار على الجهاز.
رسالة جديدة من المجرم نفسه.
فتحها المحقق.
كان مكتوبًا فيها
اتأخرتوا.
.. أنا خرجت من البلد من عشر دقائق.
لكن أحد الضباط دخل مسرعًا وهو يبتسم.
وقال
لأ... هو فاكر كده بس.
المحقق سأله
ليه؟
رد الضابط
إدارة الجوازات أكدت إن كل المنافذ اتقفلت بعد أمر النيابة... ومافيش أي شخص بالاسم أو الصورة دي غادر البلاد.
ساد الصمت...
ثم قال المحقق وهو يبتسم بثقة
إذن... هو لسه هنا.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف الأب.
رد.
وجاءه صوت هادئ يقول
بص من شباكك...
نظر الأب من نافذة الشقة إلى الشارع.
فرأى رجلًا يقف على الرصيف المقابل، ينظر إليه مباشرة.
ثم ابتسم...
واستدار بهدوء...
واختفى بين المارة قبل أن يتمكن أحد من اللحاق به بعد ساعات من البحث، كان واضحًا إن الرجل بيحاول يشتت الشرطة، يسيب رسالة هنا، وإشارة هناك، علشان يفضلوا يجروا وراه.
لكن المحقق قرر يغيّر الخطة.
قال للأب
إحنا طول الوقت بنجري وراه... المرة دي هو اللي هييجي لحد عندنا.
أعلنوا في وسائل الإعلام أن القضية انتهت، وأن كل الأدلة أُغلقت، وأن التحقيق وصل لطريق مسدود.
وكما توقع المحقق...
بعد يومين فقط، وصلت رسالة جديدة.
كان صاحبها يطلب استرجاع صندوق قديم من الأدلة، ظنًا منه أن الشرطة خفضت حراستها.
لكن المكان كله كان تحت المراقبة.
ما إن دخل الرجل المخزن حتى أُغلقت الأبواب، وأحاطت به قوة الشرطة من كل اتجاه.
حاول الهرب، لكن لم يجد منفذًا.
خلع القناع الذي كان يخفي به ملامحه، واستسلم في صمت.
وبعد التحقيقات، اعترف بأنه كوَّن شبكة صغيرة من أشخاص استغلهم بالمال والتهديد، وزوَّر هويات وأوراقًا للدخول إلى البيوت، وكان يكلّف آخرين بتنفيذ الأوامر حتى يظل هو بعيدًا عن الشبهات. كما اعترف بأنه استغل الموظف القديم والسائق والممرضة المزيفة، وأخفى عنهم حقيقة ما كان يحدث، حتى يضمن ألا يعرف أحد الصورة الكاملة.
أما زوجة الأب، فأثبتت التحقيقات أنها أخطأت عندما اندفعت لتصديق فكرة أن الطفل يعاني من مشكلة نفسية، لكنها لم يثبت أنها شاركت في وضع أي مادة أو في التخطيط لإيذائه، فأُخلي سبيلها بعد انتهاء التحقيق، بينما واجه المتورطون الحقيقيون المحاكمة.
المربية، التي رفضت أن تسكت عندما شمت الرائحة الغريبة، كانت صاحبة الفضل بعد الله في إنقاذ الطفل. كرَّمها الأب أمام جميع العاملين في الشركة، وقال
الشجاعة مش في القوة... الشجاعة إنك تقولي الحقيقة حتى لو الكل كذبك.
أما الطفل، فبعد شهور من العلاج، عاد إلى مدرسته، يضحك ويلعب من جديد، واختفى الألم الذي كان يوقظه كل ليلة.
وفي يوم افتتاح مركز خيري جديد لعلاج الأطفال مجانًا، وقف الأب ممسكًا بيد ابنه، وقال أمام الحضور
تعلمت درسًا عمري ما هنساه... اسمعوا أولادكم، لأن
الطفل لما يصرخ من وجع، بيكون محتاج حد يصدقه قبل ما يدور على حد يعالجه.
صفق الجميع، ونظر الطفل إلى المربية وابتسم، ثم قال
شكرًا... لأنك صدقتيني.
ابتسمت والدموع في عينيها، وانتهت القصة بعدما انتصرت الحقيقة، ونال كل مخطئ جزاءه، وعادت الطمأنينة إلى البيت الذي كاد يفقد أغلى ما فيه. تمت.

تم نسخ الرابط