صرخ الولد
صرخ الولد إن حاجة بتعضه من جوه... لكن مرات أبوه كانت عايزة تحبسه! لحد ما المربية شمت ريحة غريبة طالعة من الأكل...
الجزء الأول
يا بابا... طلعها من بطني قبل ما تموتني!
صرخة الولد شقت هدوء البيت في نص الليل، كأنها كسرت كل حاجة حواليها.
كانت الساعة حوالي تلاتة وربع الفجر، والبيت الكبير اللي كله فخامة وكاميرات وحراسة، لأول مرة يحس اللي فيه بالخوف.
الولد عنده عشر سنين، كان مرمي على الأرض الرخام، ماسك بطنه بإيده الاتنين، وهدوم النوم غرقانة عرق، ووشه شاحب بطريقة تخوف.
كان بيصرخ من وجع عمره ما حس بيه قبل كده.
الحقني يا بابا... هي حطتلي حاجة في الأكل... حاجة بتاكلني من جوه!
أبوه جري عليه وقعد جنبه وهو تايه، مش عارف يعمل إيه.
لف بيشتغل في البيزنس، ومتعود يحل أصعب المشاكل ويقفل أكبر الصفقات، لكن قدام صرخة ابنه حس إنه أضعف واحد في الدنيا.
قال وهو بيحاول يهديه بصلي يا حبيبي... إحنا روحنا المستشفى أكتر من مرة، وكل التحاليل قالت إنك سليم.
لكن دي كانت رابع ليلة بنفس المنظر...
وجع.
صريخ.
عرق.
ونفس الجملة كل مرة...
هي حطتلي حاجة...
هي عايزة تخلص مني...
أنا مش بكدب.
في اللحظة دي خرجت مرات الأب من أوضتها، لابسة روب النوم، وعلى وشها ملامح الحزن والبراءة.
قالت بهدوء كفاية بقى... الولد محتاج دكتور نفسي. الوضع خرج عن السيطرة.
الولد بص لها بعين مليانة خوف وصرخ أنا مش مجنون... إنتِ اللي عملتي كده!
هزت راسها بحزن مصطنع وقالت هو بيكرهني عشان مش أمه... وكل يوم بيألف حكاية جديدة.
على الترابيزة كان فيه ملف أزرق.
جواه أوراق حجز في مصحة نفسية.
فاضل بس توقيع الأب.
أول ما الولد شاف الملف، جسمه كله اترعش.
بابا... بالله عليك ما تبعتنيش هناك... أنا والله ما بكدب.
في آخر الطرقة كانت المربية الجديدة واقفة ساكتة، حضنة البطانية، ومراقبة كل اللي بيحصل.
بقالها أسبوعين بس في البيت، واتقالها أكتر من مرة إنها مالهاش دعوة بأي حاجة تخص العيلة.
لكن هي كانت شافت حاجة محدش غيرها شافها.
بالليل اللي فات دخلت المطبخ بالصدفة، ولقت مرات الأب بتحضر مشروب الولد.
ما كانتش بتحط قرفة...
ولا فانيليا...
كان معاها زجاجة صغيرة لونها بني، طلعت منها خمس نقط بالظبط وحطتهم في الكوباية.
نقطة...
وراها نقطة...
لحد ما بقوا خمسة.
وبعدين قلبت المشروب كويس، لحد ما اختفت أي ريحة غريبة.
المربية حاولت تقنع نفسها إنه دواء.
وحاولت تقنع نفسها إن الأب أكيد عارف.
لكن دلوقتي وهي شايفة الولد بيتلوى من الوجع، مقدرتش تسكت.
الأب مسك القلم عشان يوقع.
ومراته قربت منه وقالت امضي... ده لمصلحته.
وفجأة المربية جريت على الكوباية
رفعتها وشمتها.
اتجمدت مكانها.
دي ما كانتش ريحة شوفان...
ولا لبن...
ولا سكر.
كانت ريحة مادة كيميائية مستخبية وسط الطعم الحلو.
قالت وهي بتترعش لو سمحت... قبل ما تمضي... شم الكوباية دي.
البيت كله سكت.
مرات الأب بصتلها بصدمة.
الأب لف ناحيتها وقال إنتِ قولتي إيه؟
رفعت الكوباية وقالت أنا شفتها بعيني وهي بتحط خمس نقط فيها امبارح.
وشها اتغير في لحظة.
وقربت منها وهي بتقول ببرود خلي بالك من كلامك.
المربية مدت إيديها في جيبها، وطلعت منديل ملفوف.
فتحته قدام الكل.
كان جواه الزجاجة البنية الصغيرة، من غير أي ورقة تعرف اللي فيها.
وقالت لقيتها في زبالة المطبخ.
الأب مسك الزجاجة وبص لها...
وبص لمراته...
وبعدين بص لابنه اللي بطل صريخ، وبقى بيبص له برجاء.
ابتسمت مرات الأب بسخرية وقالت هتصدق الخدامة... ولا مراتك؟
فضل الأب واقف، القلم في إيد، والزجاجة في الإيد التانية...
وعرف إن توقيع واحد بس... كان كفيل يضيع ابنه للأبد.
يتبع... الباقي في أول تعليق ومتنسوش الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلمالأب فضل واقف ثواني، لكن الثواني دي كانت كأنها ساعات.
بص للملف الأزرق...
وبعدين بص لابنه اللي عينه كلها رجاء.
من غير ما ينطق، قطع ورقة الحجز للمصحة نصين... ورماها على الأرض.
اتغير وش مرات الأب، لكنها حاولت تفضل هادية.
قالت بنبرة ثابتة إنت بتضيع مستقبل الولد عشان كلام مربية لسه داخلة البيت؟
رد الأب وهو ماسك الزجاجة أنا مش بحكم على حد... لكن من النهارده مفيش نقطة أكل ولا شرب تدخل لابني غير قدامي.
في اللحظة دي، الولد رجع يصرخ تاني، ومسكة بطنه زادت.
الأب شاله بنفسه وجري بيه على العربية، والمربية طلعت وراهم وهي شايلة الكوباية والزجاجة في كيس نظيف.
أما مرات الأب، ففضلت واقفة عند باب الفيلا، بتراقبهم بعينين مليانين غضب، لكنها كانت مخبية انفعالها.
...
بعد أقل من نص ساعة، كانوا في قسم الطوارئ.
الدكتور كشف على الولد بسرعة، وطلب تحاليل عاجلة وعينة من المشروب.
ولما شاف الزجاجة، قال دي لازم تتحفظ وماحدش يفتحها... هنبعتها للمعمل.
مرات الأب حاولت تمنعهم.
قالت دي مجرد فيتامينات عشبية... أنا بجيبهاله علشان نفسه يتفتح.
الدكتور رفع حاجبه وقال طالما مش مكتوب عليها أي بيانات، يبقى لازم تتحلل.
الأب وافق فورًا.
ولأول مرة، حس إن ابنه ممكن يكون كان بيقول الحقيقة من البداية.
...
عدت ساعات طويلة.
كل دقيقة كانت أصعب من اللي قبلها.
المربية كانت قاعدة بعيد، ساكتة، لكنها افتكرت حاجة فجأة.
قامت بسرعة وقالت أنا افتكرت حاجة مهمة.
الأب بص لها باستغراب.
قالت كل مرة الولد كان بيتعب
الأب سألها إنتِ متأكدة؟
هزت راسها وقالت متأكدة... ولما كان يرفض يشربه، التعب ماكانش بيبدأ.
الكلام وقع على الأب زي الصاعقة.
وفجأة، رن تليفونه.
كان مدير الأمن في الفيلا.
قال بصوت متوتر يا فندم... بعد ما خرجتوا بعشر دقايق... حد دخل المطبخ.
الأب اتجمد.
مين؟
رد مدير الأمن الكاميرات سجلت كل حاجة... لكن الغريب إن الشخص أول ما دخل، ما راحش ناحية الأكل... راح مباشرة ناحية سلة المهملات.
الأب قبض على التليفون بقوة.
ولقى إيه؟
سكت مدير الأمن لحظة، وقال واضح إنه كان بيدور على حاجة... ولما مالقهاش، خرج وهو متوتر جدًا.
الأب ببطء لف وشه ناحية مرات زوجته...
كانت ملامحها لأول مرة فقدت هدوءها.
لكن قبل ما يسألها أي سؤال...
خرج المعمل المركزي بنتيجة أولية للعينة.
الدكتور فتح الظرف... وقرأ أول سطر، فتغير لون وجهه تمامًا.
رفع عينه ناحية الأب وقال
لازم تيجي معايا حالًا... لأن اللي لقيناه في المشروب أخطر بكتير مما كنا متوقعين...
يتبع...الدكتور قفل باب المكتب بنفسه، وحط الظرف قدام الأب.
قال بهدوء النتيجة الأولية بتقول إن في مادة غريبة في المشروب... مش من مكونات الأكل العادية، ولا من أي دواء موصوف للولد.
الأب حس إن الأرض بتميد بيه.
يعني ابني كان بيتسمم؟
الدكتور هز رأسه وقال لسه مقدرش أقول الكلمة دي قبل التقرير النهائي، لكن اللي أقدر أقوله إن المادة دي هي السبب في المغص العنيف والتقلصات.
في نفس اللحظة، دخلت الممرضة تجري.
الولد فاق... وبيقول عايز يشوف باباه لوحده.
دخل الأب الأوضة بسرعة.
الولد كان مرهق، لكن أول ما شاف أبوه مسك إيده بقوة.
وقال بصوت ضعيف أنا افتكرت حاجة...
الأب قرب منه.
كل مرة كانت بتديني العصير، كانت تقول لي لازم تشربه كله... ولو سيبت نقطة كانت تزعل جدًا.
سكت لحظة، ثم أكمل
وفي مرة لما وقعت الكوباية على الأرض... صرخت فيا بطريقة خوفتني.
الأب بدأ يجمع الخيوط في دماغه.
...
في نفس الوقت، مدير الأمن وصل المستشفى ومعاه نسخة من تسجيلات الكاميرات.
فتح اللابتوب.
ظهر المطبخ.
وبعد خروج الجميع، دخل شخص وهو لابس جوانتي.
راح مباشرة لسلة المهملات.
قلبها كلها.
ولما ما لقاش الزجاجة، خرج بسرعة.
الأب قرب من الشاشة.
كبر الصورة.
لما الصورة اتكبرت، ظهر خاتم فضي في إيد الشخص.
المربية شهقت.
الخاتم ده!
الأب سألها تعرفيه؟
قالت أيوه... شوفته في إيد السواق الخاص بالبيت.
الأب استغرب.
السواق؟!
اتصل به فورًا.
لكن تليفونه كان مغلق.
ولما كلم الأمن في الفيلا، ردوا عليه
يا فندم... السواق جمع حاجته ومشي من ساعة.
...
الأب رجع
أول حاجة عملها إنه فتح أوضة السواق.
كانت فاضية تقريبًا.
لكن وهو بيفتش، لقى إيصال شراء لعدة زجاجات بنية بنفس الحجم والشكل.
والأغرب...
إن تاريخ الشراء كان قبل أول مرة الولد يشتكي من الألم بيومين فقط.
وقبل ما يستوعب اللي شافه، رن هاتفه.
كان رقم مجهول.
رد بسرعة.
جاله صوت راجل مبحوح
لو عايز تعرف الحقيقة... فتش في المخزن القديم تحت السلم.
وقفل الخط.
الأب نزل يجري.
فتح باب المخزن اللي بقاله سنين مقفول.
بدأ يفتش وسط الكراتين القديمة.
وفجأة، المربية نادت عليه من آخر المخزن
تعالى بسرعة!
جري عليها.
كانت واقفة قدام صندوق خشبي صغير.
ولما فتحوه...
لقوا عشرات الزجاجات البنية الفاضية، بنفس الشكل تمامًا.
وتحتهم دفتر صغير.
الأب فتح أول صفحة...
ولقى تواريخ.
وبجوار كل تاريخ، اسم أكلة أو مشروب.
وفي آخر الصفحة جملة مكتوبة بخط اليد
الجرعة الخامسة كانت كفاية... لكنه لسه عايش.
الأب تجمد مكانه، وشعر بقشعريرة تسري في جسده.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت باب الفيلا الرئيسي بيتفتح ببطء...
ثم خطوات شخص بتقرب ناحية المخزن...
ولم يكن أيٌّ منهما يعرف من الذي عاد... ولماذا عاد في هذا التوقيت بالذات الخطوات كانت بتقرب ببطء...
الأب أطفأ نور المخزن بسرعة، وأشار للمربية إنها تلتزم الصمت.
صوت المفاتيح خبط في الباب الخارجي.
ثم صوت رجل بيقول بصوت منخفض
أكيد الزجاجات لسه هنا...
الأب عرف الصوت فورًا.
كان السواق.
لكنه ما كانش لوحده.
كان معاه شخص تاني، ملامحه مستخبية تحت كاب.
الاتنين دخلوا المطبخ الأول، وبعدها بدأوا يفتشوا في الأدراج بعصبية.
السواق قال لو لقوها... إحنا انتهينا.
رد الشخص اللي معاه دور كويس... لازم تكون مستخبية في البيت.
الأب طلع موبايله بهدوء، وبعت رسالة سريعة لمدير الأمن اقفلوا كل بوابات الفيلا... ومحدش يدخل أو يخرج.
بعد أقل من دقيقة، سمعوا صوت أجهزة الإنذار الخاصة بالبوابات وهي بتتقفل.
السواق اتوتر.
إحنا اتحبسنا!
جري ناحية الباب، لكنه لقاه مقفول.
في اللحظة دي خرج الأب من المخزن وقال بصوت قوي
بتدوروا على إيه؟
السواق اتجمد مكانه.
أما الشخص التاني، فحاول يجري، لكن أفراد الأمن دخلوا الفيلا في نفس اللحظة وأوقفوه قبل ما يوصل للباب.
الأب رفع الدفتر قدام السواق.
وقال تعرف الدفتر ده؟
السواق حاول ينكر.
أول مرة أشوفه.
لكن المربية قالت بثقة وده الخاتم اللي كان ظاهر في الكاميرات.
كل العيون اتجهت لإيده.
كان لابس نفس الخاتم الفضي.
السواق بدأ يتلعثم.
وقبل ما يتكلم، رن هاتف الأب.
كان الدكتور من المستشفى.
قال بسرعة ابنك فاق تاني... وقال إنه افتكر حاجة مهمة جدًا.
الأب ساب الجميع وجرى للمستشفى.
أول ما دخل، الولد قال وهو بيحاول يقعد
بابا... الراجل اللي كان بيوصلني المدرسة...
السواق؟
هز الولد رأسه.
مرة دخل أوضتي بالليل... ولما شافني صاحي قال إنه جاي يطمن عليا... لكن كان معاه