صاحبتى أصرت احضر فرحها بقلم ليلى
المحتويات
تشوف حضرتك، وحالتها صعبة جدًا.
خرجت بسرعة.
اتفاجأت بندى.
لكنها ما كانتش ندى اللي تعرفها.
كانت هزيلة، مرهقة، وباين عليها المرض.
أول ما شافت سارة، قالت بصوت ضعيف
أنا عارفة إني مليش حق أطلب منك أي حاجة... لكن دي آخر مرة هزعجك.
سارة طلبت لها تقعد وتشرب مية.
ندى طلعت ظرف صغير من شنطتها.
وقالت
دي مذكراتي... كتبت فيها كل حاجة حصلت، من أول يوم غلطت فيه لحد النهارده.
سارة سألت بهدوء
ليه بتديهالي؟
ندى نزلت دموعها وقالت
عشان الناس تعرف إن أول خطوة في طريق الخيانة بتبان صغيرة... لكن نهايتها بتدمر الكل.
سارة أخدت الظرف، لكنها قالت
مش لازم الناس تعرف تفاصيل حياتنا... يكفي إن كل واحد اتعلم درسه.
ندى ابتسمت لأول مرة من سنين.
وقالت
يمكن علشان كده... إنتِ كسبتي السلام، وأنا ضيعته.
قامت ببطء، واتجهت نحو الباب.
وقبل ما تخرج، التفتت وقالت
شكراً... لأنك رغم كل اللي عملته، عاملتِني بإنسانية.
خرجت من الجمعية.
وسارة فضلت واقفة تبص للباب، ثم وضعت الظرف في درج مكتبها دون أن تفتحه.
وقالت لنفسها
مش كل حقيقة لازم تُقرأ... في حقائق يكفي إنها انتهت.
ستار بعد أسبوع...
كانت سارة بتراجع ملفات الجمعية، لما رن تليفون المكتب.
ردت بهدوء.
جالها صوت مألوف
حضرتك الأستاذة سارة؟
أيوه.
أنا من المستشفى... الأستاذة ندى طلبت نشوفك لو تسمحي.
سكتت سارة ثواني.
ثم قالت
هحضر.
وصلت المستشفى.
دخلت الغرفة.
كانت ندى نايمة على السرير،
أول ما فتحت عينيها، ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت
كنت عارفة إنك هتيجي.
قعدت سارة جنبها من غير كلام.
ندى همست
أنا مش جاية أطلب مسامحة... أنا جاية أقولك إنك كنتِ أطيب إنسانة عرفتها، وأنا ضيعتك بإيدي.
سارة ردت بهدوء
اللي فات فات.
ندى مدت إيدها، وقالت
وعديني بحاجة.
إيه هي؟
لو في يوم ربنا رزقك ببنت... علميها إن الثقة نعمة، وإنها تختار أصحابها بقلبها وعقلها.
ابتسمت سارة، وقالت
أوعدك.
أغمضت ندى عينيها وهي مطمئنة.
خرجت سارة من الغرفة، وهي تشعر أن آخر خيط يربطها بالماضي قد انقطع.
وفي طريقها إلى الخارج، رفعت رأسها إلى السماء وقالت
الحياة بتكمل... مهما كانت البداية مؤلمة.
النهاية بعد عامين...
كانت سارة واقفة في حديقة الجمعية، تتابع الأطفال وهم بيلعبوا، لما وقفت قدامها فتاة في أوائل العشرينات.
قالت بخجل
حضرتك الأستاذة سارة؟
ابتسمت وقالت
أيوه، اتفضلي.
الفتاة مدت لها دفترًا قديمًا.
وقالت
أنا بنت خالة ندى.
استغربت سارة.
أكملت الفتاة
بعد وفاة ندى، لقيت الدفتر ده وسط حاجتها. كانت كاتبة في أول صفحة يتسلم لسارة لو وافقت تقراه.
أخذت سارة الدفتر هذه المرة، وجلست على مقعد في الحديقة.
فتحت أول صفحة.
وكان مكتوبًا
يا سارة...
لو وصل لك الدفتر ده، يبقى أنا مش موجودة.
أنا مش بكتب عشان أبرر، لأن الخيانة مالهاش تبرير.
أنا بكتب عشان أعترف إن أول مرة دخلت بيتك كنت بغير منك.
الغيرة دي كبرت لحد ما عمتني.
وكل خطوة بعدها كانت بإرادتي.
لو الزمن رجع، كنت هختار أخسرك كصاحبة... ولا أخسر نفسي كإنسانة.
قفلت سارة الدفتر من غير ما تكمل.
رفعت عينيها للسماء، وأخذت نفسًا طويلًا.
ثم قامت، ومشت ناحية مكتبة الجمعية.
وضعت الدفتر في أحد الأدراج، وكتبت عليه ورقة صغيرة
للعبرة... لا للانتقام.
ومن يومها، كانت كل سيدة تدخل الجمعية وهي محطمة، تسمع من سارة جملة واحدة لا تنساها
اللي كسرك مش لازم يكسر مستقبلك.
وبدأت قصص جديدة تُكتب... لكن هذه المرة، قصص عن التعافي، لا عن الخيانة.
تمت القصة بعد مرور عشر سنوات...
تحولت جمعية بداية جديدة إلى واحدة من أكبر الجمعيات التي تساعد السيدات على الوقوف من جديد بعد الأزمات.
وفي احتفال مرور عشر سنوات على تأسيسها، صعدت سارة إلى المسرح وسط تصفيق الحضور.
وقفت أمام الميكروفون، ثم قالت
زمان كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل للإنسان هي الخيانة... لكن اكتشفت إن الأسوأ بجد هو إننا نفضل عايشين أسرى ليها.
ساد الصمت في القاعة.
ثم أكملت
لو كنت فضلت أعيش علشان أنتقم، كنت خسرت عمري كله. لكن لما قررت أبدأ من جديد... كسبت نفسي.
بعد انتهاء الحفل، اقتربت منها فتاة صغيرة في السابعة عشرة من عمرها.
قالت
أنا اسمي مريم.
ابتسمت سارة.
سألتها
أقدر أساعدك في إيه يا مريم؟
قالت الفتاة وعيناها تمتلئان بالدموع
ماما كانت واحدة
سكتت لحظة، ثم أخرجت شهادة الثانوية العامة من حقيبتها.
وقالت بفخر
أنا الأولى على مدرستي... وجيت أقولك إن الخير اللي عملتيه وصل لناس حتى إنتِ متعرفيهمش.
امتلأت عينا سارة بالدموع.
احتضنت الفتاة، وقالت
أنا معملتش غير واجبي.
وفي طريقها إلى بيتها تلك الليلة، مرت سارة أمام القاعة نفسها التي شهدت أسوأ يوم في حياتها.
توقفت للحظة.
نظرت إليها، ثم ابتسمت.
وركبت سيارتها، وأكملت طريقها دون أن تلتفت للخلف.
لأن بعض الأماكن تظل شاهدة على الألم...
لكن الإنسان لا يُقاس بما حدث له، بل بما اختار أن يصبح بعده.
النهاية الأخيرة. بعد عشرين سنة...
كانت سارة قد تجاوزت الستين، لكن ملامحها ما زالت تحمل نفس الهدوء.
في صباح شتوي، دخلت مقر الجمعية للمرة الأخيرة قبل أن تُحيل إدارة المكان إلى جيل جديد.
استقبلها العاملون بالتصفيق، وأهدوها لوحة صغيرة كُتب عليها
من هنا بدأت مئات الحكايات الجديدة... شكرًا يا سارة.
ابتسمت وهي تقول
الجمعية عمرها ما كانت شخص... كانت فكرة. والفكرة بتعيش حتى لو أصحابها رحلوا.
وبينما كانت ترتب مكتبها، فتحت أحد الأدراج القديمة.
وجدت الظرف... والدفتر... والوردة البيضاء التي جفّت أوراقها منذ سنوات.
تأملت الأشياء للحظات، ثم جمعتها في صندوق صغير.
وقفت أمام المدفأة، وألقت فيها الرسائل والدفتر.
راقبت النار وهي
همست
كفاية لحد كده.
في اليوم التالي، افتُتح فرع جديد للجمعية، لكن هذه المرة حمل اسمًا جديدًا
دار الأمل
متابعة القراءة