عمري ماهنسي بقلم صابرين محمد

لمحة نيوز

وسيبها هي شايلة البيت.
اتسعت عينيا.
يعني... كانت بتخبي عنك إنها بتاخد فلوس مني غير اللي كنت أعرفه؟
هز رأسه ببطء.
أيوه... وأنا لما واجهتها، قالتلي إني فاهم غلط.
المحامي قال يبقى لازم نشوف العلبة دي.
تنهد أحمد بحزن.
رجعت بعدها بيوم... ملقتهاش.
اختفت؟
أيوه.
في اللحظة دي افتكرت الرسالة.
دوري تحت البلاطة المكسورة.
يعني اللي بعت الرسالة... كان عارف إن العلبة اختفت.
بصيت للمحامي وقلت لازم نروح النهارده.
وقبل ما نتحرك، رن هاتف أحمد.
نظر للشاشة، وارتبك.
قلت مين؟
رد بصوت خافت
أمي.
ضغط على السماعة الخارجية.
أول ما رد، سمعنا صوتها المرتبك
أحمد... متخليش مريم تدخل المخزن... أنا هشرحلك كل حاجة.
ساد الصمت.
ثم أضافت وهي تبكي لأول مرة
بس أوعوها ترفع البلاطة التانية...
تبادلنا النظرات.
البلاطة التانية؟
إحنا كنا فاكرين إن فيه بلاطة واحدة مكسورة.
لكن واضح إن السر الحقيقي... كان مستخبي تحت مكان تاني.
يتبع...ركبت العربية أنا والمحامي وأحمد، والطريق كله محدش فينا نطق بكلمة.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
وصلنا قدام البيت.
كان هادي بشكل غريب.
طلعنا بسرعة، ولما فتح أحمد الباب، لقينا الشقة فاضية.
السفرة متشالة...
ومافيش أثر لحماته ولا سارة.
جري أحمد ناحية المخزن، وفتح بابه.
كان المكان مليان كراتين قديمة وتراب.
بدأ يدور بعينيه، لحد ما وقف فجأة وقال
هي دي.
كانت بلاطة في الركن لونها مختلف شوية عن باقي الأرض.
جاب مفك وبدأ يرفعها.
لكن أول ما البلاطة اتحركت...
لقينا تحتها مفتاح نحاس صغير، مربوط بخيط أحمر.
بصيت للمحامي باستغراب.
قال واضح إنه مفتاح لعلبة أو درج.
أحمد افتكر حاجة فجأة، وجري على الدولاب الحديد القديم اللي كان في المخزن.
ركّب المفتاح.
لفه...
واتفتح
الباب بصوت خفيف.
جواه كانت علبة خشب صغيرة.
فتحتها بإيدي وأنا قلبي بيدق.
لكن بدل ما ألاقي فلوس أو ذهب...
لقيت عشرات الجوابات القديمة.
كلها مكتوبة بخط واحد.
وأول جواب كان عنوانه
إلى مريم... لو وصلتي للرسائل دي، يبقى الحقيقة استخبت سنين.
مديت إيدي وفتحت أول جواب.
وفي أول سطر، اتجمدت مكاني.
كان مكتوب
أنا كتبت الرسائل دي قبل ما أموت... لأن في يوم هيحاولوا يقنعوكي إن كل اللي حصل مجرد سوء تفاهم، لكنه عمره ما كان كده.
بصيت للمحامي، ثم لأحمد.
أحمد همس
الخط ده... مش خط أمي.
قلبت آخر الصفحة...
ولقيت توقيعًا باسم شخص، خلاني أفتح عيني من الصدمة.
يتبع...مسكت الورقة بإيد مرتعشة، وقلّبتها تاني كأني مش مصدقة اللي شايفاه.
الاسم في آخر الرسالة كان
والد أحمد.
بصيت لحمايا في خيالي... الراجل الهادئ اللي طول عمره قليل الكلام.
أحمد خطف الورقة، وقرأها بسرعة، ووشه اصفر.
قال بصوت مخنوق دي... دي إمضة أبويا فعلًا.
فتحنا الرسالة كاملة.
كان مكتوب فيها
لو الرسالة دي وصلت لمريم، يبقى أنا غالبًا مقدرتش أصلح الغلط بنفسي. أنا سكت سنين، وده أكبر ذنب عملته. اللي بيحصل في البيت ده مش جديد، والسكوت عليه هو اللي كبره.
سكتنا كلنا.
وكملنا قراية.
لو مريم لسه في البيت، يبقى حافظي على نفسك وعلى بنتك. ولو خرجت، متصدقيش أي حد يقولك إنك ظلمتيهم. أنا شفت بعيني حاجات كتير، وكل مرة كنت أقول هتتصلح... لكنها كانت بتسوء.
أحمد قعد على الأرض، وهو ماسك الرسالة بإيده.
قال بصوت متقطع أبويا كان عارف... وساكت.
المحامي رد بهدوء واضح إنه كان نادم، لكنه اختار يكتب بدل ما يواجه.
فتحت الرسالة اللي بعدها.
كانت أقصر.
وفي آخرها جملة واحدة
مش كل الرسائل هنا... في رسالة أخيرة أخفيتها في مكان محدش
يعرفه غيري.
قبل ما أرفع رأسي...
سمعنا صوت باب الشقة بيتفتح من بره.
كلنا بصينا ناحية الصالة.
خطوات بطيئة...
ثم صوت حمايا وهو بينادي
أحمد... إنت هنا؟
دخل، وأول ما شاف العلبة مفتوحة والرسائل في إيدينا، وقف مكانه.
اتغير لون وشه.
وقال بصوت مرتجف
أخيرًا... لقيتوها.
ثم نزلت دمعة من عينه لأول مرة، وقال
بس الرسالة الأهم... لسه ما حدش قراها.
يتبع...دخل حمايا بخطوات بطيئة، وكأنه شايل على كتفه عمرًا كاملًا من الندم.
بص للعلبة المفتوحة، ثم بص لي وقال
أنا عارف إنك مستحيل تسامحينا... ويمكن معاكِ حق.
أحمد قرب منه بسرعة.
بابا... الرسائل دي إيه؟ وإنت كنت عارف كل ده؟
قعد حمايا على الكرسي الخشبي اللي في المخزن، وأخذ نفسًا طويلًا.
أيوه... كنت عارف جزء كبير.
سكت لحظة، ثم أكمل
أول سنة بعد جوازكم، أم أحمد بدأت تطلب منك فلوس بحجة مصاريف البيت. وبعدها بقت تطلب من مريم مباشرة، وكل مرة كانت تقول إنها عشان العلاج أو الديون.
بصيت له وقلت
وأنت كنت ساكت ليه؟
نزل رأسه وقال
كنت فاكر إنها هتبطل... وكل ما أتكلم كانت تقوم الدنيا في البيت.
المحامي قال بحزم
السكوت ساعات بيكون مشاركة.
هز حمايا رأسه بالموافقة.
عارف... وعشان كده كتبت الرسائل.
أحمد سأله
طيب فين الرسالة الأخيرة؟
رفع حمايا عينه ناحية سقف المخزن، وقال
مش هنا.
سكتنا كلنا.
ثم أشار إلى صورة قديمة معلقة على الحائط، كانت صورة عائلية باهتة.
وقال
شيلوها.
أنزل أحمد الصورة.
وراها كان فيه تجويف صغير في الحائط.
مد حمايا إيده وطلع ظرفًا أصفر مغبرًا.
ناوله لي.
دي الرسالة اللي كنت خايف توصل متأخر.
فتحتها ببطء.
كان فيها ورقة واحدة فقط.
ومكتوب فيها
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى خلاص عرفتي إن المشكلة عمرها ما كانت في الفلوس.
.. المشكلة كانت في القلوب.
وتحتها مباشرة
لو قدرتي، ابني حياة جديدة ليكي ولبنتك... لكن متخليش الكراهية تربيها.
سكتُّ طويلًا.
قفلت الرسالة، وبصيت لليان اللي كانت ماسكة إيدي.
ابتسمت لها، ومسحت على شعرها.
ولأول مرة من بداية كل اللي حصل...
حسيت إن الطريق اللي قدامي، رغم صعوبته، واضح.
يتبع...عدت أيام قليلة...
أحمد حاول يتصل بيا عشرات المرات، لكني كنت مركزة على حاجة واحدة بس...
ليان.
بدأت ترجع تضحك شوية شوية، لكن كل ما حد يخبط على الباب، كانت تجري تستخبى ورايا.
المشهد ده كان بيوجعني أكتر من أي كلمة.
في صباح يوم هادئ، رن جرس الشقة.
فتحت، لقيت أحمد واقف لوحده.
وشه مرهق، ودقنه طالعة، وكأنه كبر عشر سنين في أسبوع.
قال بهدوء مش جاي أضغط عليكي... جاي أسلمك حاجة.
مد إيده بظرف بني.
أخدته، وفتحته.
كان جواه عقد بيع العربية.
بصيتله باستغراب.
قال بعتها.
ليه؟
رد عشان أسدد كل جنيه اتصرف من تعبك... حتى لو هقعد سنين أسدد.
قفل الظرف، وحطيته على الترابيزة.
قلت الفلوس بتتعوض... لكن اللي حصل لبنتي مش بيتعوض.
هز رأسه، وقال عارف.
سكت شوية، وبعدين قال أمي وسارة سابوا البيت.
استغربت.
راحوا فين؟
استأجروا شقة صغيرة... وأول مرة كل واحد يصرف على نفسه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، من غير شماتة.
قلت يمكن وقتها يعرفوا قيمة النعمة.
قبل ما يمشي، بص على ليان.
كانت واقفة من بعيد، مستخبية نصها ورا باب الأوضة.
قال لها أنا هفضل أستنى اليوم اللي تسامحيني فيه... حتى لو طال.
ما ردتش.
لكنه مشي من غير ما يضغط عليها.
قفلت الباب، ورجعت قعدت جنب بنتي.
فجأة، وقالت
ماما... إحنا خلاص عندنا بيت آمن؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بستها في جبينها، وقلت
أيوه يا حبيبتي... من النهارده، محدش هيقدر يحسسك
إنك غريبة أو تقيلة في بيتك.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة من قلبها...
وأدركت ساعتها إن الانتصار الحقيقي ما كانش إنهم خسروا الفلوس...
كان إن بنتي بدأت تستعيد إحساسها بالأمان.
النهاية.

تم نسخ الرابط