عمري ماهنسي بقلم صابرين محمد
عمري ما هنسى اللحظة اللي بنتي بصتلي فيها وهي بتترعش وقالت ماما هو أنا ينفع أدخل البيت دلوقتي؟ ساعتها بس عرفت إن اللي كانوا قاعدين على سفرتي ما كانوش أهلي كانوا مستنيين يخلصوا عليا وعلى ضنايا.
لما دخلت بيها على السفرة ، ساد صمت يخوف كل واحد فيهم نزل عينه في طبقه ، كأنهم اتلبسوا متلبسين.
حماتي أم أحمد كانت قاعدة في صدر السفرة ، قدامها أحسن الأكل وحمايا لسه بيكمل أكله وسارة أخت جوزي كانت لحد قبل ما أدخل بتصور السفرة وتضحك وابنين من قرايب أحمد قاعدين ياكلوا كأن البيت بيتهم.
أما أحمد جوزي فكان واقف يصب العصير لأمه ويبصلها بابتسامة كلها رضا ، كأنها صاحبة البيت.
بصيت حواليّا وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع. البيت ده أنا اللي شقيت فيه السفرة دي من فلوسي الأكل ده من تعبي. فواتير البيت. طلبات السوق. علاج حماتي. حتى المصروف اللي أحمد كان بياخده كل شهر.
كل ده كان خارج من جيبي أنا وكل شهر كنت أبعت لحماتي مبلغ محترم عشان ترعى بنتي وأنا في شغلي.
غير مصاريف البيت وغير أي طلب تطلبه.
كنت فاكرة إن بنتي وسط أهلها ماكنتش أعرف إنها وسط ناس قلوبهم ماتت.
قبل ما أدخل بثواني ، سمعت سارة وهي بتضحك وتقول
والله يا ماما ربنا يخلي مريم لينا مخليانا عايشين ملوك
ضحكت حماتي وقالت بمنتهى البرود
وإحنا أولى بتعبها من حد تاني
وفي اللحظة اللي شافوني فيها الضحكة ماتت وأحمد قام بسرعة وقال مريم... إنتي رجعتي؟ ليه ما قولتيش إنك جاية؟
ولا بصيتله كل اللي كان شاغلني كرسي بنتي الصغير اللي كان فاضي وقولتلهليان فين؟
بلع ريقه وقال أكلت ونامت.
كدب. بنتي عمرها ما نامت بدري وهي عارفة إني راجعة.
دورت عليها ولما لقيتها في البلكونة جسمها كان ساقع وشفايفها مزرقة وفي إيديها رغيف عيش ناشف حسيت إن روحي خرجت مني.
ودخلت بيها عليهم وأنا بسأل مين اللي سابها برا؟
ولا حد نطق. حماتي هي الوحيدة اللي ردت وهي بتمسح بقها بالمنديل
يا بنتي ما تكبريش الموضوع الأطفال أصلًا ما بياكلوش الأكل التقيل.
قولتلها كانت جعانة.
ردت بمنتهى البرود
أهي أكلت عيش.
وسارة ضحكت وقالت
يعني ما سبناهاش من غير أكل.
بصيت لأحمد..كنت مستنية منه كلمة واحدة. أي كلمة. لكن زفر بضيق وقال مريم بلاش تعملي مشكلة أمي بتعرف تربي كويس.
في اللحظة دي فهمت المشكلة عندهم مش إن بنتي كانت بتموت من البرد...المشكلة إن أمها شافت. ضنايا أكتر وقلت بهدوء معاك حق.
بصولي كلهم باستغراب واحمد قال
يعني إيه؟
ابتسمت لأول مرة. ابتسامة ماكانش فيها ذرة فرحة وقولت النهارده كلكم هتتعلموا إن تعب غيركم مبقاش مباح ليكم.
حماتي رفعت راسها وقالت بغرور أوعى تكلميني بالطريقة دي في بيتي.
بيتها والله العظيم ضحكت ولأول مرة أفهم أنا بالنسبة لهم كنت إيه صابرين_محمد
ماكنتش مرات أحمد أنا كنت خزنة مفتوحة وبنتي كانت مجرد حمل تقيل بيفكرهم إن للفلوس دي صاحبة.
طلعت موبايلي فتحت تطبيق البنك وضغطت على أول زر وفي أقل من ثانية بدأت وجوههم كلها تتغير
يتبع... لأن أول إشعار وصل على موبايلهم قلب الليلة كلها وخلاهم يعرفوا لأول مرة إن الست اللي كانوا بيستضعفوها ، هي الوحيدة اللي كانت ماسكة رزقهم كلهم في إيدها.
الكاتبة .صابرين_محمد
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدكانت كل العيون متعلقة بالموبايلات.
وفجأة...
رن موبايل أحمد.
بص للشاشة، واتغير لون وشه في ثانية.
إيه ده؟!
خطفت حماته موبايلها بسرعة، وفتحت الإشعار، وصرخت المعاش... متحولش!
وسارة قامت من مكانها وهي بتقول والفلوس اللي كنتِ بتبعتيها كل أول شهر... راحت فين؟!
بصيت لهم بهدوء، وأنا لسه وقلت وقفتها.
سكتوا.
حتى صوت الملاعق اختفى.
أحمد قرب مني بخطوتين وقال وهو بيحاول يبتسم أكيد بتهزري... صح؟
هززت راسي
من النهارده... مفيش جنيه واحد هيطلع من حسابي لأي حد فيكم.
حماتي ضربت السفرة بإيدها لدرجة إن الكوباية وقعت واتكسرت.
إنتِ اتجننتي؟! أنا أم جوزك!
قولتلها من غير ما أرفع صوتي وأنا أم البنت اللي سيبتوها جعانة وبردانة في البلكونة.
أحمد حاول يقاطعني يا مريم... الموضوع أكبر من كده.
ابتسمت بسخرية.
لا... الموضوع أبسط من كده بكتير.
طلعت ملف صغير من شنطتي، وحطيته قدامهم.
أحمد فتحه باستغراب.
أول ورقة كانت كشف تحويلات.
كل شهر...
تحويل باسمه.
وتحويل باسم أمه.
وتحويل لسارة.
وسداد أقساط عربية ابن خاله.
وفواتير كهربا ومياه وخط تليفون باسم حمايا.
كل حاجة كانت متسجلة بالتاريخ والمبلغ.
سارة بلعت ريقها وقالت إحنا... ما طلبناش كل ده.
بصيت لها.
لا... كنتوا بتعتبروا إنه حقكم.
حماتي قامت واقفة وقالت بعصبية حتى لو وقفتي الفلوس... أحمد راجل ويصرف علينا.
لفيت وشي لأحمد.
قولهم يا أحمد... مرتبك كام.
فضل ساكت.
قولهم.
نزل راسه في الأرض.
فبصتله أمه باستغراب.
ما تنطق يا ابني.
خرج صوته مكسور
أنا... مرتبي كله ما يكفيش إيجار الشقة لوحده.
وش حماته اصفر.
وسارة رجعت خطوة لورا.
لأول مرة يعرفوا إن البيت اللي قاعدين فيه، والعربية اللي بيركبوها، والأكل اللي قدامهم... كله كان قائم على شغل الست اللي كانوا بيعاملوها كأنها مجرد ماكينة فلوس.
لكن الصدمة الأكبر لسه ما وصلتش...
لأن في نفس اللحظة، جرس الباب رن.
ولما أحمد فتح...
اتجمد مكانه، واتسعت عينيه برعب وهو بيبص للشخص الواقف برا... وكأنه شاف حد عمره ما كان يتمنى يشوفه في اليوم ده.
يتبع...وقف أحمد مكانه، وإيده لسه على مقبض الباب.
وشه شحب، وكأن الدم انسحب منه مرة واحدة.
الراجل اللي واقف قدامه قال بهدوء مساء الخير... أنا أستاذ حسام، المحامي الخاص بالأستاذة مريم.
كل اللي قاعدين بصوا لبعض
حماتي اتكلمت بثقة وهي بتعدل طرحتها محامي إيه؟! هي إحنا في قسم؟
دخل المحامي بخطوات هادئة، وحط شنطة جلد صغيرة على الترابيزة.
بصلي وقال حضرتك طلبتي مني أحضر النهارده، وكل الأوراق جاهزة.
هززت راسي وأنا لسه ماسكة إيد ليان.
أحمد قرب مني وهمس مريم... إيه اللي بتعمليه؟
بصيتله من غير أي انفعال بحمي نفسي وبنتي.
فتح المحامي الملف، وطلع منه مجموعة أوراق.
دي صورة من عقد الشقة.
حمايا ابتسم بسخرية وقال ما إحنا عارفين الشقة باسم أحمد.
المحامي بصله وقال للأسف... المعلومات دي مش صحيحة.
سكتوا كلهم.
وكمل الشقة مسجلة بالكامل باسم الأستاذة مريم، وهي المالكة الوحيدة ليها.
سارة شهقت إزاي؟!
أخرج ورقة تانية.
ودي مستندات تثبت إن كل أقساط الشقة اتدفعت من الحساب البنكي الخاص بالأستاذة مريم.
حماتي بصت لأحمد بذهول إنت كنت قايلنا إن الشقة بتاعتك!
أحمد ما ردش.
كان واقف وعينه في الأرض.
المحامي كمل وده كمان عقد العربية... ودي شهادات الاستثمار... وكلها باسم الأستاذة مريم.
الهدوء اللي نزل على المكان كان مرعب.
حماتي بدأت تتوتر وقالت طيب وإحنا مالنا بكل ده؟
ابتسمت لأول مرة من قلبي، لكن ابتسامة كلها وجع.
وقلت عشان من النهارده... محدش هيعيش في بيتي بالإهانة اللي شفتها النهارده.
أحمد رفع راسه بسرعة وقال يعني إيه؟
رديت بهدوء يعني خلال ساعة... كل واحد فيكم يجمع حاجته ويمشي.
حماتي صرخت إنتِ بتطردينا؟!
لا... أنا برجع بيتي.
في اللحظة دي، سارة قامت بعصبية، وخبطت بإيدها على الترابيزة وهي بتقول إحنا مش هنمشي!
لكن قبل ما حد ينطق بكلمة تانية...
رن موبايل المحامي.
رد في هدوء، وبعد ثوانٍ قفل المكالمة، وبصلي وقال
في خبر لازم تعرفيه حالًا... والخبر ده هيغيّر القضية كلها.
اتقبض قلبي.
خير؟
تنهد وقال الشخص اللي بلغنا بالمعلومة الجديدة... اعترف
ساعتها... لأول مرة، الخوف الحقيقي ظهر على وش أحمد