فضلت مخطوبه 5 سنين
المحتويات
ستعيش عمرها كله مع شخص اختارها على مضض.
لكن الله أخرجها من باب أغلق في وجهها...
إلى أبواب لم تكن تتخيلها.
وفي مكان آخر...
كان أحمد يجلس وحده أمام نافذة شقته القديمة.
ينظر إلى صور قديمة احتفظ بها رغم السنين.
ثم أغلق الألبوم ببطء.
ونظر إلى السماء.
وقال بصوت خافت
يا رب تكون سعيدة.
لأنه أخيرًا فهم الدرس الذي فهمته ميادة قبله بسنوات
بعض الناس لا ندرك قيمتهم إلا بعد أن يصبحوا ذكرى لا يمكن استعادتها.
النهاية الحقيقية. بعد الزيارة دي بأيام...
كانت ميادة فاكرة إن الصفحة اتقفلت خلاص.
وإن كل واحد كمل طريقه.
لكن الحياة كان لسه عندها مفاجأة أخيرة.
في صباح يوم جمعة، وهي بتحضر الفطار، رن تليفونها.
رقم غريب.
ردت.
وجالها صوت رجل كبير
السلام عليكم... حضرتك ميادة؟
أيوه.
أنا عم أحمد.
في خبر لازم تعرفيه.
اتوترت.
خير؟
سكت لحظة.
ثم قال
أم أحمد توفاها الله الفجر.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
سكتت ميادة.
ورغم كل اللي حصل...
ترحمت عليها من قلبها.
فالخصومات بتنتهي.
لكن الموت بيذكرنا إن الكل راحل.
بعد ساعات راحت العزاء.
في هدوء.
من غير لفت نظر.
ومن غير ما حد يعرف.
وقفت تقرأ الفاتحة وتمشي.
لكن قبل ما تخرج...
لمحت أحمد.
كان واقف وسط الناس.
ملامحه مرهقة.
وحزين بجد.
لما شافها اتفاجئ.
وقرب بهدوء.
جيتي؟
واجب.
هز رأسه.
ولأول مرة من سنين قال جملة بسيطة جدًا
شكرًا.
ثم ساد الصمت.
لا لوم.
لا عتاب.
لا ذكريات.
بس صمت ناس كانت بينهم
وقبل ما تمشي قال
أمي قبل ما تموت بيومين كانت بتدعيلك.
وقفت ميادة.
فكمل
وكانت بتقول إن أكتر حاجة ندمانة عليها في عمرها إنها كسرت قلب بنت كانت بتحبنا أكتر من نفسها.
نزلت دمعة من عين ميادة.
مسحتها بسرعة.
وقالت
ربنا يرحمها.
ومشيت.
...
بعد شهور قليلة...
رزق الله ميادة ببنت جميلة.
يوم ما شالتها بين إيديها افتكرت كل كلمة اتقالت فيها زمان.
كبرت.
مش هتلحق تخلف.
ابني يستاهل أصغر.
كل الجمل دي مرت قدامها.
ثم نظرت لطفلتها.
وضمتها لصدرها.
وابتسمت.
لأن ربنا أحيانًا يؤخر العطاء...
مش حرمانًا.
لكن ليعطيه في الوقت الأجمل.
وفي ليلة هادئة بعد سنوات طويلة...
كانت تحكي لابنتها الصغيرة حكاية قبل النوم.
فسألتها البنت ببراءة
ماما... هو القلب لما يتكسر بيتصلح؟
ابتسمت ميادة.
وقبلت رأسها.
وقالت
أيوه يا حبيبتي.
بس مش بيرجع زي الأول.
بيرجع أقوى.
وأوعى في يوم تستهوني بنفسك عشان حد.
اللي يحبك بجد...
هيختارك وإنتِ واقفة مرفوعة الرأس.
مش بعد ما تكسري نفسك عشانه.
نامت الطفلة.
وأغلقت ميادة النور.
ثم وقفت لحظة تنظر إلى عائلتها النائمة.
زوج يحبها.
وأطفال يملؤون البيت حياة.
وقلب هادئ بعد سنوات من الألم.
وعرفت أن بعض النهايات التي ظنناها كارثة...
كانت في الحقيقة أعظم بداية منحها الله لنا.
تمت مرت عشر سنوات أخرى...
كبرت بنت ميادة.
وبقت شابة جميلة ومتفوقة.
وفي يوم رجعت من الجامعة وهي متضايقة.
دخلت أوضتها
ميادة دخلت وراها بهدوء.
وقالت
مالك يا حبيبتي؟
البنت بصت لها ودموعها في عينيها
واحد كنت معجبة بيه يا ماما... طلع بيحب واحدة تانية.
ابتسمت ميادة بحزن خفيف.
وقعدت جنبها.
وقالت
تعالي أحكيلك حكاية عمري ما حكيتها كاملة.
وحكت لها.
حكت لها عن الخمس سنين.
عن الجمعيات.
عن الشقة.
عن المكالمة.
وعن الليلة اللي افتكرت فيها إن حياتها انتهت.
البنت كانت تسمع وهي مذهولة.
وفي النهاية سألت
وبعد كل ده... مش كرهتيه؟
سكتت ميادة لحظة.
ثم قالت
لا.
ليه؟
لأن الكره بيفضل رابطك بالشخص اللي وجعك.
وأنا كنت محتاجة أتحرر.
البنت حضنتها بقوة.
وقالت
أنا فخورة بيكي يا ماما.
ابتسمت ميادة.
لأنها لأول مرة تحكي القصة كلها من غير ما قلبها يوجعها.
...
وفي نفس الأسبوع...
وصلها خبر.
أحمد تعرض لأزمة صحية مفاجئة.
وكان في المستشفى.
ترددت.
ثم قررت تروح تطمن عليه.
مش حبًا.
لكن إنسانية.
دخلت الغرفة.
ولقت أحمد أضعف بكتير مما كان.
لما شافها ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
كنت عارف إنك هتيجي.
ضحكت بهدوء
الثقة دي لسه موجودة؟
قال
فيكي إنتِ بس.
سكت شوية.
ثم قال
عارفة؟ طول عمري فاكر إن أكبر خسارة كانت إني ما اتجوزتكيش.
لكن اكتشفت إن أكبر خسارة إني خسرت إنسانة كانت بتصدقني أكتر من نفسي.
نظرت له ميادة.
ثم قالت
يمكن لو رجع الزمن كنا هنغلط نفس الغلطات.
ابتسم بحزن.
يمكن.
ثم أضاف
بس أنا سعيد إنك بخير.
وأنا كمان.
كان لقاء هادئًا.
لا يحمل أملًا.
ولا ندمًا جديدًا.
فقط إغلاقًا أخيرًا لباب قديم.
...
بعد أسابيع خرج أحمد من المستشفى.
وبدأت حياته تستقر قليلًا.
أما ميادة...
فعادت لبيتها.
وفي إحدى الليالي كانت جالسة في الشرفة مع زوجها.
سألها
لو رجع بيكي الزمن... كنتِ هتغيري حاجة؟
فكرت طويلًا.
ثم ابتسمت.
وقالت
أيوه.
إيه؟
كنت هحب نفسي بدري شوية.
أخذ زوجها يدها.
وقال
المهم إنك عرفتي.
رفعت رأسها للسماء.
وكانت النجوم تلمع فوقها.
وأدركت أن أجمل انتصار في الحياة...
ليس أن يندم من ظلمك.
بل أن تصل إلى مرحلة يصبح فيها ندمه أو عدمه لا يغير شيئًا في سعادتك.
وهكذا انتهت الحكاية فعلًا... بعدما تحول الوجع إلى حكمة، والخسارة إلى بداية جديدة. لو هتتقال كلمة كمل بعد كل نهاية، فالحكاية هتفضل مفتوحة للأبد بس خلينا نديها آخر صفحة فعلًا بشكل مختلف.
بعد سنين طويلة
كانت ميادة كبرت، وهدأت الحياة حواليها بشكل مريح.
لكن في يوم، وهي بترتب دولاب قديم، لقت صندوق صغير كانت ناسياه.
فتحت الصندوق.
لقيت فيه الدبلة القديمة.
ودفتر الجمعيات.
وصورة ليها وهي مخطوبة.
وقفت لحظة ساكتة.
مش وجع ولا ندم بس دهشة إن النسخة دي منها كانت موجودة فعلًا.
دخل عليها زوجها وقال
بتعملي إيه؟
رفعت عينيها وقالت بابتسامة
بتفرج على نسخة قديمة مني.
قعد جنبها.
وقال
وناوية تعملي إيه فيهم؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
هسيبهم.
مش عايزة أمسح اللي عشته حتى لو وجع.
لأنه هو اللي خلاني أبقى أنا.
ابتسم وقال
دي
ردت بهدوء
لأن الجرح اللي اتفهم ما بقاش وجع.
بقى خبرة.
...
وفي نفس اللحظة
كان أحمد في مكان تاني تمامًا.
قاعد لوحده.
بيفتح نفس الدفتر القديم اللي كان عنده من زمان رسائلها.
وقف عند آخر رسالة
متابعة القراءة