جوزي مات حكايات زيزي
جوزي مات برّه مصر ولما فتحت جرّة رماده لقيت خاتم جوازه جواه مكتوب عليه ماتصدقيهاش!بعد أربعين سنة جواز، جوزي مات وهو عند بنته في بلد تاني لكن لما فتحت الجرّة عشان أنثر رماده، حاجة صغيرة وقعت منها وكشفتلي سر عمري ما كنت أتخيله.
بعد أربعين سنة من الجواز، كنت دايمًا فاكرة إن أصعب وداع في حياتي هيكون وأنا ماسكة إيد جوزي حسن وهو بيموت قدامي.
لكن الحقيقة إني فقدته من خلال مكالمة تليفون جاية من آلاف الكيلومترات.
حسن كان سافر برّه مصر عشان يقضي 3 أسابيع مع بنته مريم، اللي كانت من جوازه الأول.
مريم كانت عايشة هناك بقالها سنين، ورغم إن علاقتها بوالدها كانت متوترة في فترة من الفترات، إلا إنهم مؤخرًا بدأوا يحاولوا يقربوا من بعض من جديد.
وأنا بنفسي اللي شجعته يسافر.
بعد ما وصل بست أيام بس، مريم اتصلت بيا وهي بتعيط بشدة.
قالتلي إن حسن وقع فجأة الصبح.
ولما الإسعاف وصل، كان خلاص فارق الحياة.
مات.
أول حاجة فكرت فيها إني أحجز أول طيارة وأسافر له.
لكن مريم أقنعتني إني ما أروحش.
قالت إن إجراءات المستشفى معقدة، وإن وجودي هناك مش هيغير حاجة. ووعدتني إنها هتتكفل بكل حاجة بنفسها، حتى حرق الجثمان، وإنها هترجّع حسن لبيته.
ففضلت في البيت.
بعد أسبوعين، وصلتني طرد على باب البيت.
جواه كانت فيه جرّة رماد من السيراميك لونها أزرق فاتح.
الأزرق كان دايمًا اللون المفضل لحسن.
أول ما شفتها، حضنت الجرّة لصدرى وفضلت أعيط لحد ما ما بقاش عندي دموع.
من سنين طويلة، أنا وحسن كنا عاملين وعد لبعض.
اللي يموت الأول، التاني ياخد رماده وينثره تحت شجرة الصفصاف القديمة جنب البحيرة، المكان اللي اتقابلنا فيه لأول مرة.
عدّى شهر كامل قبل ما أقدر أنفذ وعدي.
وفي صباح هادي، أخدت الجرّة وروحت للبحيرة.
قعدت تحت فروع شجرة الصفصاف، والجرّة في حجري، وفضلت أحكي لحسن كل الكلام اللي كنت نفسي أقولهوله قبل ما يسافر.
وبعدها، أخيرًا، فتحت الغطا.
جواها كان فيه كيس بلاستيك مقفول، مليان رماد حسن.
إيدي كانت بتترعش وأنا بطلّعه بحذر.
وفجأة
سمعت صوت حاجة خبطت في قاع الجرّة.
جسم صغير وقع على العشب جنب رجلي.
نزلت أبص عليه.
وفي اللحظة دي
قلبي وقف.
كان خاتم جواز حسن.
عرفته من أول نظرة.
كل خدش صغير فيه كنت أعرفه.
حسن كان لابسه أربعين سنة كاملة.
وكان دايمًا بيهزر ويقول إن الشخص الوحيد اللي ممكن يخلعه من إيده هو أنا.
لكن مريم كانت قالتلي بنفسها إن حسن اتحرق والخاتم لسه في إيده.
صوابعي بدأت تترعش أكتر.
وبعدين لاحظت حاجة تانية.
كان فيه كلام محفور من جوه الخاتم.
حسن عمره ما كان حافر عليه أي حاجة قبل ما يسافر.
قربته من ضوء الشمس.
وظهرت قدامي 3 كلمات
ماتصدقيهاش.
لثواني، نسيت أتنفس.
هي مين؟
الست الوحيدة اللي كانت مع حسن في آخر أيام حياته كانت
مريم.
ما اتصلتش ببنت جوزي.
وما قلتلهاش إني فتحت الجرّة.
وطبعًا ما جبتش سيرة التحذير اللي كان حسن مخبيه جوه خاتم جوازه.
بعد يومين بس، جهزت شنطة صغيرة وركبت طيارة للبلد اللي مريم عايشة فيها.
بالنسبة لها، أنا لسه قاعدة في بيتي، على بُعد آلاف الكيلومترات، وبحاول أتعامل مع حزني لوحدي.
ما كانش عندها أي فكرة إني جاية.
ولما وصلت قدام بيتها بهدوء
وشفت بعيني إيه اللي كان بيحصل جواه
فهمت أخيرًا ليه حسن سابلي التحذير ده ووو
حكايات_زيزي
لما وصلت قدام بيت مريم، وقفت بعيد شوية عن الباب، وفضلت أراقب المكان من الناحية التانية من الشارع.
كنت متوقعة أشوف بنت حزينة فقدت أبوها من أيام.
لكن اللي شوفته خلاني أحس إن في حاجة غلط.
مريم خرجت من البيت وهي بتضحك ضحكة عادية جدًا، كأن مفيش جنازة حصلت، ولا كأنها فقدت أبوها من أقل من شهر.
كانت لابسة هدوم أنيقة، وفي إيدها ظرف بني صغير.
ركبت عربيتها، ومشت.
استنيت حوالي عشر دقايق، وبعدها قربت من البيت.
كنت لسه هخبط على الباب، لكن فجأة سمعت صوت من جوه.
صوت راجل.
اتجمدت مكاني.
الراجل قال بصوت منخفض
إنتِ متأكدة إنها مش عارفة حاجة؟
وبعدها سمعت صوت مريم
قلتلك لأ هي عمرها ما هتشك فيا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مين الراجل ده؟
وليه بيتكلموا عني؟
رجعت خطوة لورا، لكن طرف حذائي خبط في أصيص زرع جنب الباب.
الصوت كان بسيط
لكن اللي جوه سكت فورًا.
ثواني
وبعدين سمعت خطوات بتقرب.
جريت بسرعة واستخبيت ورا
الباب اتفتح.
مريم خرجت وبصت يمين وشمال.
وبعدها قالت
أنا حاسة إن حد كان هنا.
الراجل رد من جوه
محدش شافك، اهدَي.
مريم قفلت الباب.
وأنا فضلت واقفة مكاني وأنا حاطة إيدي على قلبي.
ما كانش عندي دليل واحد على اللي بسمعه.
لكن كان عندي شيء واحد أخطر من أي دليل
خاتم حسن.
طلّعته من جيبي وبصيت للكلمات المحفورة عليه
ماتصدقيهاش.
في اللحظة دي، قررت إني مش هرجع مصر.
على الأقل
مش قبل ما أعرف حسن كان خايف من إيه.
تاني يوم، بدأت أفتش عن أي معلومة تخص الأيام الأخيرة في حياته.
رحت المستشفى اللي مريم قالت إنه مات فيها.
لكن أول مفاجأة كانت إن اسم حسن ما كانش موجود في سجلات الوفيات بالطريقة اللي مريم حكتها.
الموظفة قلبت في الكمبيوتر، وبعدين بصتلي باستغراب.
حضرتك زوجته؟
قلت
أيوه.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
غريبة لأن الشخص اللي استلم متعلقاته الشخصية مسجل عندنا باعتباره قريب من الدرجة الأولى.
سألتها
مين؟
الموظفة بدأت تتردد.
وبعدين كتبت اسمًا على ورقة صغيرة ومدتهالي.
أول ما قريت الاسم
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
لأن الاسم ده
ما كانش اسم مريم.
ولا كان اسم أي حد من عيلة حسن.
كان اسم شخص أنا شفت اسمه قبل كده
في ورقة قديمة جدًا
كان حسن مخبيها في درج مكتبه من أكتر من عشرين سنة رجعت للفندق وأنا ماسكة الورقة في إيدي كأنها ممكن تختفي لو سيبتها لحظة.
الاسم اللي الموظفة كتبتهولي كان سامح فؤاد.
سامح
الاسم ده ما كانش غريب عليّا.
من حوالي خمسة وعشرين سنة، كنت بنضف مكتب حسن، ولقيت ورقة قديمة جدًا بين ملفات شغله.
كان مكتوب عليها الاسم ده، وتحت الاسم رقم تليفون وعنوان.
وقتها سألت حسن
مين سامح فؤاد ده؟
حسن اتغير وشه فجأة.
خطف الورقة من إيدي وقال
ده موضوع قديم وانتهى ومش عايزك تسألي عنه تاني.
ومن يومها عمري ما فتحت الموضوع.
لكن دلوقتي
سامح هو الشخص اللي استلم متعلقات حسن بعد وفاته.
والأغرب إن مريم ما جابتش سيرته خالص.
في اليوم التالي، رجعت للمستشفى وطلبت أقابل المسؤول عن إجراءات الوفاة.
قعد قدامي رجل كبير في السن، فتح ملف حسن، وقال
زوجك وصل هنا في حالة
قلبي دق بسرعة.
إيه؟
قال
كان واعي لدقايق قليلة.
وقال إيه؟
الرجل سكت لحظة، ثم قال
طلب من الممرضة ورقة وقلم.
وكتب إيه؟
ما نعرفش. الورقة اختفت بعد كده.
حسيت إن نفسي انقطع.
قلت بسرعة
مين كان موجود معاه؟
قال
ابنته كانت موجودة في البداية وبعدها خرجت.
وبعدين؟
دخل رجل اسمه سامح فؤاد.
وقفت من مكاني.
سامح دخل على حسن قبل ما يموت؟
هز رأسه.
أيوه. والغريب إن زوجك أول ما شافه، حاول يقوم من السرير رغم حالته.
سألته
وقال له إيه؟
الرجل قرب صوته
قال جملة واحدة.
كنت مستعدة لأي شيء.
لكنه قال
ما تخليش مريم تعرف.
اتجمدت.
نفس الاسم.
مريم.
خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن كل خطوة بأمشيها بتقربني من حقيقة أنا مش مستعدة أعرفها.
لكن كان لازم أعرف.
رجعت الفندق وفتحت شنطتي.
طلعت خاتم حسن.
وبصيت للكلمات من جديد.
ماتصدقيهاش.
وفجأة افتكرت حاجة.
قبل سفر حسن بأسبوع، كان واقف قدام المراية بيلبس الخاتم.
ولما شافني، غطى إيده بسرعة.
وقتها ضحكت وقلتله
إنت مخبي عني إيه؟
ابتسم وقال
لما أرجع هحكيلك.
أنا وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي
الكلمة دي كانت بتوجعني.
لأن حسن ما رجعش.
وفي نفس الليلة، وأنا قاعدة لوحدي في أوضة الفندق، جالي اتصال من رقم مجهول.
رديت.
ما حدش اتكلم.
بس سمعت صوت نفس متقطع.
وبعدين صوت رجل قال
لو إنتِ مرات حسن لازم تسمعيني كويس.
قلت
مين حضرتك؟
قال
أنا سامح.
وسكت لحظة.
ثم قال
وحسن ما ماتش زي ما مريم قالتلك.
وقتها وقعت الموبايل من إيدي.
لكن قبل ما المكالمة تنقطع، سمعت آخر جملة
ولو عايزة تعرفي الحقيقة متثقيش في أي حاجة موجودة في بيت مريم.
ثم أغلق الخط.
فضلت أبص للموبايل وأنا مش قادرة أستوعب.
وبعد أقل من دقيقة
حد خبط على باب أوضتي.
ثلاث خبطات ببطء.
وقفت مكاني.
ثم سمعت صوت مريم من وراء الباب
ماما افتحيلي وقفت قدام الباب وأنا مش عارفة أعمل إيه.
صوت مريم كان هادي جدًا.
هادئ بشكل يخوف.
ماما أنا عارفة إنك هنا.
اتجمدت.
إزاي عرفت إني في الفندق؟
قربت من الباب من غير ما أفتحه.
إنتِ عرفتي إني جيت؟
ردت فورًا
طبعًا عرفت.
سكتت لحظة،
بس أنا مش جاية أأذيكي.
الجملة دي خوفتني أكتر من أي تهديد.
قلت
إنتِ كنتِ بتكلمِي مين في البيت؟
ما ردتش.
وبعد ثواني، سمعتها تقول
إنتِ قابلتي سامح؟
قلبي وقع.
ما قلتلهاش إني أعرف سامح أصلًا.
فهمت إن الموضوع أكبر بكتير