فى يوم زفافى
أعيش مع الشخص اللي يختارني كل يوم، مش الشخص اللي يعتبر وجودي أمراً مضموناً.
سكتت سارة طويلاً.
قال حمزة
كنتِ كاتبة الكلام ده؟
أيوه.
وكنتِ مصدقة إنك مش هتلاقي الشخص ده؟
نظرت إليه.
وقتها كنت فاكرة إني لازم أعلّمك إزاي تكون الشخص ده.
ابتسم.
وأنا كنت محتاج أتعلم بنفسي.
أغلق الدفتر.
ثم قال
عندي حاجة ليكي.
أخرج من جيبه ظرفاً.
فتحته.
كانت بداخله ورقة واحدة.
قرأت سارة
أتعهد أن أختارك كل يوم، وأن أسمعك قبل أن أحكم عليك، وأن أحترم حدودك حتى عندما لا أفهمها، وأن أتذكر دائماً أن الزواج شراكة لا امتلاك.
رفعت عينيها إليه.
إيه ده؟
قال
وعد جديد.
ضحكت.
بعد كل السنين دي لسه بتكتب وعود؟
أيوه.
ليه؟
ابتسم.
لأن الوعود القديمة اتكتبت قبل ما أعرفك كويس.
ثم أضاف
دي اتكتبت بعد ما عرفت قيمتك.
اقتربت منه.
وأنا كمان عندي وعد.
إيه؟
لو في يوم اختلفنا، مش ههرب.
وأنا مش هسكت.
هنتكلم.
وهنسمع بعض.
ابتسمت.
اتفقنا.
خرجا من الفندق.
وعندما ركبا السيارة، جلس حمزة في مقعد السائق.
قالت سارة
على فين؟
نظر إليها.
إنتِ اختاري.
ابتسمت.
وأعطته عنواناً.
انطلقت السيارة.
لم تكن تعرف أين سينتهي الطريق.
لكنها هذه المرة لم تكن خائفة.
لأنها لم تعد تركب وحدها.
كانت الرحلة مشتركة.
وكان المقعدان متساويين.
ومن يومها، كلما سأل أحد سارة عن قصة زواجها، كانت تقول
أنا ما غيرتش وجهة العربية يوم فرحي علشان أهرب من حمزة
أنا غيرتها علشان ألاقي نفسي.
ولما لقيت نفسي، عرفت أعيش معاه من غير ما أضيعها.
تمت بعد شهور، كانت سارة جالسة في مكتب المؤسسة تراجع ملفات الأسر التي تحتاج للمساعدة، عندما دخلت مريم مسرعة.
سارة! لازم تيجي معايا حالاً.
رفعت سارة رأسها باستغراب.
في إيه؟
فيه حد مستنيكي برا.
خرجت سارة إلى الاستقبال.
توقفت مكانها.
كان والد حمزة يقف هناك، وفي يده صندوق قديم.
قال لها
ده كان عندي من زمان، وكنت مستني الوقت المناسب أديهولك.
فتحت الصندوق.
وجدت داخله مجموعة من الأوراق القديمة.
كانت تخص مشروع حمزة الأول، قبل زواجهما بسنوات.
قلبت الأوراق، ثم توقفت.
دي إيه؟
قال والده
دي أول دراسة للمشروع.
نظرت إليها.
ثم قالت
بس المشروع ده اتلغى.
صح.
أمال ليه محتفظ بيها؟
ابتسم والد حمزة.
لأن فيه صفحة حمزة كتب فيها حاجة غريبة.
قلبت سارة الصفحة.
وجدت بخط حمزة
لو نجح المشروع، أول حاجة هعملها إني أأمن مستقبل سارة.
تجمدت.
قال والده
هو كان بيحبك من زمان، بس مشكلته إنه كان فاكر إن الحب لوحده كفاية.
أغلقت سارة الورقة.
وأنا كنت فاكرة إن التضحية لوحدها كفاية.
ابتسم والد حمزة.
واتعلمتوا الاتنين.
في المساء، حكت سارة لحمزة ما حدث.
ظل صامتاً.
ثم قال
بابا كان محتفظ بالورقة دي؟
أيوه.
ابتسم حمزة.
كنت كاتبها وأنا عندي سبعة وعشرين سنة.
وكنت فاكر إنك هتأمن مستقبلي؟
كنت فاكر إني لازم أحميكي من كل حاجة.
نظرت إليه.
وأنا ما كنتش محتاجة حد يحميني.
عارف.
ثم أضاف
كنت محتاجة حد يمشي جنبك.
ابتسمت.
اتعلمت.
جلسا معاً في الشرفة.
وبعد دقائق، قالت سارة
عندي فكرة.
إيه؟
ليه ما نستخدمش الأوراق القديمة دي في حاجة مفيدة؟
زي إيه؟
نعمل برنامج لتعليم الشباب إدارة المشاريع، ونساعدهم يبدأوا من غير ما يقعوا في الأخطاء اللي وقعنا فيها.
فكر حمزة قليلاً.
ثم ابتسم.
نعمله.
وهكذا بدأت مبادرة جديدة داخل
وبعد أشهر، كان عشرات الشباب يحصلون على التدريب والدعم.
وفي أول يوم افتتاح، وقفت سارة أمام الحضور.
قالت
قصتنا بدأت بيوم زفاف اتلغى.
ضحك بعض الحاضرين.
ثم أكملت
لكن لو حد قال لي وقتها إن اليوم ده هيكون سبب في كل الخير اللي حصل بعده، ما كنتش هصدقه.
نظر حمزة إليها من الصف الأول.
تابعت
أحياناً أكبر خسارة بنمر بيها بتفتح لنا باب ما كناش شايفينه.
وبعد انتهاء كلمتها، صعد حمزة إلى المسرح.
أمسك الميكروفون وقال
وأنا عندي جملة واحدة بس.
نظر إلى سارة.
شكراً لأنك في اليوم اللي أنا ما فهمتش قيمتك، إنتِ فهمتي قيمتك بنفسك.
صفق الجميع.
اقترب منها.
وقال بصوت منخفض
ولسه مكملين.
ابتسمت.
طبعاً.
وفي طريق عودتهما، مرّا مرة أخرى أمام الفندق القديم.
هذه المرة لم يتحدث أي منهما.
فقط تشابكت أيديهما.
ثم تجاوزا الفندق.
لأن الماضي لم يعد مكاناً يرجعان إليه.
أصبح مجرد درس
درس علّمهما أن الحب الحقيقي لا يقوم على التضحية من طرف واحد، ولا على السيطرة، ولا على الخوف من فقدان الآخر.
بل على الاحترام، والثقة، والاختيار المتبادل.
وكانت تلك المرة الأخيرة التي تحدثا فيها عن يوم الزفاف.
لأن حياتهما أصبحت أكبر بكثير من ذلك اليوم.
النهاية مرت عشر سنوات على اليوم الذي غيرت فيه سارة وجهة السيارة.
وفي صباح هادئ، كانت تقف أمام المرآة ترتب شعر ابنتها الصغيرة قبل أن تذهب إلى المدرسة.
دخل حمزة وهو يحمل كوبين من العصير.
قال
جاهزين؟
ضحكت سارة.
جاهزين.
كانت ابنتهما تقفز حولهما وهي تقول
بابا، العربية مستنيانا!
نظر حمزة إلى سارة وضحك.
العربية؟
ابتسمت.
أيوه، بنتك بتحب العربيات.
خرجوا جميعاً.
وقبل أن تركب سارة، فتح حمزة لها الباب.
قالت مازحة
لسه بتفتحلي الباب؟
من أول يوم لآخر يوم.
جلست بجواره.
أما ابنتهما فجلست في الخلف.
تحركت السيارة.
وبعد دقائق، مروا أمام الفندق القديم.
نظرت سارة إليه للحظة.
ثم ابتسمت.
قال حمزة
فاكرة؟
مستحيل أنسى.
لو رجعنا لليوم ده، كنتِ هتغيري وجهة العربية تاني؟
نظرت إليه.
ثم قالت
أيوه.
ضحك.
ليه؟
أجابت
لأن تغيير الطريق كان أول مرة أختار نفسي.
ثم أمسكت يده.
ولو ما عملتش كده، يمكن ما كناش وصلنا لليوم ده.
نظر إليها بحب.
وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هركب العربية معاكي.
ضحكت.
لا، كنت هتخليني أختار الطريق.
بالضبط.
وصلوا إلى المدرسة.
نزلت ابنتهما، وقبل أن تدخل، عادت واحتضنت والدها ووالدتها.
ثم قالت
بحبكم.
نظر حمزة إلى سارة.
دي أجمل نتيجة لكل اللي حصل.
ابتسمت.
بعد أن ابتعدت ابنتهما، جلس الاثنان داخل السيارة للحظات.
قال حمزة
سارة؟
نعم؟
شكراً إنك ما سيبتينيش للأبد.
نظرت إليه.
أنا ما رجعتلكش علشان أنسى اللي حصل.
عارف.
رجعت علشان شفتك اتغيرت.
أمسك يدها.
وهفضل أتغير للأحسن.
ابتسمت.
ثم قالت
وأنا كمان اتغيرت.
إزاي؟
زمان كنت فاكرة إن الحفاظ على الحب معناه إني أتنازل.
سكتت لحظة.
دلوقتي عرفت إن الحفاظ على الحب معناه إن الاتنين يحافظوا على بعض.
ابتسم حمزة.
وانطلقت السيارة.
هذه المرة لم يكن هناك عروس تُترك في الخلف.
ولا شخص يأخذ مكان شخص آخر.
كان هناك زوجان يجلسان جنباً إلى جنب، وطفلة في المقعد الخلفي، وعائلة تعرف أن أجمل شيء في الحياة ليس أن تجد شخصاً مثالياً
بل أن تجد شخصاً يتعلم معك، ويحترمك، ويختارك كل يوم.
أما سارة، فكانت
وعلى الصندوق الخشبي كتبت
في اليوم الذي ظننت أنني خسرت فيه زفافي كنت في الحقيقة أربح نفسي، وأبدأ قصة حب تستحق أن تُعاش.
وهكذا انتهت الحكاية.
ليس بنهاية زفاف
بل ببداية حياة.
تمت