فى يوم زفافى
في يوم زفافي، أعطى خطيبي مكاني لامرأة أخرى لكن اللي حصل بعدها غيّر حياتنا كلنا.
اثنتا عشرة سيارة فاخرة كانت مصطفة أمام بنايتي.
وفي المقدمة كانت سيارة رولز رويس فانتوم سوداء، مزينة بالورود الحمراء والزهور البيضاء.
كانت السيارة التي اخترتها بنفسي.
أنا التي اخترت الفندق، والقاعة، والزهور، والبطاقات، وقائمة الطعام، وحتى الأغنية التي ستُعزف لحظة دخولي.
بعد اثني عشر عاماً مع حمزة، كنت أظن أن هذا اليوم سيكون أجمل يوم في حياتي.
خرجت من الشقة بفستان زفافي الأبيض، وأنا أبتسم لكل من حولي.
لكن بمجرد أن وصلت إلى باب البناية، وجدت حمزة يقترب مني بوجه متوتر.
قال
سارة، محتاج منك طلب صغير.
ابتسمت.
طلب إيه؟
تردد للحظة، ثم قال
ندى تعبت فجأة.
نظرت خلفه.
كانت ندى، صديقة طفولته، تقف بجوار سيارة الرولز رويس.
كانت تشعر بدوار شديد بسبب انخفاض ضغطها، وكانت والدتها قد اتصلت بحمزة وطلبت منه ألا يتركها وحدها.
قال حمزة
العربية الرئيسية أريح، والتكييف فيها أفضل. ممكن ندى تركب فيها وأنا أوصلها للفندق، وإنتِ تركبي العربية الأخيرة مع البنات؟
نظرت إليه بدهشة.
يعني أنا العروسة وهي تركب عربيتي؟
قال بسرعة
يا سارة، الموضوع صحي مش أكتر. خمس دقايق ونكون في الفندق.
نظرت إلى ندى.
كانت متعبة بالفعل، ووجهها شاحب.
لم أشعر بالغيرة منها، لكنني شعرت بشيء آخر.
شعرت أن حمزة، رغم حبه لي، لم يفهم طوال اثني عشر عاماً شيئاً مهماً عني.
أنه عندما أقول لا، لا يعني ذلك أنني أريد أن أكون أنانية.
بل يعني أن هناك حدوداً يجب احترامها.
ابتسمت بهدوء.
خلاص يا حمزة.
تنفس براحة.
ربنا يخليكي ليا.
ثم ذهب ليساعد ندى على ركوب السيارة.
أما أنا، فاتجهت نحو سيارة التويوتا البيضاء الموجودة في نهاية الموكب.
اقتربت مني صديقتي مريم.
سارة، إنتِ موافقة بجد؟
قلت لها
أيوه.
بس واضح إنك زعلانة.
ابتسمت.
مش زعلانة أنا بس بفكر.
ركبت السيارة.
جلس السائق خلف المقود، وسألني
على الفندق يا فندم؟
نظرت من النافذة.
كانت الرولز رويس أمامي، وحمزة
ثم أخرجت هاتفي.
وجدت عشرات الرسائل من والدي ووالدتي وأخواتي، يسألونني إن كنت وصلت.
أغلقت الهاتف.
ثم قلت للسائق
لا.
نظر إليّ في المرآة.
أمال على فين؟
أعطيته عنواناً.
اتسعت عيناه.
ده في الاتجاه العكس تماماً.
عارفة.
انطلقت السيارة.
وخلفي، تحرك موكب الزفاف بأكمله نحو الفندق.
أما أنا، فكنت أذهب إلى مكان لم يعرف حمزة عنه شيئاً.
بعد نصف ساعة، توقفت السيارة أمام برج سكني حديث.
صعدت إلى الطابق السابع عشر.
أخرجت مفتاحاً من حقيبتي، وفتحت باب شقة واسعة.
دخلت.
كانت الشقة مجهزة بالكامل.
أثاث جديد.
مطبخ كامل.
غرفة نوم.
مكتب.
وخزانة كبيرة.
لكن الأهم كان شيئاً آخر.
على المكتب كان هناك ملف بني اللون.
وضعت حقيبتي بجواره.
ثم خلعت حذائي وجلست.
لم أبكِ.
كنت هادئة بشكل غريب.
فتحت الملف.
كانت بداخله أوراق كثيرة.
عقود.
إيصالات.
مستندات ملكية.
وصور لتحويلات مالية.
كلها تحمل اسم حمزة.
رفعت الورقة الأولى وابتسمت.
منذ أشهر، اكتشفت أن حمزة كان يواجه أزمة مالية كبيرة بسبب مشروع دخل فيه مع بعض أصدقائه.
لكنه لم يخبرني.
وبدلاً من أن أتركه يواجه الأزمة وحده، كنت قد استخدمت مدخراتي واشتريت له هذه الشقة سراً.
كنت أريد أن أعطيه إياها كهدية في ليلة زفافنا.
وكانت هناك مفاجأة أخرى.
وضعت شركة صغيرة باسمه، وسددت جزءاً كبيراً من ديونه دون أن أخبره.
لم أفعل ذلك لأشتري حبه.
فأنا لم أكن بحاجة إلى شراء حب الرجل الذي عشت معه اثني عشر عاماً.
فعلت ذلك لأنني كنت أؤمن أننا عائلة واحدة.
لكنني اليوم اكتشفت أنني كنت أتعامل مع الزواج باعتباره شراكة
بينما كان حمزة يتعامل معه أحياناً باعتباره شيئاً مضموناً مهما حدث.
أخرجت ورقة أخرى.
كانت رسالة كتبتها له قبل أيام.
وضعتها أمامي.
ثم مزقتها.
رن هاتفي.
حمزة.
لم أرد.
اتصل مرة ثانية.
ثم ثالثة.
ثم بدأت الرسائل تصل
سارة، إنتِ فين؟
الفندق كله مستني.
مريم قالت إنك مش معاها.
ردي عليا.
أنا قلقان.
نظرت إلى الرسائل طويلاً.
ثم كتبت له جملة واحدة
أنا
وبعدها أغلقت الهاتف.
مرّت ساعة.
ثم ساعتان.
وفي الفندق، كان حمزة يقف أمام مئات الضيوف، لا يعرف ماذا يفعل.
حتى والدتي وصلت إليه.
قالت له بهدوء
بنتي مش هتعمل فضيحة يا حمزة. هي بس اكتشفت إنها لازم تحط نفسها الأول مرة واحدة.
نظر إليها حمزة باستغراب.
يعني إيه؟
أجابته
اسأل نفسك إنت عملت إيه خلاها تمشي يوم فرحها؟
في تلك اللحظة، وصلت مريم إلى الفندق.
وكانت تحمل ظرفاً.
أعطته لحمزة.
سارة قالتلي أديهولك.
فتح الظرف.
وجد بداخله مفتاح الشقة.
ومعه ورقة واحدة
دي كانت هدية زفافك.
تجمد حمزة مكانه.
قرأ الورقة مرة أخرى.
ثم رفع عينيه إلى مريم.
شقة إيه؟
قالت مريم
شقة باسمك سارة اشترتها من فلوسها، وكانت مجهزاها ليكم من شهور.
جلس حمزة على أقرب كرسي.
لأول مرة منذ بداية اليوم، لم يجد شيئاً يقوله.
ثم سأل بصوت منخفض
وهي فين؟
ابتسمت مريم.
في المكان اللي كان المفروض تكون فيه من البداية مكان اختارته لنفسها.
وفي تلك اللحظة، فهم حمزة أن المشكلة لم تكن في سيارة.
ولا في ندى.
ولا في الزفاف.
المشكلة أنه اعتاد أن يضع سارة في آخر قائمة اهتماماته
حتى جاء اليوم الذي قررت فيه سارة أن تضع نفسها في أول القائمة.
ولأول مرة منذ اثني عشر عاماً
لم تكن سارة تنتظر أن يختارها حمزة.
كانت هي التي اختارت نفسها في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة قبل شروق الشمس.
لم تنم إلا ساعات قليلة.
فتحت الستائر، ونظرت إلى المدينة من الطابق السابع عشر.
كان كل شيء هادئاً.
لكن هاتفها لم يكن هادئاً أبداً.
47 مكالمة فائتة.
23 رسالة من حمزة.
ورسائل من والدتها ومريم وأفراد العائلة.
أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت أول رسالة من حمزة.
أنا آسف.
ثم رسالة أخرى
أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية.
ثم
بس قابليني.
أغلقت الهاتف.
في تلك اللحظة، سمعت جرس الباب.
تجمدت مكانها.
نظرت إلى شاشة الكاميرا الموجودة بجوار الباب.
كان حمزة يقف بالخارج.
لم يكن يرتدي بدلة الزفاف.
كان يرتدي ملابس بسيطة، ووجهه شاحب، وعيناه تحملان آثار ليلة بلا
قال عبر الهاتف
سارة، أنا مش جاي أضغط عليكِ.
صمتت.
أنا بس عايز أتكلم.
فتحت الباب، لكنها لم تسمح له بالدخول.
ظل واقفاً أمامها.
نظر إلى وجهها طويلاً.
إنتِ كويسة؟
أيوه.
أكلتي؟
ابتسمت بسخرية خفيفة.
بعد كل اللي حصل، دي أول حاجة قدرت تسألني عنها؟
خفض عينيه.
عارف إني غلطت.
غلطت في إيه يا حمزة؟
رفع رأسه.
خليت حد تاني ياخد مكاني جنبك يوم فرحنا.
هزت رأسها.
لأ.
استغرب.
لأ؟
قالت بهدوء
غلطتك أكبر من كده.
صمت.
إنت نسيت إن اللي قدامك إنسانة ليها مشاعر وحدود. اتعودت طول السنين إني أتنازل، وأسكت، وأفهم، وأبرر.
ثم نظرت إلى المفتاح الذي كان في يده.
والأهم إنك ما كنتش تعرف أنا عملت إيه عشانا.
مدت يدها وأخذت الملف من فوق الطاولة.
فتحته أمامه.
تغير وجهه عندما رأى الأوراق.
دي إيه؟
دي الشقة.
ثم أخرجت مستنداً آخر.
وده جزء من ديون المشروع اللي سددته.
نظر إليها مصدوماً.
إنتِ عملتي كل ده؟
من غير ما أقولك.
ليه؟
ابتسمت بحزن.
لأني كنت شايفة إن نجاحك نجاحي، وإن مشاكلك مشاكلي.
سكت حمزة طويلاً.
ثم قال
وأنا كنت شايف ده كله حق مكتسب.
لم تجبه.
أكمل
أنا آسف يا سارة.
قالت
أنا مش محتاجة اعتذار.
أمال محتاجة إيه؟
نظرت إليه مباشرة.
محتاجة أعرف هل أنت عايز تتجوزني أنا ولا عايز تتجوز الصورة اللي اتعودت عليها مني؟
ظل صامتاً.
ثم أخرج من جيبه شيئاً.
كان خاتم الزواج.
وضعه على كفها.
أنا عايزك إنتِ.
نظرت إلى الخاتم.
الكلام سهل.
عارف.
ولو رجعنا، مش هترجع الأمور زي الأول.
أنا موافق.
هتكون في حدود.
موافق.
ومش هتطلب مني أتنازل عن نفسي علشان أي حد.
هز رأسه.
موافق.
ثم قال
بس عندي طلب واحد.
رفعت عينيها.
إيه؟
ابتسم بحزن.
لو لسه جواكي أي جزء بيحبني اديني فرصة أثبتلك إني أقدر أكون الشخص اللي تستاهليه.
لم تجبه فوراً.
أغلقت الملف.
ثم قالت
مش هنتجوز النهارده.
ظهر الألم على وجهه.
لكنها أكملت
لو عايز فرصة، هنبدأ من جديد.
يعني؟
من أول التعارف.
ابتسم للمرة الأولى.
وأنا موافق.
وفي المساء، اجتمعت العائلتان.
لم يكن هناك
ولا موسيقى.
ولا قاعة.
فقط جلسة هادئة في منزل والدي سارة.
وقف حمزة أمام الجميع وقال
أنا اللي ألغيت فرحنا من غير ما ألغي حق سارة في إنها تكون العروسة.
ثم التفت إليها.
ولو هي وافقت، أنا مستعد أبدأ معاها من الصفر.
نظرت إليه سارة.
ولأول مرة منذ أمس، شعرت أن قلبها