بعد وفاة جوزى
كفاية تضحية... دلوقتي دوري أحبك وأنا سايبك تعيشي.
ابتسمت.
وقلت
يبقى فعلًا بقيت راجل.
ضحك.
وأنتِ فعلًا بقيتي حرة.
بصيت للسماء، وابتسمت.
لأول مرة، ما كنتش خايفة من بكرة.
كنت مطمنة.
لأن ابني لم يعد يحتاج مني أن أعيش بدلًا عنه...
وهو لم يعد يريد مني أن أعيش من أجله.
بقينا نعيش مع بعض... وكل واحد فينا عنده حياة.
وكانت دي أجمل نهاية ممكنة لحكاية بدأت بخوف، وانتهت بالحب الحقيقي مرت شهور، وبدأ حازم يكتب كتابه فعلًا.
كان كل فترة ييجي يقعد معايا ويسألني عن تفاصيل من الماضي.
ماما، فاكرة أول يوم بعد وفاة بابا؟
فاكرة كل حاجة.
كنتِ خايفة؟
ابتسمت بحزن.
كنت مرعوبة.
طب ليه كملتي؟
بصيت له وقلت
علشان كنت شايفة إنك أهم حاجة في الدنيا.
سكت شوية، وبعدين قال
بس دلوقتي فهمت إن كان لازم يبقى عندك حاجة اسمها أنتِ بعيد عن كلمة ماما.
ضحكت.
متأخر، بس فهمت.
وبعد سنة، خلص الكتاب.
أول نسخة وصلتني كانت متغلفة بإيديه.
على الغلاف كان مكتوب
أمي مش ملكي
وتحت العنوان
حكاية ابن اتعلم إن الحب مش سيطرة.
فتحت أول صفحة.
لقيت إهداء
إلى أمي...
الست اللي ضحت بسنين من عمرها علشاني، ثم علمتني أن أجمل رد للجميل هو أن أتركها تعيش.
دموعي نزلت فورًا.
حازم كان واقف مستني رأيي.
قلت
أنا مش عارفة أقولك إيه.
قال
قولي إنك فخورة بيا.
ضحكت وسط دموعي.
فخورة بيك جدًا.
وبعد أيام، الكتاب بدأ ينتشر.
ناس كتير كانت بتبعت لحازم وتحكيله عن أمهاتهم.
واحد قال له
أنا كنت بمنع أمي من السفر علشان بخاف عليها.
واحد تاني قال
أنا كنت فاكر إن أمي لو اتجوزت
وحازم كان بيرد عليهم كلهم بنفس الجملة
حب أمك... لكن ما تمتلكهاش.
وفي يوم، اتصل بيا وقال
ماما، تعالي معايا حفل توقيع الكتاب.
ضحكت
أنا أطلع على المسرح؟
أيوه.
لأ، مستحيل.
قال
من غيرك الكتاب مكنش هيبقى موجود.
وفي يوم الحفل، القاعة كانت مليانة.
حازم طلع على المسرح، والناس صفقت.
ثم قال
قبل ما أبدأ، عايز أطلب من أمي تطلع جنبي.
قلبي دق بسرعة.
طلعت.
مسك إيدي.
وقال قدام الناس
الست دي ضحت بسنين من عمرها علشاني.
ثم بصلي.
وأنا في يوم من الأيام حاولت أطلب منها تضحي بالباقي.
القاعة سكتت.
قال
لكن أمي كانت أذكى مني. رفضت تربي فيا الخوف.
دموعي نزلت.
كمل
علمتني إن الأم مش ملك ابنها، وإن الابن مش مالك حياة أمه.
ثم حضني.
وقال
أنا النهارده مش جاي أعتذر لأمي بس... أنا جاي أقول لكل أم في القاعة لو ربيتي أولادك بحب، متخافيش من اليوم اللي يكبروا فيه. ربيهم علشان يسيبوك تعيشي.
الناس صفقت بحرارة.
وأنا كنت ببكي.
بعد الحفل، خرجنا.
قلت له
ليه عملت كده؟
قال
علشان لو في أم واحدة كانت بتفكر إنها تنسى نفسها علشان ابنها، تسمع الكلام ده.
ابتسمت.
أنت بقيت أحسن مني.
هز راسه.
لأ، أنا بقيت نتيجة تعبك.
رجعنا البيت.
ولأول مرة، فتحت درج قديم فيه حاجات محمد.
طلعت صورته.
وبصيت لها وقلت
شايف يا محمد؟ ابنك بقى راجل.
وبعدين حطيت صورة حازم جنب صورته.
وقلت
وأنا كمان أخيرًا بقيت عارفة أعيش.
سامح دخل وشاف الصور.
قال
أجمل حاجة إن الماضي بقى ذكرى... مش سجن.
مسكت إيده.
أيوه.
وفي اليوم التالي، حازم جالي.
قال
ماما، الكتاب
خلص إزاي؟
قال
آخر صفحة كتبت فيها جملة.
إيه؟
ابتسم وقال
أمي اختارتني أولًا... ثم علمتني أن أختارها من غير ما أمنعها من اختيار نفسها.
بصيت له طويلًا.
ثم حضنته.
وقلت
كده فعلًا خلصت مهمتي.
ضحك
لأ.
ليه؟
قال
لأنك لسه أمي.
ضحكت.
وإنت لسه ابني.
قال
بس المرة دي، كل واحد فينا عنده حياته.
قلت
وده أجمل شيء.
ومشينا سوا.
من غير ما حد يسحب التاني وراه...
ومن غير ما حد يقف في طريق التاني.
لأننا أخيرًا عرفنا الحقيقة
الحب اللي يمنعك من الحياة مش حماية... الحب الحقيقي هو اللي يخليك تعيش، وتطمن إن اللي بتحبه هيعيش معاك، مش بدلًا منك مرت سنة كاملة، وحازم بقى ناجح ومستقر، والمركز اللي أسسه باسمه والده بقى بيساعد مئات الأمهات والأطفال.
وفي يوم، طلب مني أروح معاه المركز.
دخلت، فاتفاجأت إن فيه لوحة كبيرة على الحائط مكتوب عليها
إلى كل أم ضحت من أجل أولادها... لا تنسي أن لكِ حياة.
بصيت لحازم وقلت
إنت اللي كتبتها؟
ابتسم وقال
أيوه.
وبعدين مد إيده ليا.
تعالي.
طلعني قدام الناس، وقال
الست دي أمي.
الكل صفق.
كمل
زمان كنت فاكر إن حبها ليا معناه إنها لازم تفضل لوحدها. وكنت فاكر إن لو اختارت نفسها، يبقى بتبعد عني.
سكت لحظة، والدموع لمعت في عينيه.
لكن أمي علمتني إن الابن الحقيقي مش اللي يقفل باب الحياة على أمه... الابن الحقيقي هو اللي يفتح لها الباب ويقول لها عيشي.
بصيت له وأنا بعيط.
قرب مني وقال
سامحيني على اليوم اللي وجعتك فيه.
حضنته وقلت
أنا سامحتك من زمان.
قال
وأنا مش هنسى الدرس ده طول عمري.
بعدها رجعنا
دخلت أوضتي، وفتحت درج قديم، وطلعت صورة محمد.
بصيت للصورة وقلت
اطمن يا محمد... ابنك بقى راجل.
ثم حطيت الصورة جنب صورة حازم وسامح.
وقلت
وأنا كمان أخيرًا عرفت أعيش.
دخل سامح، وقعد جنبي.
قال
مبسوطة؟
ابتسمت
جدًا.
ندمانة على حاجة؟
فكرت لحظة، ثم هزيت راسي.
لا.
حتى السبع سنين اللي ضيعتيهم؟
ابتسمت وقلت
مش ضياع.
أمال إيه؟
كانوا تمن إن ابني يتعلم المسؤولية... بس أهم حاجة إننا اتعلمنا بعدها إن الحب مش معناه إن حد يلغي نفسه علشان التاني.
وفي المساء، رن تليفوني.
كان حازم.
قال
ماما؟
حبيبي.
عايز أقولك حاجة.
قول.
لو رجع بيا الزمن لأول يوم كلمتك فيه عن الجواز، كنت هقولك
سكت لحظة.
ثم قال
اتجوزي يا ماما... ولو لقيتي الإنسان اللي يحترمك ويريح قلبك، أنا هكون أول واحد يفرحلك.
دموعي نزلت.
قلت
وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هقول لنفسي متخافيش من بكرة.
ضحك وقال
اتعلمنا متأخر.
قلت
المهم إننا اتعلمنا.
قفلت المكالمة، وبصيت لسامح.
مسكت إيده.
وبصيت للسماء.
وقلت
أنا ما خسرتش ابني يوم ما اخترت أعيش... أنا كسبت ابن عرف إن أمه إنسانة قبل ما تكون أم.
ومن يومها، بقت علاقتنا مختلفة.
حازم بقى سند ليا من غير ما يتحكم فيا، وأنا بقيت أمه من غير ما أعيش مكانه.
سامح عاش معايا من غير ما يمسح ذكرى محمد.
وذكرى محمد فضلت في مكانها الطبيعي... ذكرى جميلة نحترمها، من غير ما تتحول حياتنا كلها إلى انتظار للماضي.
أما أنا...
فبعد سنين من الخوف والتضحية، أخيرًا فهمت إن الأم مش لازم تختار بين ابنها وبين نفسها.
ممكن تحب ابنها بكل
وتعيش حياتها بكل قلبها...
والاتنين عمرهم ما كانوا ضد بعض.
وهكذا انتهت الحكاية...
أم اختارت ابنها، وابن تعلّم احترام أمه، ورجل دخل حياتها باحترام، وكل واحد فيهم عاش عمره من غير ما يخسر التاني.
النهاية.