بعد وفاة جوزى

لمحة نيوز

أنا خايفة أبدأ من جديد.
بصيت لحازم.
هو فهم فورًا.
قرب منها وقال
متخافيش.
ثم أشار ناحيتي.
أمي كانت في نفس مكانك يومًا ما.
السيدة بصتلي.
ابتسمت وقلت
الفرق إنك مش لوحدك.
دموعها نزلت.
وقالت
نفسي ابني يبقى زي ابنك.
ضحكت وقلت
لأ، خلي ابنك يبقى نفسه. المهم تربيه على الاحترام.
حازم ابتسم.
بعد ما السيدة مشيت، قال
ماما، إنتِ لسه بتعلميني.
قلت
وأنا كمان بتعلم منك.
وبعد فترة، البرنامج نجح جدًا.
وفي حفل صغير لتكريم الأسر اللي استفادت منه، وقف حازم قدام الناس وقال
أنا بدأت المشروع ده بسبب موقف حصل بيني وبين أمي.
الناس سكتت.
قال
زمان كنت فاكر إن حب الأم معناه إنها تفضل ليا وحدي.
ثم نظر إليّ.
لكن أمي علمتني إن الحب الحقيقي إنك تساعد اللي بتحبه يعيش حياته، حتى لو وجوده في حياتك اتغير.
صفق الناس.
وأنا كنت ببكي.
بعد الحفل، قرب مني وقال
ماما.
نعم؟
فاكرة الجملة اللي قلتها لك زمان؟
ضحكت.
للأسف فاكرة.
قال
أنا عايز أبدلها بجملة تانية.
قول.
مسك إيدي وقال
لو في يوم الدنيا خلتك تختاري بين سعادتك وبيني... اختاري سعادتك.
بصيت له والدموع في عيني.
قلت
وإنت؟
قال
أنا هكون سعيد لما أشوفك سعيدة.
حضنته.
وقلت
دلوقتي بقيت راجل.
ابتسم.
أخيرًا.
وفي المساء، رجعت البيت.
سامح كان مستنيني.
قال
شكلك مبسوطة.
قلت
جدًا.
حازم؟
هزيت راسي.
أيوه.
ابتسم وقال
ربنا يخليهولك.
بصيت للساعة القديمة اللي حازم اداني إياها، وحطيتها جنب صورة محمد.
وقلت
ربنا يرحمك يا محمد... ويبارك في ابنك.
وبعدين بصيت لسامح.
وقلت
ويبارك في بداية حياتي الجديدة.
وقتها فهمت إن بعض النهايات مش معناها إن الحكاية خلصت.
أحيانًا النهاية الحقيقية بتكون بداية لحياة أهدى، وأنضج، وأجمل.
وأنا أخيرًا...
بطلت أعيش علشان أعوض ابني عن فقدان أبوه.
وبقيت أعيش مع ابني، ومع زوجي، ومع نفسي.
من غير خوف.
ومن غير ذنب.
ومن غير ما حد يخسر حد مرت سنتين، وحياتنا اتغيرت تمامًا.
المركز اللي بدأه حازم كبر، وبقى له أكتر من فرع، وأنا بقيت أساعد في تدريب الأمهات اللي بتيجي للمكان.
أما حازم، فكان كل ما ينجح خطوة، يرجع يحكيلي عنها كأنه لسه الطفل الصغير
اللي كان بيجري عليا أول ما يرجع من المدرسة.
وفي يوم، دخل البيت وهو مبتسم بشكل غريب.
قلت له
مالك؟ شكلك مخبي حاجة.
قال
فعلًا.
إيه؟
قعد قدامي وقال
أنا قررت أعمل أكبر فرع للمركز.
فرحت.
فين؟
قال اسم مدينة بعيدة.
اتخضيت شوية.
يعني هتسافر؟
قال
لفترة، أيوه.
سكت.
ثم قلت
وإيه اللي مخوفك؟
قال
خايف تزعلي.
ضحكت.
بعد كل اللي علمناه لبعض، لسه بتفكر كده؟
ابتسم.
أصل المرة دي هبعد فترة طويلة.
قلت
يا حازم، أنا مش هطلب منك تفضل علشاني.
متأكدة؟
متأكدة.
قرب مني وقال
أنا زمان كنت بخاف إنك تسيبيني.
ودلوقتي؟
قال
دلوقتي بقيت عارف إن البُعد مش معناه الفراق.
مسكت إيده.
بالضبط.
وبعد أسبوع، سافر.
مرت الشهور.
كان بيتصل كل يومين أو تلاتة، يحكيلي عن الفرع الجديد.
وفي يوم، اتصل وقال
ماما، أنا محتاجك تيجي.
ليه؟
عايزك تشوفي حاجة.
سافرت له.
ولما وصلت، أخدني للمركز.
دخلت، لقيت عشرات الأمهات بيتعلموا شغل، وأطفال بيدرسوا، وناس بتساعد بعض.
بصيت لحازم وأنا مش مصدقة.
قال
كل ده بدأ بسببك.
هزيت راسي.
لأ، بدأ بسبب قرارك.
قال
قراري كان نتيجة درس إنتِ علمتيهولي.
وبعدين أخدني لمكتب صغير.
على الحائط كانت صورة محمد.
وتحتها جملة مكتوبة
الأم اللي تضحي علشان ابنها تستحق الشكر، مش السجن.
أول ما قريتها، دموعي نزلت.
قلت
إنت كتبتها؟
قال
أيوه.
ليه؟
علشان محدش ينسى.
قعدنا شوية.
وبعدين قال
ماما، عندي سؤال.
قول.
لو رجع بيكي الزمن، هتعملي نفس اللي عملتيه؟
فكرت.
وقلت
كنت هفضل أحبك وأربيك، لكن كنت هتعلم أعيش وأنا بربيك.
ابتسم.
يعني مكنتيش هتضيعي سبع سنين؟
قلت
يمكن كنت محتاجة السبع سنين دول علشان أوصل للفهم اللي عندي دلوقتي.
سكت.
وبعدين قال
وأنا محتاجهم علشان أبقى الشخص اللي أنا عليه.
رجعنا مصر بعد كام يوم.
وفي أول ليلة، كنت قاعدة في الشرفة مع سامح.
قال لي
إيه رأيك في اللي عمله حازم؟
قلت
أنا مش مصدقة إنه ابني.
ضحك.
ليه؟
علشان الولد اللي كنت خايفة عليه من الدنيا بقى بيحاول يصلح الدنيا.
سامح قال
دي نتيجة التربية.
ابتسمت.
لكن فجأة، رن تليفوني.
حازم.
رديت
حبيبي.
قال
ماما، أنا عايز أقولك حاجة.
قول.
أنا قررت
أكتب كتاب.
اتخضيت.
كتاب؟!
ضحك.
أيوه.
عن إيه؟
قال
عن تجربتنا.
سكت لحظة.
هتحكي كل حاجة؟
من غير أسماء.
وهتسميه إيه؟
قال
أمي مش ملكي.
دموعي نزلت.
قلت
الاسم ده وجعني زمان.
قال
ودلوقتي؟
ابتسمت.
دلوقتي بقى أحلى اسم في حياتي.
قال
علشان الجملة اتغير معناها.
إزاي؟
قال
زمان كنت بقولها علشان أمتلك حياتك.
وسكت.
ثم أكمل
دلوقتي بقولها علشان أذكّر كل ابن إن أمه إنسانة قبل ما تكون أم.
قفلت المكالمة وأنا بعيط.
سامح سألني
خير؟
قلت له
حازم هيكتب كتاب.
ضحك.
عنكم؟
أيوه.
ابتسم سامح وقال
يبقى الحكاية وصلت لآخر درس.
بصيت للسماء.
وفكرت في كل اللي مر علينا.
وفهمت إن الحكاية ما كانتش عن جواز أرملة.
ولا عن ابن رفض إن أمه تتجوز.
الحكاية كانت عن أم لازم تتعلم إنها مش مذنبة لأنها عايزة تعيش...
وابن لازم يتعلم إن الحب مش امتلاك...
ورجل دخل حياتها من غير ما يمسح الماضي.
ومن يومها، كل ما حازم كان يكلمني، كان يقول
ماما، عيشي.
وأنا أرد عليه
وإنت كمان يا ابني... عيش.
لأننا أخيرًا فهمنا إن أجمل أنواع الحب...
هو الحب اللي يدي للإنسان جناحين، بدل ما يحط له قيود مرت شهور، وكتاب حازم بقى منتشر بشكل كبير، لكن الغريب إن الشهرة نفسها ما غيرتوش.
كان لسه بييجي عندي كل أسبوع، يقعد معايا على السفرة، وياكل الأكل اللي بحبه وأفضل أزعق له
كل يا حازم، إنت ضعفت!
فيضحك ويقول
يا ماما أنا بقيت تلاتين سنة!
أرد عليه
حتى لو بقيت خمسين، هتفضل ابني.
وفي يوم، دخل البيت وهو ساكت.
قلت له
مالك؟
قال
محتاج أخد رأيك في حاجة.
قول.
قعد قدامي وقال
جالي عرض أشتغل في مؤسسة كبيرة جدًا.
فرحت.
دي حاجة حلوة.
قال
بس هحتاج أقلل شغلي في المركز.
سكت.
ثم قلت
وإنت عايز إيه؟
قال
مش عارف.
قلت
يبقى ما تاخدش القرار علشاني.
بصلي.
ليه؟
قلت
علشان أنا قضيت سنين باخد قرارات على أساس إنك محتاجني، وأنا مش عايزة أخليك تعمل نفس الغلطة.
سكت طويلًا.
قلت
اسأل نفسك لو أنا مش موجودة، هتختار إيه؟
ابتسم.
هختار العرض.
قلت
يبقى اختاره.
قال
بس المركز؟
المركز مش مربوط بشخص واحد. علم ناس تانية تكمل معاك.
هز راسه.
إنتِ صح.
بعد أسبوع، قبل حازم العرض.

لكنه بدل ما يقفل المركز، عمل نظام يخلي فريق كامل يديره.
وقال لي
اتعلمت إن المؤسسة اللي تعتمد على شخص واحد عمرها ما تكمل.
قلت
دي خبرة.
قال
دي من كل اللي حصل لنا.
وبعد فترة، زادت مسؤولياته، وبقى يسافر كتير.
وفي مرة، اتصل بيا وهو في المطار.
ماما.
نعم؟
أنا مسافر أسبوعين.
عارفة.
مش زعلانة؟
ضحكت.
لأ.
حتى مش هتوحشك؟
هتوحشني طبعًا.
أمال ليه مش زعلانة؟
قلت
علشان أنا فخورة إنك بتعيش حياتك.
سكت لحظة وقال
أنا كمان فخور إنك بتعيشي حياتك.
وبعد ما قفلت، دخل سامح وقال
حازم؟
هزيت راسي.
قال
واضح إنه اتغير جدًا.
ابتسمت.
أيوه.
ثم سكت شوية.
وقلت
بس عارفة إيه؟
إيه؟
أنا كمان اتغيرت.
إزاي؟
قلت
زمان كنت بخاف لما ابني يبعد.
ودلوقتي؟
دلوقتي بفرح لما أشوفه بيبعد خطوة... لأنه معناها إنه قادر يمشي.
سامح ابتسم.
وبعد شهور، رجع حازم.
لكن المرة دي كان معاه خبر جديد.
قال
ماما، أنا عايز أشتري بيت.
قلت
حلو.
وعايزك تيجي تختاريه معايا.
ضحكت.
بس إنت اللي هتدفع.
طبعًا.
وأنا هختار.
عارف.
رحنا وشوفنا كذا بيت.
وفي آخر بيت، وقف حازم في البلكونة وقال
شايفة المكان ده؟
أيوه.
نفسي يبقى عندي بيت أقدر أفتح بابه لأي طفل محتاج مساعدة.
قلت
إنت بتفكر في المركز حتى في بيتك؟
ضحك.
يمكن.
بعدها بأيام، اشترى البيت.
وفي أول يوم نقل حاجته، جابني.
على الحائط كان معلق صورة والده.
جنبها صورة لي.
وبجانبهم صورة له.
قلت
ليه حاطط صورنا كلنا؟
قال
علشان كل ما أبص لهم أفتكر أنا جيت منين.
وإيه اللي مكتوب تحتهم؟
قربت.
لقيت جملة
العيلة مش إننا نعيش في بيت واحد... العيلة إن كل واحد فينا يقدر يعيش حياته وهو عارف إن التاني موجود.
بصيت له والدموع في عيني.
قلت
الجملة دي حلوة.
قال
اتعلمتها منك.
حضنته.
وبعدين قال
ماما؟
نعم؟
فاكرة لما قلتلك لو اتجوزتي اعتبريني ابنك مات؟
ضحكت.
إنت مش هتبطل تفتكر اليوم ده؟
قال
لأ.
ثم ابتسم.
علشان كل مرة أفتكره، أعرف أنا اتغيرت قد إيه.
قلت
وإنت دلوقتي لو رجع الزمن، هتقول إيه؟
فكر شوية.
ثم قال
كنت هقولك يا ماما، اتجوزي لو لقيتي الإنسان المناسب... وأنا هفضل ابنك.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وكنت هطلب
منك حاجة واحدة.
إيه؟
متنسيش نفسك.
دموعي نزلت.
قلت
وعد.
وبالفعل، عشت حياتي.
وحازم عاش حياته.
وسامح فضل جنبي.
ومحمد فضل في ذاكرتنا باحترام ومحبة.
وكل واحد فينا كمل طريقه، لكن من غير ما يقفل الباب في وش التاني.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع حازم في البلكونة، سألته
حازم، إيه أكتر حاجة اتعلمتها من قصتنا؟
ابتسم وقال
إن الأم ممكن تضحي علشان ابنها، لكن الابن لازم يكبر يومًا ويقول لها
تم نسخ الرابط