بعد وفاة جوزى

لمحة نيوز

ابنها جاء يوم زفافي، وكنت واقفة قدام المراية مش مصدقة إن اللحظة دي وصلت.
بصيت لنفسي، وشفت الست اللي قضت سبع سنين كاملة وهي شايلة مسؤولية بيت وابن، ونسيت تمامًا إنها هي كمان ليها حق تفرح.
دخل حازم الأوضة، وكان لابس بدلته.
بصلي وابتسم
ماما، إنتِ حلوة أوي.
ضحكت وقلت
أخيرًا بقيت تقول كلام حلو.
قال
أنا كنت محتاج أكبر علشان أفهم.
قرب مني، ومد إيده.
يلا.
فين؟
عندنا فرح.
ضحكت وأنا بمسك إيده.
وأول ما خرجنا، لقيت سامح مستنينا.
وقف حازم قدامه وقال
سامح.
نعم يا حازم؟
النهارده أنا بسلمك أغلى إنسانة عندي.
سامح رد بهدوء
وأنا أوعدك إني هحافظ عليها وأحترمها.
حازم هز راسه.
وأنا مش هطلب منك تكون مكان أبويا.
سامح ابتسم
وأنا مش هحاول أكون مكانه.
دخلنا القاعة.
وأثناء الحفل، كنت قاعدة جنب سامح، وحازم واقف بعيد مع أصحابه.
بصيت له، وافتكرت اليوم اللي كان فيه طفل صغير متعلق بيا وخايف يخسرني.
دلوقتي بقى واقف على رجله، وبيبتسملي.
بعد انتهاء الفرح، رجعنا البيت.
وأنا بجهز حاجتي، لقيت حازم واقف على الباب.
قال
ماما؟
نعم؟
أنا هفتقدك.
ابتسمت
وأنا كمان.
بس المرة دي مش هقولك متروحيش.
ضحكت.
شاطر.
قال
بالعكس... أنا اللي هقولك روحي.
وقرب مني وحضنني.
وقال بصوت منخفض
عيشي يا ماما.
الجملة دي كانت أبسط كلمة سمعتها في حياتي...
لكنها كانت أغلى من أي كلام.
بعد شهر من الزواج، بدأت حياتي الجديدة تستقر.
سامح كان محترم وحنين، وحازم كان بيزورنا باستمرار.
وفي كل مرة كان يدخل البيت، يضحك ويقول
إيه يا ماما؟ مبسوطة؟
أقول
جدًا.
فيرد
الحمد لله.
وفي يوم، دخل حازم وهو ماسك ظرف.
قال
عندي خبر.
قلت
خير؟
قال
أنا اتقبلت في شغل ممتاز.
فرحت جدًا.
ألف مبروك.
لكنه قال
الشغل في محافظة تانية.
سكت.
ثم قال
لو سافرت، هبعد عنك.
مسكت إيده وقلت
وإيه المشكلة؟
مش هتزعلي؟
هزعل علشان هتوحشني، لكن مش همنعك.
ابتسم.
كنت مستني منك الجملة دي.
قلت
ليه؟
قال
علشان زمان كنت أنا اللي بمنعك من حياتك.
سكت.
ثم قال
دلوقتي دوري أعيش حياتي.
قلت
وأنا دوري أفرح بيك.
حضنني.
وبعدها سافر.
كنت كل يوم أدعي له.
وكان هو كل يوم يتصل يطمن عليا.
وبعد ست شهور، رجع فجأة.
لكن
المرة دي ما رجعش لوحده.
كان معاه شخص غريب.
بصيت له باستغراب.
قال
ماما، عايز أعرفك على حد.
الشخص ابتسم وقال
أنا مدير الشركة اللي حازم شغال فيها.
ضحكت
أهلًا وسهلًا.
قال المدير
بصراحة أنا جاي أشكرك.
استغربت.
تشكرني على إيه؟
قال
ابنك من أكتر الناس التزامًا وأمانة في الشركة.
بصيت لحازم بفخر.
قال المدير
وأهم حاجة فيه إنه دايمًا بيقول إن أمه علمته إن المسؤولية معناها إنك تعمل الصح حتى لو محدش شايفك.
دموعي نزلت.
حازم ضحك
كفاية بقى يا ماما.
قلت
لأ، سيبه يكمل.
ضحك الجميع.
بعد ما المدير مشي، قعد حازم جنبي.
قال
فاكرة أول مرة اتكلمنا عن جوازك؟
أكيد.
قال
أنا كنت فاكر إني بحميك.
ودلوقتي؟
قال
دلوقتي فهمت إنك كنتِ بتحميني أكتر لما علمتيني أسيبك تعيشي.
بصيت له وقلت
يبقى خلاص.
خلاص إيه؟
المهمة خلصت.
ضحك.
مهمة إيه؟
قلت
تربيتي ليك.
ضحك وقال
لأ، المهمة عمرها ما بتخلص.
وبعدين سكت لحظة وقال
بس دلوقتي دوري أنا أكون سند ليكي.
مسكت إيده.
وقلت
وأنا مطمنة.
ومن يومها، كل واحد فينا عاش حياته.
حازم بنى مستقبله، وأنا عشت حياتي مع سامح، من غير ما أحس إني خذلت ابني.
وأجمل حاجة حصلت...
إن حازم ما بقاش ابني اللي خايف يخسر أمه.
بقى ابني اللي يفرح لما يشوفها سعيدة.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع سامح في شرفة البيت، رن تليفوني.
كان حازم.
رديت
حبيبي.
قال
ماما، عندي حاجة عايز أقولها.
خير؟
قال
أنا فخور بيكي.
ابتسمت.
وأنا فخورة بيك.
قال
فاكرة لما قولتلك اعتبريني مش ابنك؟
ضحكت.
فاكرة.
قال
أنا النهارده بقولك العكس.
إيه؟
قال
اعتبريني ابنك طول العمر... بس سيبيني كمان أعيش، وسيبي نفسك تعيش.
دموعي نزلت.
قلت
اتفقنا.
قفلت المكالمة، وبصيت لسامح.
قال
إيه اللي حصل؟
ابتسمت وقلت
ابني كبر.
وبصيت للسماء وقلت
الحمد لله.
لأنني فهمت أخيرًا أن الأمومة مش معناها إنك توقف حياتك علشان ابنك...
لكن معناها إنك تربيه لحد ما يبقى قادر يقولك
عيشي يا أمي... وأنا هكون بخير.
وده كان أجمل انتصار في حياتي عدت الأيام، وبدأت حياتنا تدخل مرحلة جديدة.
حازم استقر في شغله، وأنا وسامح بقينا نعيش حياة هادية، نزور بعض ونتجمع كل أسبوع تقريبًا.
وفي يوم، اتصل
بيا حازم وقال
ماما، أنا جاي لك النهارده، ومحتاجك في موضوع مهم.
قلبي اتقبض.
خير يا حازم؟
ضحك
متخافيش، المرة دي مفيش مشاكل.
بعد ساعة، وصل.
دخل وقعد قدامي، وكان ماسك ظرف كبير.
قال
فاكرة لما كنتِ بتقولي إنك نفسك تسافري وتغيري جو؟
ضحكت.
كنت بقول كده من زمان.
مد لي الظرف.
افتحي.
فتحته، لقيت فيه تذاكر سفر.
بصيت له بدهشة.
دي إيه؟
قال
رحلة ليكي ولسامح.
إنت حجزتلنا؟
أيوه.
ليه؟
ابتسم وقال
لأنك قضيت سنين كتير بتقولي بعد ما حازم يكبر.
وسكت لحظة.
حازم كبر يا ماما.
دموعي نزلت.
قلت
وإنت؟
ضحك
وأنا كمان كبرت.
ثم قال
دلوقتي دوري أقولك متأجليش فرحتك.
حضنته وأنا بعيط.
ربنا يخليك ليا.
قال
وإنتِ كمان ربنا يخليكي ليا.
بعد أسبوع، سافرنا أنا وسامح.
كانت أول مرة من سنين أعيش يوم كامل من غير ما أكون مسؤولة عن حد.
مش مسؤولة عن مذاكرة.
ولا أكل.
ولا مواعيد.
ولا مشاكل.
كنت بس نادية.
ست بتضحك، وتمشي، وتتصور، وتعيش.
وفي أول ليلة، اتصلت بحازم.
قلت
مبسوطة أوي.
ضحك وقال
كنت مستني المكالمة دي.
ليه؟
علشان أتأكد إنك أخيرًا بطلت تحسي بالذنب.
سكت.
الكلمة لمست حاجة جوايا.
قلت
فعلاً.
قال
ماما، إنتِ مش أنانية علشان بتفرحي.
دموعي نزلت.
عارفة.
وإنتِ مش مقصرة علشان عندك حياة.
قلت
عارفة.
وأنا مش طفل علشان أحتاجك كل دقيقة.
ضحكت.
دي أهم واحدة.
ضحك هو كمان.
بعد ما رجعنا من السفر، لقيت حازم مستنينا.
وأول ما دخلت البيت، حضنني وقال
إيه الأخبار؟
قلت
أحلى سفرية في حياتي.
قال
يبقى لازم نكررها.
سامح ضحك
وأنا موافق.
حازم قال
خلاص، يبقى أنا هحجز المرة الجاية.
ضحكنا كلنا.
وبعدها بفترة، حصل موقف خلاني أحس إن حازم فعلًا بقى إنسان مختلف.
كنت في المركز اللي أسسه، ولاحظت أم شابة قاعدة لوحدها وبتعيط.
قربت منها.
مالك يا بنتي؟
قالت
جوزي مات، وأنا خايفة أربي ابني لوحدي.
قعدت جنبها.
الخوف طبيعي.
قالت
الناس بتقولي اتجوزي علشان تلاقي حد يصرف عليكي.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
الجواز قرار شخصي. لا تتجوزي خوفًا، ولا ترفضي خوفًا. أهم حاجة تختاري وأنتِ عارفة إن حياتك ملكك.
وفجأة لقيت حازم واقف قريب.
كان سامع كلامي.
بعد ما الست مشيت، قال
الكلام ده لو
كنتِ قلتيه لنفسك من زمان، كان زمانك ارتحتي.
ضحكت.
كنت محتاجة أتعلم بالطريقة الصعبة.
قال
بس المهم إنك اتعلمتي.
ثم بص للمركز وقال
علشان كده أنا مكمل.
مكمل إيه؟
مكمل المشروع.
قلت
ليه؟
قال
علشان مفيش أم تانية تضطر تختار بين أولادها وبين حياتها من غير ما يكون قدامها دعم.
ابتسمت.
وقلت
أبوك كان هيفتخر بيك.
سكت لحظة، وبص لصورة والده المعلقة على الحائط.
قال
وأنا عايز أفضل أعمل حاجات تخليه فخور بيا.
وفي المساء، رجعنا البيت.
وقبل ما أنام، فتحت درج قديم وطلعت صورة محمد.
بصيت لها وقلت
ابنك كبر يا محمد.
ثم ابتسمت.
وأنا كمان كبرت.
حطيت الصورة مكانها.
ودخلت أوضتي.
كان سامح مستنيني.
قال
سرحانة في إيه؟
ابتسمت.
في حياتي.
وندمانة؟
هزيت راسي.
أبدًا.
لأنني أخيرًا فهمت أن الإنسان ممكن يحب من غير ما يمتلك، ويضحي من غير ما يلغي نفسه، ويكون أمًا وزوجة وإنسانة في نفس الوقت.
أما حازم...
فكان أجمل دليل إن التربية الحقيقية لا تصنع ابنًا يخاف أن يفقد أمه...
بل تصنع رجلًا يخاف فقط أن يرى أمه حزينة مرت شهور، وفي يوم من الأيام، رن تليفوني الساعة عشرة بالليل.
كان حازم.
رديت بسرعة
حبيبي، خير؟
قال بصوت هادي
ماما، أنا تحت البيت.
ضحكت
تحت البيت؟ ليه ما طلعتش؟
انزلي بس.
لبست بسرعة ونزلت.
لقيته واقف جنب عربيته، وفي إيده صندوق خشب صغير.
قلت
إيه ده؟
ابتسم وقال
حاجة لقيتها وأنا بنقل حاجات بابا.
فتح الصندوق.
كان جواه ساعة قديمة، كانت بتاعة محمد.
أول ما شفتها، دموعي نزلت.
مسكتها بإيدي وقلت
دي كانت معاه يوم ما اتوفى.
قال
عارف.
احتفظت بيها كل السنين دي؟
أيوه.
وبعدين مدها لي.
خدّيها.
قلت
لأ، دي بتاعتك.
هز راسه.
أنا مش محتاجها علشان أفتكر بابا.
أمال؟
قال
لأنك إنتِ اللي حافظتي على ذكراه، وحافظتي عليا، وحافظتي على البيت.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا عايزك تحتفظي بيها كذكرى حلوة، مش كحاجة تحبسك في الماضي.
الكلمة الأخيرة خلتني أبص له طويلًا.
قلت
مين علمك الكلام ده؟
ضحك
إنتِ.
حضنته.
وقلت
يا حازم، أنا فخورة بيك.
قال
وأنا فخور إنك أخيرًا عايشة من غير إحساس بالذنب.
بعدها بأيام، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
حازم جه وقال
ماما، أنا عايز
أعمل حاجة كبيرة في المركز.
إيه؟
قال
عايز أعمل برنامج لدعم الأمهات اللي فقدوا أزواجهم، ونساعدهم يبدأوا شغل من البيت أو يتعلموا حرفة.
قلت
فكرة عظيمة.
قال
بس محتاج مساعدتك.
ابتسمت.
أنا معاك.
وبالفعل بدأنا نشتغل.
أنا كنت أقابل الأمهات وأسمع مشاكلهم، وحازم كان يتابع التنظيم والتمويل.
وفي يوم، دخلت علينا سيدة في الأربعين من عمرها، ومعاها ابنها الصغير.
كانت مترددة جدًا.
قالت
تم نسخ الرابط