بعد وفاة جوزى

لمحة نيوز

بعد وفاة جوزي رفضت أتجوز تاني علشان أربي ابني الوحيد، وبعد سبع سنين اتقدملي راجل محترم جدًا، فقلت لنفسي إن ابني كبر وبقى يقدر يعتمد على نفسه.
لكن أول ما حكيت له عن العريس، بصلي بغضب وقال
لو اتجوزتي، اعتبريني مش ابنك.
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
أنا اسمي نادية، اتجوزت محمد وأنا عندي عشرين سنة، وكنت لسه بدرس في الكلية. كان جوزي راجل طيب، وحياتنا كانت بسيطة وهادية، وبعد سنة من الجواز ربنا رزقنا بابننا حازم.
حازم كان كل حياتي.
لكن وأنا عندي واحد وتلاتين سنة، حصلت الصدمة اللي غيرت حياتنا كلها.
محمد توفى فجأة.
في يوم واحد، لقيت نفسي أرملة، ومعايا طفل عنده عشر سنين، لا فاهم الدنيا ولا قادر يستوعب إن أبوه مش هيرجع تاني.
من يومها أخدت قرار.
مش هتجوز.
مش علشان أنا شايفة إن الجواز وحش، ولا علشان قلبي مات، لكن علشان كنت خايفة على حازم.
كنت بقول لنفسي
مين هيضمنلي إن الراجل اللي هتجوزه هيعامل ابني كويس؟
وكان كل اللي حواليا يقولولي
يا نادية، إنتِ لسه صغيرة.
حازم هيكبر.
ما ينفعش تدفني شبابك.
لكن كنت برد
أنا مش بدفن حياتي... أنا بربي ابني.
اشتغلت، وتعبت، وذاكرت معاه، وروحت مدرسته، ووقفت جنبه في كل مشكلة.
كنت بصحى قبل ما يصحى، وأرجع من الشغل أطبخ له، وأقعد أسمع تفاصيل يومه.
ولو تعب، كنت أول واحدة جنبه.
ولو نجح، كنت أكتر واحدة تفرح.
مرت سبع سنين.
حازم بقى عنده سبعتاشر سنة.
شاب طويل، قوي، وبدأ يعتمد على نفسه.
وفي الفترة دي، كان فيه زميل ليا في الشغل اسمه سامح.
سامح كان عنده أربعين سنة، راجل محترم، هادي، مسؤول، وظروفه كويسة.
كان يعرف ظروفي، وعارف إني أرملة، وعارف إني رفضت الجواز سنين علشان ابني.
وفي يوم، طلب يقابل أهلي ويتقدملي رسمي.
فكرت كتير.
ولأول مرة، حسيت إن ممكن يكون ليا حق أعيش لنفسي شوية.
أنا عندي تمانية وتلاتين سنة.
لسه عندي عمر.
وحازم خلاص بقى شاب، وبعد سنة هيدخل الجامعة.
قلت لنفسي
أنا عملت اللي عليا وزيادة... يمكن جه الوقت يكون ليا ونيس.
رجعت البيت يومها وكنت فرحانة.
حضرت لحازم العصير اللي بيحبه،

وقعدت مستنياه.
لما دخل، ابتسمت وقلت
حازم، تعالى اقعد جنبي.
قعد.
قلت
عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
خير يا ماما؟
أخدت نفس طويل وقلت
فيه راجل محترم اتقدملي.
ملامحه اتغيرت فورًا.
يعني إيه اتقدم لك؟
يعني عايز يتجوزني.
قام واقف.
وإنتِ وافقتي؟
أنا لسه بفكر، وكنت عايزة آخد رأيك.
فجأة صوته علي
رأيي؟!
اتخضيت.
قال
إنتِ عايزة تتجوزي دلوقتي؟!
قلت بهدوء
يا حازم، أنا مش بعمل حاجة غلط.
الناس هتقول إيه؟
الناس مالها؟
أصحابي يعرفوا إن أمي اتجوزت وهي في السن ده؟
الكلمة وجعتني.
لكن حاولت أتمالك نفسي.
قلت
أنا مش بعيش علشان أصحابك.
رد بعصبية
وأنا مش هقبل!
مش هتقبل إيه؟
إن حد يدخل حياتنا وياخد مكان بابا.
قربت منه وقلت
محدش هياخد مكان أبوك.
لكنه كان منفعلًا جدًا.
وقال
من الآخر يا ماما، يا أنا يا الجواز.
سكت.
قال
لو اتجوزتي، اعتبريني مش ابنك.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
إنت عارف إنت بتقول إيه؟
قال
عارف.
بعد كل السنين دي؟
أيوه.
بعد ما رفضت الجواز علشانك؟
سكت.
قلت وأنا بحاول أمنع دموعي
أنا مش بلومك على إنك خايف. بس أنت بتطلب مني حاجة كبيرة أوي.
رد بقسوة
أنا مش مستعد أعيش مع راجل غريب.
قلت
ومين قال إنك هتعيش معاه؟
سكت.
كملت
أنا هفضل أمك، وإنت هتفضل ابني، لكن حياتي برضه من حقي.
قال
يبقى اختاري.
دخل أوضته وقفل الباب.
وقفت في الصالة لوحدي.
ولأول مرة من سبع سنين، حسيت إن التضحية اللي كنت فاكرة إنها هتكون مصدر حب بيني وبين ابني، اتحولت في عينه لحق مكتسب.
دخلت أوضتي، وقعدت على السرير.
بصيت لصورة محمد، وقلت
أنا عملت الصح؟
طبعًا ما جاليش رد.
لكن في اليوم التالي، أخدت قرار.
مش هرفض سامح علشان تهديد حازم.
ومش هتجوز علشان أثبت لحازم حاجة.
هعمل حاجة أهم.
هربي ابني من جديد.
لأن حازم كان محتاج يتعلم إن حب الأم مش معناه امتلاك حياتها.
وفي اليوم التالي، لما حازم خرج من أوضته، لقي البيت هادي.
دخل الصالة، فشافني قاعدة ومعايا ورقة.
بصلي وقال
عملتي إيه مع العريس؟
رفعت عيني له.
وقلت
قبل ما أقولك، اقعد.
قعد وهو متوتر.
قلت
أنا مش هتجوز دلوقتي.
تنفس
براحة.
لكني كملت
ومش علشان كلامك.
بصلي باستغراب.
قلت
أنا رفضت سامح لأنني اكتشفت إن فيه حاجات لازم أصلحها الأول... أهمها إن ابني اللي ربيته لازم يعرف الفرق بين الحب والسيطرة.
وشه اتغير.
قلت
أنت ابني، ومكانك في قلبي عمره ما هيتغير.
بس حياتي مش ملكك.
سكت.
زي ما حياتك مش ملكي.
حازم بدأ يدمع.
لكني كملت
أنا مش هعاقبك، ومش هقطع علاقتي بيك. لكن من النهارده هبدأ أعلمك إن الراجل الحقيقي مش اللي يفرض رأيه على أمه... الراجل الحقيقي هو اللي يحترم اختيارها حتى لو الاختيار مش على هواه.
قام وسكت.
وقبل ما يدخل أوضته، قال بصوت منخفض
أنا كنت خايف أخسرك.
بصيت له وقلت
وأنا كمان كنت خايفة أخسرك.
علشان كده منعتِ نفسك من الجواز؟
هزيت راسي.
أيوه.
سكت طويلًا.
ثم قال
يمكن أنا كنت أناني.
قلت
يمكن كنت خايف.
بصلي لأول مرة من غير غضب.
وقال
محتاج وقت أفهم.
ابتسمت.
وأنا هديك الوقت.
دخل أوضته.
وأنا قعدت مكاني.
كنت عارفة إن الحكاية لسه ما خلصتش...
لأن أصعب جزء مش إن حازم يوافق على جوازي.
أصعب جزء كان إني أعلمه إزاي يحب أمه من غير ما يمنعها من الحياة.
وبعد أيام، حصل موقف صغير...
لكن الموقف ده كان أول علامة إن ابني بدأ يفهم الدرس بعد كام يوم، رجعت من الشغل متأخرة، ولقيت حازم قاعد في الصالة مستنيني.
أول ما دخلت، رفع عينه وقال
ماما، ممكن نتكلم؟
حطيت الشنطة وقعدت جنبه.
اتكلم يا حبيبي.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا فكرت في كلامك.
قلبي دق.
ووصلت لإيه؟
قال
أنا كنت فاكر إن لو اتجوزتي، يبقى هتنسيني.
ابتسمت بحزن.
وليه فكرت كده؟
علشان أنا من بعد وفاة بابا، بقيت خايف أخسرك.
مسكت إيده.
بس أنا موجودة.
قال
عارف... بس يمكن أنا اتعودت إنك ليا لوحدي.
قلت
وده اللي لازم يتغير يا حازم.
بصلي.
يعني إيه؟
يعني أنا أمك، وهفضل أمك طول عمري. لكن لازم يكون عندي حياة كمان.
هز راسه.
وبعدين قال
لو في يوم لقيتي حد كويس، أنا مش همنعك.
بصيت له بدهشة.
بجد؟
قال
أيوه.
لكن قبل ما أفرح، كمل
بس أنا محتاج أعرفه الأول.
ضحكت.
دي من حقك.
بعدها بأيام، سامح اتصل بيا.
قال
نادية،
أنا عايز أقولك حاجة.
اتفضل.
أنا مش مستعجل.
يعني؟
لو حازم محتاج وقت، أنا مستعد أستنى. ومش عايز أكون سبب في خلاف بينك وبينه.
الكلام ده طمني.
وقلت له
علشان كده أنا بحترمك.
وبالفعل، بعد فترة، اتفقنا إن سامح يقابل حازم في مكان هادي.
قعدنا التلاتة في مطعم صغير.
حازم كان ساكت في الأول.
سامح ابتسم وقال
أنا مش جاي أخد مكان والدك.
حازم رفع عينه.
أنا عارف.
سامح كمل
ومش جاي أطلب منك تعتبرني أبوك.
وأنا مش هقدر.
ولا أنا طالب ده.
سكت حازم.
سامح قال
أنا بس عايز أكون شخص يحترم أمك ويخليها مرتاحة.
بص حازم ناحيتي.
ولأول مرة، شفت في عينه هدوء بدل الغضب.
قال لسامح
أهم حاجة عندي إنها تكون مبسوطة.
سامح ابتسم.
ودي أهم حاجة عندي أنا كمان.
رجعنا البيت.
وفي العربية، حازم قال لي
ماما.
نعم؟
أنا كنت ظالمه.
مين؟
سامح.
قلت
لسه بدري على الحكم.
ضحك.
أنا بس بقول إن الراجل محترم.
مرت الشهور.
حازم دخل الجامعة، وبدأ يبقى مشغول في دراسته.
وأنا بدأت أفكر في نفسي بشكل مختلف.
مش كأم فقط...
لكن كست عندها أحلام واحتياجات وحق في الحياة.
وفي يوم، حازم رجع من الجامعة ومعاه وردة.
قال
دي ليكي.
ضحكت
مناسبة إيه؟
قال
مفيش مناسبة.
أمال؟
قال
علشان أقولك حاجة.
قول.
قال
أنا موافق.
على إيه؟
ابتسم
إنك تدي نفسك فرصة.
دموعي نزلت.
قلت
متأكد؟
قال
أيوه.
حتى لو اتجوزت؟
هز راسه.
حتى لو اتجوزتي.
وبعدين ضحك وقال
بس عندي شرط.
ضحكت
إيه؟
متختفيش بعد الجواز وتنسيني.
حضنته.
وقلت
مستحيل.
بعدها بأسبوعين، اتفقنا على الخطوبة.
وفي يوم الخطوبة، حازم هو اللي وقف جنبي.
كان فرحان.
وقبل ما سامح يلبسني الدبلة، حازم قرب مني وقال
ماما؟
نعم؟
أنا آسف.
على إيه؟
على اليوم اللي قلتلك فيه اعتبريني مش ابنك.
مسكت وشه بين إيديا.
وقلت
أنا نسيت الكلام ده.
قال
بس أنا مش ناسيه.
قلت
يبقى افتكره علشان تتعلم منه.
اتعلمت.
إيه؟
قال
إن اللي بيحب أمه بجد، ما يحبسهاش في خوفه.
ابتسمت وقلت
كده أنا مطمنة.
وفي اللحظة دي، لبست الدبلة.
لكن المفاجأة كانت إن حازم هو اللي بدأ يزغرد ويضحك وسط الناس.
ضحكت
من قلبي.
لأول مرة من سنين، حسيت إن بيتي مش بيتكسر...
بيكبر.
وأنا وحازم وسامح بدأنا صفحة جديدة.
صفحة مفيهاش خوف...
ولا أوامر...
ولا تضحية من طرف واحد.
بس فيها حب واحترام.
وكان لسه قدامنا موقف واحد أخير...
موقف هيأكدلي إن حازم فعلًا اتغير، وإن الدرس اللي بدأ بكلمة قاسية انتهى بأجمل اعتذار ممكن تسمعه أم من
تم نسخ الرابط