الغريب الذى اتبرع ليا

لمحة نيوز

فقط... بل يعني أن شخصًا آخر قرر أن يمنحها فرصة.
أغلقت الملف.
ونظرت إلى يوسف.
قلت
عمرك ندمت؟
هز رأسه.
على التبرع؟
أيوه.
ابتسم.
لو رجع الزمن، كنت هعملها تاني.
قلت
حتى لو كنت عارف إننا هنتجوز؟
ضحك
كنت هتبرع وأتجوزك برضه.
ضحكت وقلت
وأنا لو رجع الزمن، كنت هخاف منك في الأول.
وبعدها؟
أمسكت يده.
وبعدها كنت هحبك.
خرجنا من المستشفى معًا.
وفي الطريق، مررنا بجوار المركز الذي أنشأناه.
كان مليئًا بالمرضى والأطباء والمتطوعين.
توقفت أمام الباب ونظرت إلى اللافتة.
ثم قلت
شايف عملنا إيه؟
قال يوسف
إحنا ما عملناش ده لوحدنا.
ثم أشار إلى الناس بالداخل.
كل واحد ساعد حد كمل الحكاية.
ابتسمت.
وعرفت أن هذه كانت الحقيقة الأخيرة.
يوسف لم يكن مجرد غريب تبرع لي بكلية.
ولم أكن مجرد امرأة أنقذها شخص غريب.
كنا حلقة في سلسلة طويلة من الخير بدأت قبل أن نلتقي، واستمرت بعدنا.
وفي آخر ليلة من ذلك العام، جلست بجوار يوسف في الشرفة.
كانت يده تمسك يدي.
قال
لو سألوك عن أغرب حاجة حصلت في حياتك، هتقولي إيه؟
نظرت إليه وابتسمت.
قلت
هقول إن أغرب يوم في حياتي كان اليوم اللي دخل فيه شخص غريب المستشفى، وتبرع لي بجزء من جسده.
سألني
وبعدين؟
قلت
وبعدين اكتشفت إنه ما كانش غريب.
سكت قليلًا، ثم قلت
كان الشخص اللي ربنا بعته لي عشان يعلمني إن الحياة ممكن تبدأ من جديد.
ابتسم يوسف وقبّل
يدي.
وبقيت بجواره حتى أشرقت الشمس.
لم تكن هناك خيانة.
ولا سر مظلم.
ولا نهاية مأساوية.
فقط رجل وامرأة التقيا في أصعب لحظة من حياتهما، فاختارا أن يكونا سندًا لبعضهما، وحوّلا الألم إلى أمل، والخوف إلى حياة، والخير إلى طريق يستمر.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن الخير الذي بدأها لم ينتهِ أبدًا.
النهاية بعد سنوات، ظننت أن الحكاية انتهت فعلًا.
لكن الحياة كانت تخبئ لنا مفاجأة جديدة.
في صباح يوم الجمعة، كنت في المركز أراجع ملفات المرضى، عندما دخلت فتاة في بداية العشرينات، تمسك بيد رجل مسن.
قالت للموظفة
أنا جاية أقابل مدام...
خرجت إليها.
أنا مين أقدر أساعدك؟
قالت
أنا اسمي سلمى، وده جدي.
نظر الرجل إليّ طويلًا، ثم قال
أنا عرفت أبوكي.
توقفت مكاني.
أبويا؟
أومأ.
وكان لي معاه موقف عمري ما نسيته.
جلست أمامه.
قال
من سنين، كنت في أصعب فترة في حياتي. كنت مريض ومش قادر أدفع تكاليف العلاج.
ثم ابتسم بحزن.
أبوكي دفعها كلها، ورفض ياخد مني جنيه واحد.
شعرت بالدموع في عيني.
ليه ما عرفتش ده قبل كده؟
قال
لأنه طلب مني ما أقولش لحد.
ثم أخرج ورقة قديمة.
لكن قبل ما يموت، قال لي لو في يوم قابلت بنتي، قول لها إن أبوها كان بيؤمن إن الإنسان عمره قصير، لكن الخير ممكن يعيش بعده.
قرأت الورقة أكثر من مرة.
وعندما عاد يوسف من المستشفى، أخبرته بما حدث.
ابتسم وقال
كل مرة نفتكر
إننا وصلنا لنهاية الحكاية، نكتشف فصل جديد.
قلت
يمكن الحكاية مش بتاعتنا لوحدنا.
أمال بتاعة مين؟
نظرت إلى المركز.
بتاعة كل واحد ساعدناه.
بعد أيام، اتخذنا قرارًا جديدًا.
أنشأنا صندوقًا خاصًا باسم فرصة للحياة، يساعد المرضى الذين ينتظرون عمليات زراعة الأعضاء، خصوصًا من لا يملكون المال الكافي للعلاج.
لم نكن نتوقع أن الفكرة ستكبر بهذه السرعة.
خلال عام واحد، ساعد الصندوق عشرات الأسر.
وفي إحدى الليالي، جاءنا اتصال من المستشفى.
كان هناك شاب صغير في التاسعة عشرة من عمره، وحالته أصبحت حرجة.
قال الطبيب
عندنا متبرع متوافق، لكن الأسرة غير قادرة على تحمل تكاليف العملية.
نظرت إلى يوسف.
لم نتبادل حتى كلمة واحدة.
قال
ادفعوا كل اللي نقدر عليه.
وبعد أسابيع، نجحت العملية.
جاء الشاب إلى المركز بعد خروجه من المستشفى.
كان ضعيفًا، لكنه يبتسم.
قال
أنا كنت فاكر إن خلاص، مفيش أمل.
ثم نظر إلى يوسف.
أنت السبب إني عايش.
رد يوسف
لأ.
استغرب الشاب.
قال يوسف
أنا كنت مجرد حلقة في سلسلة طويلة.
ثم أشار إلى صورة والده المعلقة على الحائط.
كل واحد فينا بيعمل حاجة صغيرة، وبعدها شخص تاني يكملها.
ظل الشاب ينظر إلى الصورة.
ثم قال
وأنا عايز أكملها.
ابتسم يوسف.
يبقى كده كل اللي عملناه ما راحش هدر.
مرت الأيام.
وفي ذكرى زواجنا الثلاثين، قرر أولادنا وأحفادنا أن يفاجئونا.
أخذونا
إلى نفس الحديقة التي عقدنا فيها قراننا.
وجدنا عشرات الأشخاص الذين ساعدهم المركز واقفين هناك.
بعضهم كان يحمل صورًا لأفراد عائلاتهم الذين نجوا.
وبعضهم جاء فقط ليقول شكرًا.
وقفت مذهولة.
ثم سمعت صوت يوسف بجواري
شكلك لسه مش مصدقة.
قلت
أنا مش مصدقة إن كل ده بدأ من كلية.
ضحك.
وأنا مش مصدق إنك وافقتي عليّ بعد شهر واحد!
ضحك الجميع.
ثم تقدم أحد الشباب وقال
ممكن أقول حاجة؟
قلت
طبعًا.
قال
أنا واحد من الناس اللي ساعدتوهم. بس النهارده أنا مش جاي أشكركم.
استغربت.
أمال جاي ليه؟
ابتسم وقال
جاي أقول لكم إننا إحنا كمان بدأنا نساعد ناس تانية.
وأشار إلى مجموعة من الشباب خلفه.
عملنا فريق تطوعي، وبقينا نساعد مرضى الكلى ونوفر لهم احتياجات العلاج والمواصلات.
نظرت إلى يوسف.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
قال لي بهدوء
دلوقتي فهمتي؟
إيه؟
الخير لما يتزرع صح، بيعمل غابة.
ابتسمت وسط دموعي.
وفي نهاية الاحتفال، اقترب مني يوسف.
أمسك يدي وقال
عندي سؤال.
ضحكت.
تاني؟
قال
لو رجعنا لأول يوم... يوم ما كنتِ بتبصيلي كأني أغرب إنسان في الدنيا...
قلت
كنت هقولك شكرًا.
وبس؟
لأ.
ثم اقتربت منه وقلت
كنت هقولك إنك مش غريب.
ابتسم.
ليه؟
قلت
لأن بعض الناس بتدخل حياتنا لأول مرة، لكن قلوبنا بتحس إنها كانت مستنيّاهم من زمان.
ضم يدي إلى يده.
ومشينا معًا في الحديقة التي بدأت فيها حكايتنا.

لم نكن نعرف ماذا سيحدث غدًا.
لكننا لم نعد نخاف من الغد.
لأننا تعلمنا أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعيشها...
بل بعدد الأرواح التي نترك فيها أثرًا طيبًا.
النهاية.

تم نسخ الرابط