الغريب الذى اتبرع ليا
المحتويات
أن نبدأ مشروعًا صغيرًا لمساعدة مرضى الفشل الكلوي الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج.
لم نكن نملك ثروة.
لكننا كنا نملك شيئًا أهم...
تجربة جعلتنا نفهم معنى أن ينتظر الإنسان فرصة للحياة.
وبعد مرور عشر سنوات على أول عملية، عدنا إلى نفس المستشفى.
دخلنا إلى القسم الذي بدأت فيه قصتنا.
كان هناك مريض شاب ينتظر متبرعًا مناسبًا.
نظر يوسف إليّ وقال
فاكرة إحساسك وقتها؟
قلت
عمري ما هنساه.
ثم اقترب من الشاب وقال له
ما تفقدش الأمل.
خرجنا من المستشفى ونحن نمسك أيدي بعضنا.
وفي السيارة، سألني يوسف
لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتختاري نفس الطريق؟
ابتسمت وقلت
حتى لو كنت أعرف كل اللي هيحصل؟
أيوه.
نظرت إليه وقلت
كنت هختارك من أول مرة.
ضحك وقال
حتى قبل ما أتبرع لك؟
قلت
يمكن.
ثم سكتُّ لحظة وابتسمت
بس كنت هخليك تستنى شوية قبل ما أوافق على الجواز.
ضحك يوسف لأول مرة بنفس ضحكته القديمة.
وفي تلك اللحظة أدركت أن الرجل الذي دخل حياتي كغريب...
لم يعد غريبًا أبدًا.
كان زوجي، وصديقي، والرجل الذي أعاد لي الحياة.
أما الحقيقة التي أخفاها عني طوال تلك السنوات، فلم تكن خيانة ولا مؤامرة ولا سرًا مظلمًا.
كانت ببساطة...
أنه منذ البداية كان يرى في إنقاذي طريقة ليكمل الخير الذي بدأه والدي.
وفي النهاية، أنقذ كل واحد منا الآخر بطريقة لم يتوقعها أحد.
النهاية بعد مرور عشر سنوات، كنت أظن أن كل أسرار الماضي انتهت.
لكن في صباح أحد الأيام، رن هاتف يوسف.
تغير وجهه بمجرد أن رأى اسم المتصل.
سألته
مين؟
قال
المستشفى.
توقعت أن يكون هناك موعد للفحوصات، لكن صوته كان مختلفًا.
بعد أن أنهى المكالمة، جلس صامتًا.
قلت له
يوسف، في إيه؟
نظر إليّ وقال
الدكتور طلب مني أروح المستشفى النهارده... بس مش علشان حالتي.
شعرت بالقلق.
أمال علشان إيه؟
قال
علشان في شخص بيسأل عني من فترة طويلة.
ذهبنا معًا إلى المستشفى.
وبعد دقائق دخل علينا الطبيب ومعه رجل مسن.
كان الرجل يحمل ملفًا قديمًا، وعندما رأى يوسف توقف مكانه.
قال بصوت مرتجف
أنت يوسف؟
أجاب يوسف
أيوه.
اقترب الرجل منه وقال
أنا كنت أعرف والدك.
نظر يوسف إليه بدهشة.
والدي؟
هز الرجل رأسه.
وكان عندي أمانة لازم أسلمها لك من سنين.
وضع الملف أمامه.
فتحه يوسف، وبدأ يقلب الأوراق.
كانت هناك مستندات قديمة تتعلق بوالده.
قال الرجل
والدك قبل وفاته كان بيتابع علاج طفل صغير... الطفل ده كان محتاج عملية خطيرة، ووالدك ساعد عيلته بكل اللي يقدر عليه.
سأل يوسف
وإيه علاقة ده بيا؟
أجاب الرجل
الطفل ده هو أنا.
ساد الصمت.
ثم أضاف الرجل
والدك أنقذ حياتي.
نظر يوسف إليّ.
كنت أشعر بقشعريرة.
قال الرجل
لما عرفت إنك تبرعت بكليتك لواحدة غريبة، فهمت إنك ورثت
ابتسم يوسف بحزن.
أنا ما كنتش أعرف كل ده.
قال الرجل
والدك ما كانش يحب حد يعرف خيره.
ثم أخرج صورة قديمة ووضعها أمام يوسف.
كانت صورة لوالد يوسف مع والدي.
تأملت الصورة طويلًا.
فجأة فهمنا أن عائلتينا كانتا متصلتين بخيط من الخير قبل أن نلتقي نحن أصلًا.
عاد الرجل إلى منزله، وبقيت أنا ويوسف وحدنا.
قلت له
شايف إن كل ده صدفة؟
ابتسم.
يمكن الصدف أحيانًا بتكون أكبر من إننا نفهمها.
مرت الأيام.
وبدأنا نبحث عن أسرة الرجل الذي كان يوسف قد ساعده دون أن يعرفه.
اكتشفنا أنه أصبح طبيبًا، وأنه يعمل في علاج مرضى الكلى.
قررنا أن ندعم مركزًا طبيًا صغيرًا باسمه واسم والد يوسف.
لم يكن الهدف أن نُخلّد أسماءنا.
كان هدفنا أن تستمر الحكاية.
وفي يوم افتتاح المركز، وقف يوسف أمام مجموعة من المرضى وقال
أنا كنت فاكر في يوم من الأيام إن الإنسان لما ينقذ حياة حد، يبقى خلص دوره.
ثم نظر إليّ وابتسم.
لكن اكتشفت إن إنقاذ حياة شخص ممكن يفتح باب لإنقاذ مئات الأشخاص.
صفق الجميع.
أما أنا، فكنت أنظر إليه وأفكر في أول يوم قابلته فيه.
رجل غريب دخل حياتي ومعه قرار واحد...
أن يمنحني فرصة للحياة.
لم أكن أعرف وقتها أن تلك الكلية ستمنحني أكثر من حياة جديدة.
كانت ستمنحني حبًا، وعائلة، ورسالة.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب مني يوسف وقال
عندي خبر أخير.
ضحكت
هو لسه فيه أخبار؟
قال
المرة دي خبر حلو.
قول.
أخرج ورقة من جيبه.
كانت نتيجة فحصه الأخير.
نظرت إليها، ثم رفعت عيني إليه.
قال الطبيب إن حالته مستقرة بشكل ممتاز، وإن احتمالات استمرار السيطرة على المرض أصبحت أفضل بكثير.
دموعي نزلت من غير ما أشعر.
قلت
يعني هنكمل؟
ابتسم يوسف وقال
مش هنكمل بس...
ثم أمسك يدي.
إحنا لسه هنبدأ.
وفي طريق عودتنا، مررنا أمام المستشفى الذي شهد أول فصل في قصتنا.
توقف يوسف بالسيارة.
نظر إلى المبنى وقال
هنا بدأت الحكاية.
قلت
لأ.
نظر إليّ باستغراب.
قلت وأنا أبتسم
الحكاية بدأت قبل ما نعرف بعض بسنين... يوم ما أبويا ساعد أبوك، ويوم ما أبوك ساعد ناس تانية.
ثم أمسكت يده.
وإحنا بس كملناها.
ابتسم يوسف.
وانطلق بالسيارة.
وفي تلك الليلة، كتبت في مذكراتي
أحيانًا لا يأتي الشخص الذي ينقذ حياتك إلى عالمك ليكون بطلًا في قصتك...
بل يأتي ليجعلك أنت أيضًا سببًا في إنقاذ حياة آخرين.
ومن يومها، لم نعد نسأل لماذا جمعنا القدر.
كنا فقط نحاول أن نكون جديرين بهذه الفرصة.
النهاية بعد افتتاح المركز بثلاث سنوات، أصبحت حياتنا أكثر هدوءًا.
يوسف ظل يتابع فحوصاته بانتظام، وكانت النتائج مطمئنة، وأنا كنت أعمل مع فريق المركز لمساعدة المرضى وأسرهم.
وفي صباح يوم هادئ، دخلت إلى مكتبي فوجدت ظرفًا قديمًا فوق الطاولة.
لم يكن عليه اسم.
فتحته، فوجدت بداخله رسالة بخط يد والدي.
بدأت أقرأ
ابنتي الحبيبة...
لو وصلتك الرسالة دي في يوم، فمعناه إن فيه حاجات في حياتك حصلت من غير ما تعرفي أصلها.
توقفت عن القراءة، وشعرت بقلبي يخفق.
تابعت
يمكن في يوم تقابلي شخصًا يساعدك من غير ما يطلب منك مقابل. وقتها ما تسأليش بس ليه عمل كده؟
اسألي نفسك إنتِ هتعملي إيه بالخير اللي وصلك؟
وضعت الرسالة على صدري.
لكن كانت هناك جملة أخيرة جعلتني أبكي
أنا مش عايزك تردي الجميل ليا أو لحد. عايزك تكمليه.
دخل يوسف المكتب في تلك اللحظة.
وجدني أبكي.
سألني
في إيه؟
ناولته الرسالة.
قرأها بصمت.
ثم قال
أبوكي كان عارف إن الخير ممكن يعدي من شخص لشخص.
قلت
وإحنا لازم نكمله.
في اليوم التالي، اتخذنا قرارًا جديدًا.
بدل ما يقتصر المركز على مساعدة مرضى الكلى، قررنا إنشاء برنامج لمساعدة المرضى الذين ينتظرون زراعة الأعضاء، وتقديم الدعم النفسي والمادي لأسرهم.
لم يكن لدينا ملايين.
لكن كان لدينا أشخاص آمنوا بالفكرة.
وبدأت التبرعات تصل.
طبيب يتنازل عن جزء من أجره.
ممرضة تعمل ساعات إضافية.
رجل بسيط يتبرع بمبلغ صغير.
وأسرة كانت قد فقدت أحد أفرادها تقرر أن تتبرع بأعضائه بعد الوفاة لإنقاذ آخرين.
ومع مرور الوقت، بدأ البرنامج يكبر.
وفي أحد الأيام، جاء شاب إلى المركز.
كان في منتصف العشرينات، ويعاني من فشل كلوي شديد.
قال لي
الدكاترة قالوا إني محتاج زراعة، بس مش عارف أعمل إيه.
جلست بجواره.
قلت
متفقدش الأمل.
سألني
حضرتك عرفتي الإحساس ده قبل كده؟
ابتسمت.
أكتر مما تتخيل.
بعد أيام، ظهرت نتيجة الفحوصات.
كان أحد أقاربه متوافقًا معه.
لكن الشاب كان خائفًا من العملية.
يوسف جلس معه وقال
أنا كنت في يوم من الأيام متبرع.
نظر إليه الشاب بدهشة.
وإنت ما ندمتش؟
ضحك يوسف.
ولا يوم.
ثم أضاف
أنت مش محتاج تكون شجاع طول الوقت. بس محتاج تاخد خطوة واحدة في كل مرة.
وافق الشاب.
وتمت العملية بنجاح.
بعد أشهر، عاد إلى المركز وهو يمشي بشكل طبيعي.
اقترب مني وقال
أنا جيت أشكركم.
قلت
اشكر الشخص اللي أنقذ حياتك.
قال
هو أنقذني... بس أنتم اللي خليتوني أصدق إن عندي فرصة.
نظرت إلى يوسف.
كان واقفًا بعيدًا ويبتسم.
فهمت وقتها أن هذه كانت الإجابة الحقيقية على رسالة والدي.
لم يكن المطلوب مني أن أرد الجميل.
كان المطلوب مني أن أجعله يستمر.
مرت عشرون سنة منذ أول عملية.
وفي ذكرى زواجنا، جلسنا في نفس الحديقة الصغيرة التي عقدنا فيها قراننا.
كان يوسف يمسك بيدي، وقد ظهرت على وجهه علامات العمر.
قلت له
فاكر أول مرة همستلي فيها بالحقيقة؟
ضحك.
إنتِ لسه فاكرة؟
مستحيل أنسى.
قال
كنت خايف جدًا.
من إيه؟
كنت خايف تسيبيني لما تعرفي كل
نظرت إليه وقلت
وأنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة هسمعها هي إنك مريض.
ابتسم.
وطلعت الحقيقة إن حياتنا كلها كانت أكبر من المرض.
سكتنا قليلًا.
ثم أخرج يوسف من جيبه صندوقًا صغيرًا.
فتحته.
كان بداخله خاتمي القديم.
قال
ده أول خاتم.
قلت
إنت محتفظ بيه كل السنين دي؟
قال
طبعًا.
ثم أخرج خاتمًا آخر.
وده عشان أجدد طلبي.
ضحكت.
بعد عشرين سنة؟
قال
أيوه.
ثم وقف أمامي ومد يده.
تتجوزيني تاني؟
ضحكت وسط دموعي.
موافقة.
صفق أولادنا وأحفادنا الذين كانوا يختبئون خلف الأشجار.
نظرت إليهم بدهشة.
إنتوا كنتوا بتخططوا لكل ده؟
ضحك يوسف.
وفي تلك اللحظة فهمت أن الرجل الذي بدأ قصته معي كغريب تبرع لي بجزء من جسده، أصبح بعد سنوات طويلة أقرب إنسان إلى قلبي.
لم تكن قصتنا عن كلية.
ولا عن مرض.
ولا عن سر مخيف.
كانت عن الخير الذي ينتقل من إنسان إلى إنسان.
عن يد تمتد في وقت الشدة.
وعن حب لم يبدأ بكلمات رومانسية...
بل بدأ بقرار بسيط
أنا أقدر أساعدك... ومش هسيبك لوحدك.
ومن يومها، كلما سألني أحد عن أغرب شيء حدث في حياتي، أبتسم وأقول
أغرب شيء أن شخصًا غريبًا أنقذ حياتي...
ثم قضيت بقية حياتي أكتشف أنه لم يكن غريبًا أبدًا.
النهاية بعد سنوات من الهدوء، كنت أعتقد أن حياتنا أخيرًا أصبحت مستقرة.
لكن في صباح يوم عادي، وصلتني مكالمة من المستشفى.
قال الطبيب
محتاجين حضرتك تيجي أنتِ ويوسف فورًا.
شعرت بالخوف.
حصل إيه؟
تردد الطبيب قبل أن يقول
ظهرت نتيجة جديدة في ملف يوسف.
عندما أخبرت يوسف، حاول أن يطمئنني
أكيد مجرد فحص روتيني.
ذهبنا إلى المستشفى.
جلس الطبيب أمامنا، ووضع ملفًا على الطاولة.
قال
الفحوصات الجديدة أكدت إن حالة يوسف مستقرة.
تنفست براحة.
لكن الطبيب لم يبتسم.
قال
المشكلة مش في يوسف.
نظرت إليه باستغراب.
أمال في مين؟
فتح الطبيب الملف.
في الشخص اللي تبرع لك بالكلية.
تجمدت.
يوسف؟
هز رأسه.
لأ... فيه معلومة ظهرت في السجلات القديمة لازم تعرفوها.
نظر يوسف إليه.
إيه المعلومة؟
قال الطبيب
قبل عملية زراعة الكلية، كان فيه متبرع آخر متوافق مع زوجتك.
نظرت إلى يوسف.
متبرع تاني؟
أجاب الطبيب
أيوه.
شعرت بصدمة.
طب ليه ما اتبرعش؟
قال الطبيب
لأنه انسحب قبل العملية بأيام.
سألت
مين كان؟
فتح الطبيب صفحة قديمة.
ثم قال اسمًا جعل يوسف يرفع رأسه فجأة.
والدك.
ساد الصمت.
قلت
والد يوسف؟
أومأ الطبيب.
والد يوسف كان هو المتبرع الأول المحتمل... لكن قبل إتمام الإجراءات، اكتشف الأطباء أن حالته الصحية لا تسمح له بالتبرع.
نظرت إلى يوسف بدهشة.
يعني والدك كان عايز يتبرع لي؟
قال يوسف بصوت منخفض
وأنا ما كنتش أعرف.
أكمل الطبيب
وبعد انسحابه لأسباب طبية، تم البحث عن متبرع آخر، وظهر اسم يوسف.
شعرت بالدموع في عيني.
كل شيء أصبح أكثر وضوحًا.
لم يكن يوسف قد بدأ قصة الخير من الصفر.
كان فقط يكمل شيئًا بدأه والده.
عاد يوسف إلى المنزل وهو صامت.
جلس أمام صورة والده لساعات.
ثم قال
طول عمري فاكر إن بابا كان مجرد شخص طيب.
قلت
هو كان أكتر من كده.
نظر إليّ.
كان مستعد يضحي بنفسه عشان ينقذ شخص ما يعرفوش.
ثم ابتسم بحزن.
وأنا عملت نفس
متابعة القراءة