الغريب الذى اتبرع ليا

لمحة نيوز

الحاجة من غير ما أعرف إنه كان حاول يعملها قبلي.
اقتربت منه وأمسكت يده.
قلت
يمكن دي مش صدفة.
نظر إليّ.
يمكن دي أمانة.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى قبر والد يوسف.
وقف أمامه طويلًا.
ثم قال
أنا كملت اللي بدأته يا أبي.
ووضع باقة زهور.
ثم أضاف
ووعدي ليك إني هكمل أكتر.
منذ ذلك اليوم، قررنا أن نوسّع عمل المركز.
لم يعد هدفنا مساعدة مرضى الكلى فقط.
أنشأنا برنامجًا لتوعية الناس بالتبرع بالأعضاء، ومساعدة الأسر على فهم الإجراءات الطبية والقانونية، ودعم المرضى نفسيًا أثناء انتظارهم.
وبعد أشهر، جاءنا اتصال من المستشفى.
كان هناك طفل صغير يحتاج إلى زراعة كلية.
وكان والده متوافقًا معه، لكنه كان خائفًا جدًا من التبرع.
جلس يوسف معه طويلًا.
لم يحاول إقناعه بالقوة.
قال له فقط
الخوف طبيعي.
ثم أضاف
أنا كنت خايف برضه.
سأله الرجل
وإنت ندمت؟
ابتسم يوسف.
أبدًا.
بعد أسابيع، تمت العملية.
ونجحت.
وفي يوم خروج الطفل من المستشفى، حمله والده بين ذراعيه، وكان يبكي من الفرح.
نظر يوسف إليّ وقال
شوفتِ؟
قلت
شوفت.
دي أحلى حاجة حصلت لنا.
مرت السنوات.
وفي أحد الأيام، كنت أرتب أوراق المركز، فوجدت صورة قديمة لنا.
أنا ويوسف في أول يوم بعد العملية.
كنا نبتسم رغم الخوف.
تأملت الصورة طويلًا.
ثم كتبت تحتها
بدأت قصتنا بإنسان غريب أعطاني جزءًا من جسده.
لكنني اكتشفت بعدها أن أعظم ما أعطاني إياه لم يكن كلية.
كان درسًا
أن الإنسان لا يقاس بما يحتفظ به لنفسه...
بل بما يستطيع أن يمنحه للآخرين.
دخل يوسف الغرفة.
سألني
بتكتبي إيه؟
أغلقت الدفتر وابتسمت.
بحاول أكتب نهايتنا.
ضحك وقال
لسه بدري على النهاية.
نظرت إليه.
وكان محقًا.
لأن قصتنا لم تنتهِ.
كانت فقط قد بدأت تأخذ شكلًا جديدًا...
شكل حياة كاملة مبنية على الخير، والوفاء، والحب.
والأهم من كل ذلك...
أننا لم نعد نخاف من كلمة الغريب.
لأن أغرب شخص يدخل حياتك أحيانًا...
قد يكون هو الشخص الذي يترك فيها أجمل أثر.
النهاية بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على أول لقاء بيني وبين يوسف، كنت أظن أنني حفظت كل تفاصيل قصتنا عن ظهر قلب.
لكن في يوم من الأيام، دخل يوسف إلى المنزل وهو يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قال
لقيته في مخزن بيت أبويا.
فتحنا الصندوق معًا.
كان بداخله عشرات الخطابات والصور القديمة.
وفي قاع الصندوق وجدنا ظرفًا عليه اسمي.
تجمدت.
إزاي اسمي موجود هنا؟
نظر يوسف إليّ بدهشة.
فتح الظرف بحذر، فوجدنا رسالة بخط والده.
بدأت أقرأ
إلى المرأة التي سيمنحها ابني يومًا فرصة جديدة للحياة...
توقفت.
نظرت إلى يوسف.
ثم تابعت القراءة
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى ابني اختار إنه يكمل الطريق اللي بدأته أنا.
شعرت بقشعريرة.
كان والد يوسف
قد كتب الرسالة قبل سنوات طويلة من عملية التبرع.
وكان يعرف أن ابنه قد يكتشف يومًا أن التبرع لم يكن مجرد قرار عابر.
كتب
أنا حاولت أتبرع لإنسانة محتاجة، لكن الأطباء منعوني بسبب حالتي الصحية. لم أندم يومًا. لأنني تعلمت أن النية الصادقة لها قيمة حتى لو لم نستطع تنفيذها.
ثم كانت هناك جملة جعلت يوسف يبكي
يا ابني، لو جاء يوم وأصبح بإمكانك إنقاذ حياة إنسان، لا تتردد. ليس لأنك مدين لأحد، بل لأن الحياة التي تُنقذها قد تنقذ حياة أخرى بعد سنوات.
أغلق يوسف الرسالة.
لم نتكلم.
جلسنا بجوار بعضنا في صمت.
ثم قال
طول عمري كنت فاكر إني أنا اللي بدأت الحكاية.
قلت
لأ.
وضعت يدي على يده.
أبوك بدأها.
ابتسم.
وإنتِ كملتيها.
مرت أسابيع.
قررنا أن نضع الرسالة في المركز، في مكان يستطيع المرضى وأسرهم قراءتها.
لكننا لم نضع اسم والد يوسف.
كان يريد دائمًا أن يبقى الخير بلا شهرة.
وبعد فترة، جاء إلينا رجل شاب.
كان يحمل ملفًا طبيًا، ووجهه مليء بالخوف.
قال
أنا محتاج زراعة كلية، وأخويا متوافق معايا، بس خايف يتبرع.
نظر يوسف إليه.
وقال
خليه ياخد وقته.
ثم أضاف
محدش لازم يتبرع تحت ضغط.
جلس الرجل طويلًا معنا.
شرحنا له كل شيء، وتركناه يتخذ قراره بنفسه.
بعد أيام عاد.
قال
أخويا قرر يتبرع.
ابتسم يوسف.
ربنا يكتب لكم الخير.
وبعد نجاح العملية، عاد الشاب إلينا وهو يحمل صورة لأخيه.
قال
أنا مش عارف أشكركم إزاي.
قلت
ما تشكرناش.
ثم أشرت إلى الرسالة المعلقة على الحائط.
اقرأها، ولو في يوم قدرت تساعد حد، ساعده.
هز رأسه.
وبعد سنوات، علمنا أن ذلك الشاب أصبح متطوعًا معنا في المركز.
عندها فهمت معنى كلام والد يوسف.
الحياة التي تُنقذ...
قد تنقذ حياة أخرى.
وفي ذكرى أول عملية، أقام المركز احتفالًا صغيرًا.
لم يكن احتفالًا بنا.
كان احتفالًا بكل شخص قرر أن يمنح إنسانًا آخر فرصة.
وقفت أمام الحضور وقلت
أنا كنت في يوم من الأيام مريضة منتظرة شخصًا لا أعرفه، يمد لي يده.
ثم نظرت إلى يوسف.
وظهر في حياتي رجل لم أعرفه، وأنقذني.
ابتسم يوسف.
أكملت
وبعد سنوات اكتشفت إن أجمل شيء حصل لي مش بس إني عشت...
بل إني اتعلمت إزاي أخلي حياتي سبب في حياة غيري.
صفق الحضور.
اقترب مني يوسف بعد الحفل.
قال
فاكرة أول يوم؟
ضحكت.
كل يوم بتسألني السؤال ده!
قال
عشان كل مرة بسأل، بفتكر إني كنت محظوظ.
ليه؟
قال
لأني دخلت المستشفى وأنا فاكر إني رايح أتبرع بكلية...
وخرجت وأنا لاقيت نص قلبي.
ضحكت ودموعي نزلت.
قلت
وأنا دخلت المستشفى عشان آخد كلية...
وخرجت وأنا لاقيت حياتي كلها.
احتضنني يوسف.
وفي تلك اللحظة، لم نكن نفكر في المرض ولا الماضي ولا المستقبل.
كنا فقط ممتنين.
للحياة.
للصدفة.
ولكل يد امتدت
يومًا لمساعدة إنسان آخر.
وأدركت أن بعض الأسرار لا تُكشف لتخيفنا...
بل تُكشف في الوقت المناسب حتى نفهم لماذا بدأت الحكاية أصلًا.
أما سر يوسف الحقيقي، فلم يكن امرأة أخرى، ولا خيانة، ولا مؤامرة.
كان سرًا أجمل
أنه لم ينقذني ليصبح بطلًا في حياتي...
بل أنقذني لأنه آمن أن الخير، إذا بدأ من شخص واحد، يمكن أن يصل إلى مئات الأشخاص.
وهكذا لم تكن قصتنا قصة رجل أعطاني كلية.
كانت قصة إنسانين تعلما أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه...
هو أثر طيب يستمر حتى بعد أن تنتهي حكايته.
النهاية بعد مرور عام على تجديد زواجنا، حدث شيء لم يكن في حساباتنا.
كنت في المركز عندما دخلت امرأة في أواخر الخمسينات من عمرها، وكانت تمسك بملف قديم جدًا.
قالت للموظفة
أنا جاية أقابل الأستاذ يوسف.
وصلني صوتها، فخرجت من مكتبي.
حضرتك مين؟
نظرت إليّ للحظات، ثم قالت
أنا كنت أعرف والد يوسف.
توقفت.
والد يوسف؟
أومأت.
وعندي حاجة لازم أوصلها له بنفسي.
اتصلت بيوسف، وبعد دقائق وصل.
جلست المرأة أمامنا وأخرجت من حقيبتها دفترًا جلديًا قديمًا.
قالت
الدفتر ده كان عند والدك من أكتر من ثلاثين سنة.
فتح يوسف الدفتر بيد مرتجفة.
كانت الصفحات مليئة بأسماء أشخاص ساعدهم والده، ومبالغ دفعها لعلاج مرضى، وأسر تكفل بمصاريفها، وأطفال ساعدهم في الدراسة.
قال يوسف بدهشة
أنا ما كنتش أعرف إن بابا عمل كل ده.
قالت المرأة
كان بيرفض حد يعرف. كان بيقول إن الخير لما يتقال عنه كتير، بيفقد جزء من معناه.
قلب يوسف الصفحات حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة.
وجد جملة واحدة بخط والده
لو ابني عرف يومًا إن الخير اللي عملته كان سببًا في إنقاذ إنسانة، أتمنى ألا يحتفظ بالخير لنفسه... بل يورثه لغيره.
ظل يوسف صامتًا طويلًا.
ثم رفع عيني إليّ.
لم نحتج إلى الكلام.
في اليوم التالي، اتخذنا قرارًا جديدًا.
قررنا أن نستخدم الدفتر كخريطة للبحث عن أسر الأشخاص الذين ساعدهم والد يوسف، ونطمئن على من بقي منهم، ونكمل مساعدة من يحتاج.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت عندما وصلنا إلى اسم امرأة كانت ابنتها مريضة وهي طفلة.
بحثنا عنها حتى وجدناها.
كانت الآن سيدة كبيرة، ولديها أسرة وأحفاد.
عندما عرفَت أن يوسف هو ابن الرجل الذي ساعدها قديمًا، بكت.
قالت
والدك أنقذ بنتي... وأنا عمري ما نسيت فضله.
ثم التفتت إليّ وقالت
وإنتِ مين؟
ابتسمت وقلت
أنا زوجته.
نظرت إلى يوسف ثم إليّ وقالت
سبحان الله... الخير اللي بدأ من أبوه وصل لابنه، ومن ابنه ليكي، ومنكم لناس كتير.
كانت كلماتها بسيطة، لكنها هزت قلبي.
وفي طريق عودتنا، قال يوسف
دلوقتي فهمت ليه اتبرعت لك.
قلت
عشان بابا؟
هز رأسه.
لأ... عشان لما أكون قادر أعمل خير، أعمله. حتى لو ما
عرفتوش هيوصل لفين.
ابتسمت وقلت
وإنت عارف وصل لفين؟
نظر إليّ.
لأ.
قلت
وصل لحد ناس عمرنا ما قابلناهم.
مر عام آخر.
وفي احتفال صغير داخل المركز، وقف شاب كان قد خضع لعملية زراعة ناجحة أمام الحضور.
قال
أنا كنت فاكر إن حياتي انتهت.
ثم نظر إلى يوسف.
لكن شخص واحد علمني إن الحياة ممكن تبدأ من جديد.
صفق الجميع.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب الشاب من يوسف وقال
أنا عايز أعمل زيك.
ابتسم يوسف.
تعمل إيه؟
قال
أساعد حد تاني.
وضع يوسف يده على كتفه وقال
كده أنت فهمت الفكرة.
نظرت إليهما من بعيد، وشعرت أن الدائرة اكتملت.
يوسف أنقذني.
وأنا ساعدته يتمسك بالأمل.
ووالده كان قد زرع الخير قبل أن نولد.
والآن أصبح هناك أشخاص جدد يحملون نفس الفكرة.
في تلك الليلة، عدنا إلى المنزل.
جلسنا في الشرفة نفسها التي جلسنا فيها منذ سنوات طويلة.
سألني يوسف
لو الزمن رجع لأول يوم قابلتيني فيه، كنتِ هتوافقي تتعرفي عليّ؟
ضحكت.
كنت هخاف منك.
ليه؟
عشان واحد غريب يقرر يتبرع لي بكلية من غير ما يعرفني؟ كنت هقول أكيد وراه حكاية.
ضحك.
وكان فعلًا ورايا حكاية.
نظرت إليه.
بس أحلى حكاية حصلتلي.
أمسك يدي.
وبعد لحظة صمت قال
أنا عايز منك وعد.
إيه؟
لو حصل لي أي حاجة في المستقبل، ما توقفيش.
نظرت إليه بغضب مصطنع.
إنت لسه هتبدأ؟
ضحك.
قصدي على المشروع... على الناس اللي ساعدناهم... على الخير.
ضغطت على يده وقلت
أوعدك.
ثم ابتسمت.
بس عندي وعد ليك أنت كمان.
إيه؟
مهما حصل، هفضل فاكرة إنك في يوم من الأيام كنت الغريب اللي دخل حياتي.
ضحك وقال
وأنا هفضل فاكر إن الغريبة دي سرقت قلبي بعد ما سرقت منها كليتي!
ضحكنا معًا.
وفي تلك اللحظة لم يكن هناك خوف من الماضي ولا قلق من المستقبل.
فقط رجل وامرأة جمعتهما صدفة غريبة، ثم تحولت الصدفة إلى حياة كاملة.
وأدركت أخيرًا أن بعض القصص لا تنتهي عندما نكتب كلمة النهاية.
لأن أجمل القصص...
تستمر في حياة الأشخاص الذين تغيروا بسببها.
تمت مرت سنوات طويلة، وأصبحت حكاية يوسف معي مجرد ذكرى جميلة نرويها لأولادنا وأحفادنا.
أما يوسف، فكان كل عام يذهب إلى المستشفى لإجراء فحوصاته، وفي كل مرة كان الطبيب يقول له
حالتك مستقرة والحمد لله.
وفي أحد الأيام، عدنا إلى المستشفى نفسه الذي بدأت فيه قصتنا.
وقفنا أمام الغرفة التي كنت أعيش فيها أيام الغسيل الكلوي، فنظر يوسف إليّ وقال
فاكرة المكان ده؟
ابتسمت والدموع في عيني.
مستحيل أنساه.
قال
هنا كنتِ مستنية حد ينقذك.
ثم أمسك يدي وأضاف
وأنا هنا بدأت أعرف إن حياتي ليها معنى أكبر.
جلسنا قليلًا نتذكر الماضي.
ثم دخل علينا الطبيب الذي أجرى العملية منذ سنوات.
ابتسم عندما رآنا وقال
مش مصدق إنكم لسه مع بعض بعد كل السنين
دي.
ضحك يوسف وقال
مش بس مع بعض... دي لسه بتزعقلي!
ضحكنا جميعًا.
وقبل أن نغادر، أعطاني الطبيب ملفًا قديمًا.
قال
ده كان في أرشيف المستشفى، وكنت محتفظ بيه عشان أديهولك.
فتحته.
وجدت أول تقرير لعملية زراعة الكلية.
وتحت التقرير كانت هناك جملة كتبها الطبيب في ذلك اليوم
نجاح العملية لا يعني أن المريضة عادت للحياة
تم نسخ الرابط