جوز بنتي
ابتسم ابتسامة خفيفة.
في الحادثة اللي مات فيها زمايل أبوك.
سكت.
أنا حسيت إن جسمي كله تجمد.
لأن الحادثة دي
كانت من أكتر الحوادث اللي حاولت أنساها طول حياتي.
محمود بص لي.
بابا إيه اللي حصل يومها؟
ماقدرتش أتكلم.
لكن الرجل الغريب فجأة قال
هو مش فاكر كل حاجة.
محمود لف له.
إنت عارف؟
الرجل أومأ.
لأنني كنت هناك.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
حطها قدامي.
كانت صورة لرجال المطافي في موقع الحادث.
وأنا واقف في المنتصف.
لكن خلفي مباشرة
كان واقف رجل واحد.
محمود قرب الصورة من الضوء.
وبص للوجه.
ثم رفع عينه ببطء وقال
بابا
الراجل اللي في الصورة
هو نفسه الشخص اللي ظهر في الفيديو سارة فضلت واقفة مكانها، والهاتف واقع على الأرض.
أنا قربت منها بسرعة.
إنتِ سمعتي إيه؟
كانت بتبص لي وشفايفها بتترعش.
صوت صوت ماما.
محمود انحنى وأخذ الهاتف.
مين المتصل؟
الشاشة كانت لسه مفتوحة.
الرقم مجهول.
محمود ضغط على إعادة الاتصال.
جاءه صوت آلي
الرقم غير متاح.
كريم كان واقف ساكت.
محمود لف ناحيته.
إنت عملت المكالمة دي؟
كريم هز رأسه.
لأ.
متأكد؟
أيوه.
الرجل الغريب قال بهدوء
الصوت ده مش فاطمة.
بصيت له.
إنت عرفت منين؟
سكت.
محمود اقترب منه.
إنت عارف حاجة.
الرجل رد
أنا عارف إن فاطمة قبل ما تموت كانت بتخاف من شخص واحد.
سألته
مين؟
الرجل بص لي مباشرة.
أخوك.
اتجمدت.
أنا ماكانش عندي غير أخ واحد، وكان بيني وبينه خلاف قديم جدًا.
لكن قبل ما أقدر أسأله، محمود فتح تسجيل المكالمة.
أعاد الصوت مرة تانية.
هذه المرة، انتبهنا لحاجة غريبة.
الصوت قال
سارة ما تثقيش في كريم.
محمود وقف التسجيل.
استنوا.
رجعه من البداية.
وبعدين قال
الصوت متقطع.
قلت
يعني إيه؟
يعني دي مش مكالمة عادية.
كبر
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
دي رسالة مسجلة.
كريم رفع رأسه فجأة.
إنت متأكد؟
محمود بص له.
وأنت عرفت منين إنها رسالة مسجلة؟
كريم سكت.
هنا فهمنا إن كريم وقع في غلطة.
محمود قرب منه وقال
إنت قلت بنفسك إنك مش عارف مين اتصل.
كريم ما ردش.
محمود ضغط على رقم آخر في هاتفه.
الو؟
ثم قال
أيوه، سجلها عندك.
وأغلق المكالمة.
سألته
بتكلم مين؟
قال
الشخص اللي طلبت منه يراجع أصل التسجيل.
الرجل الغريب فجأة اندفع ناحية الباب.
لكن محمود وقف أمامه.
رايح فين؟
الرجل قال
أنا ماليش دعوة باللي بيحصل.
محمود رد
يبقى استنى.
ثم أخرج المفتاح الصغير من جيبه.
لأننا هنروح دلوقتي للمكان اللي الصندوق مستخبي فيه.
سألته
فين؟
محمود بص لي.
المكان اللي أمي كانت بتروح له كل شهر قبل وفاتها.
أنا حسيت إن قلبي وقع.
لأني افتكرت فجأة مكانًا واحدًا
مكان فاطمة كانت تمنعني دائمًا من الاقتراب منه.
مخزن قديم تابع للمطافي، مقفول من أكتر من عشرين سنة.
لكن قبل ما نخرج
وصلتني رسالة على هاتفي.
رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة حديثة جدًا
صورة لي وأنا نايم على مرتبة الجراج.
وتحتها جملة واحدة
لو خرجت من البيت بالصندوق ابنك مش هيرجع معاك.
بصيت لمحمود.
وفي اللحظة نفسها
انطفأت أنوار البيت كلها فضلت باصص للصورة، ومخي بيحاول يرجعني لليوم ده.
قلت بصوت متقطع
مستحيل الراجل ده مات في الحادثة.
محمود قرب الصورة من عينه.
إنت متأكد؟
هزيت رأسي.
أنا شفته بعيني.
الرجل الغريب قال
إنت شفت العربية وهي بتتحرق لكن ما شفتش مين خرج منها.
بصيت له.
يعني إيه؟
يعني الشخص اللي افتكرته مات خرج قبل ما النار تمسك العربية.
سارة سألت
وكان مين؟
الرجل سكت.
محمود قال
اتكلم.
قال
اسمه عادل.
أنا
عادل.
زميل قديم.
رجل كنت أعتبره أخًا.
والأغرب
إن فاطمة كانت تعرفه.
محمود لاحظ ارتباكي.
بابا، إنت كنت تعرفه؟
قلت
أيوه.
وعلاقتكم انتهت ليه؟
نزلت عيني للأرض.
بعد الحادثة اختفى.
كريم قال فجأة
ما اختفاش.
بصينا له.
إنت شوفته؟
كريم قال
من تلات شهور.
محمود قرب منه.
فين؟
كريم ابتلع ريقه.
هو اللي كلمني أول مرة.
سارة قالت
عشان ياخد فلوس بابا؟
كريم هز رأسه.
لأ.
ثم بص لي مباشرة.
عشان الصندوق.
سألته
إيه اللي في الصندوق؟
كريم سكت.
محمود قال
لو ما اتكلمتش، كل حاجة هتطلع من غيرك.
كريم ضحك بسخرية.
إنت فاكر إن الصندوق فيه أوراق تثبت إن أبوك مظلوم؟
محمود رد
أمال فيه إيه؟
كريم قال
دليل.
على إيه؟
كريم بص لي.
على اللي حصل ليلة الحادثة.
قلبي دق بعنف.
محمود قال
أي حادثة؟
كريم رد
الحادثة اللي أبوكم عمره ما حكى لكم الحقيقة كاملة عنها.
سارة قربت مني.
بابا إنت مخبي علينا إيه؟
ماقدرتش أرد.
فجأة رن هاتفي مرة تانية.
رقم مجهول.
لكن هذه المرة ماكانش فيه صوت.
كانت رسالة صوتية فقط.
شغلتها.
وجاء صوت رجل هادئ
يا حسن لو عايز تعرف الحقيقة، روح مخزن المطافي لوحدك.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
ومتخليش محمود ييجي معاك.
محمود مد إيده وأخذ الهاتف.
ثم قال
مش هتروح لوحدك.
كريم ابتسم.
وده بالضبط اللي عايزينه.
محمود بص له.
مين؟
كريم رد
عادل.
ثم انحنى على الترابيزة، وقال بصوت منخفض
لأن المخزن مش فاضي.
وقبل ما نسأله مين موجود هناك
جاءنا صوت طرقات من الباب الخارجي.
ثلاث طرقات.
نفس الطريقة.
لكن هذه المرة
جاء صوت رجل من الخارج
يا حسن افتح.
أنا عرفت الصوت فورًا.
إنه صوت عادل.
الرجل الذي كنت أظنه مات منذ عشرين سنة فتحت الباب وأنا مش قادر أصدق اللي
عادل كان واقف فعلًا.
كبر في السن، لكن ملامحه ما اتغيرتش.
محمود وقف قدامي وقال
إنت عادل؟
ابتسم.
أيوه.
قلت له
إنت كنت في الحادثة!
رد بهدوء
كنت هناك لكن ما متّش.
دخل الجراج، وبص لكريم.
وإنت خيبت أملي.
كريم قال
أنا عملت كل اللي طلبته!
عادل رد
إنت استغليت راجل عجوز وضربته وسرقت معاشه. أنا طلبت منك تجيب الصندوق، مش تدمر حياة عمك.
محمود رفع هاتفه.
كل الكلام ده متسجل.
عادل ابتسم.
عارف.
ثم حط مفتاحًا آخر على الترابيزة.
الصندوق موجود في المخزن.
روحنا كلنا للمكان، وهناك فتح محمود الصندوق.
جواه كانت مستندات قديمة، وصور، وتسجيلات تثبت حقيقة حادثة المطافي القديمة، وتثبت إن عادل زور بعض الأوراق وقتها وهرب، وإن شخصًا آخر اتظلم بسبب الخيانة دي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت ورقة من فاطمة.
كان مكتوب فيها
حسن، لو وصلت للصندوق، يبقى أخيرًا عرفت ليه كنت خايفة. عادل حاول يرجع بعد سنين، وأنا رفضت أساعده. احتفظت بالدليل عشان أولادنا يفضلوا في أمان.
وقتها فهمت كل حاجة.
عادل اعترف بكل شيء.
أما كريم، فانهار واعترف باستيلائه على معاشي، وتزوير الأوراق، والاعتداء عليّ، ومحاولة السيطرة على البيت.
سارة وقفت قدامي وهي بتعيط.
سامحني يا بابا.
بصيت لها طويلًا.
أنا مش زعلان إنك خفتي أنا زعلان إنك سبتيني لوحدي وأنا محتاجك.
نزلت دموعها.
مش هسيبك تاني.
بعدها رجعت غرفتي.
رجعت بطاقتي وحسابي البنكي، واتعملت الإجراءات القانونية لاسترداد كل اللي اتاخد مني.
أما الجراج
فما بقيش مكان نومي.
خليته ورشة صغيرة، وحطيت فيه صورة فاطمة.
أما الساعة اللي محمود خلعها يوم ما وصل، فضل محتفظ بيها.
وفي يوم سألته
إنت ليه حطيت ساعتك على ترابيزة العدد؟
ابتسم وقال
عشان كنت
ضحكت لأول مرة من شهور.
وبصيت لأولادي.
ساعتها فهمت إن أغلى حاجة ممكن يخسرها الإنسان مش فلوسه ولا بيته
إنما كرامته لما يسمح للخوف يسكت صوته.
وأنا خسرت شهور من عمري
لكن في النهاية استرجعت بيتي، ومعاشي، وحقّي.
والأهم
استرجعت نفسي.