حمايا بقلم زهرة الربيع
أحس إن الأرض بتتحرك تحتي
أنا عارف مين كتب الظرف ده.
سألته مين؟
رفع عيني ناحيتي وقال
والأغرب إن الشخص ده كان عارف إنك هتتجوزي ابني قبل ما إنتِ نفسك تعرفي.
سكتنا كلنا.
جوزي قال بابا افتح الظرف.
حمايا رفض.
مش هنا.
قلت بعصبية ليه؟!
رد
لأن اللي جواه ممكن يغيّر حاجات كتير وأنا مش عايزك تعرفي الحقيقة وإحنا واقفين فوق المكان ده.
وبينما كان بيقفل الصندوق
وقع منه مفتاح صغير على الأرض.
انحنى جوزي يرفعه.
لكن قبل ما يمسكه، لاحظنا إن المفتاح عليه ورقة صغيرة مربوطة بخيط.
فتحها.
وكان مكتوب عليها بخط واضح
لو وصلت الرسالة لآلاء يبقى الوقت جه تعرف كل حاجة جوزي فضل ماسك الورقة، ووشه اتغير تمامًا.
قلت له كل حاجة عن إيه؟! هو مين اللي كاتب الكلام ده؟
ما ردش.
بصيت لحمايا، لكنه كان ساكت وبيتهرب من عيني.
قلت بعصبية أنا تعبت من السكوت! من أول يوم جواز وأنا مش فاهمة ليه أبوك بيطلع عندنا، ودلوقتي لاقيين اسمي مكتوب على ظرف مخبي تحت الحمام!
حمايا أخيرًا اتكلم
حقك تعرفي.
قعد على طرف السرير، وحط إيده على وشه وقال
بس اللي هقولهولك لازم تسمعيه للآخر.
قعدنا قدامه.
طلع الظرف من جيبه، وفضل يبص له ثواني طويلة.
ثم قال
قبل ما تتجوزي ابني بسنين كان فيه شخص بيزور البيت ده باستمرار.
سألته مين؟
رد
راجل كبير في السن، وكان كل مرة ييجي يسأل عن حاجة واحدة.
إيه هي؟
قال
عن الشقة اللي فوق.
جوزي اتدخل بسرعة بابا، كفاية.
حمايا بص له وقال لازم تعرف هي.
وبعدين كمل
الراجل ده كان عنده مفتاح للشقة.
أنا شهقت إزاي؟!
قال
لأن الشقة كانت مقفولة لفترة طويلة قبل ما تتجهز لجوازكم.
بصيت لجوزي.
إنت كنت عارف؟
هز رأسه كنت عارف إن الشقة كانت مقفولة، لكن ماكنتش عارف موضوع المفتاح.
حمايا فتح الظرف أخيرًا.
جواه ورقة واحدة.
قرأ أول سطر
وسكت.
قلت اقرأ.
قال مش قادر.
مديت إيدي وأخذت الورقة منه.
وكان أول سطر مكتوب
آلاء، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، فمعناه إنك بقيتي صاحبة البيت.
توقفت أنفاسي.
قريت السطر اللي بعده
وعشان كده لازم تعرفي إن الحمام اللي فوق مش مجرد حمام
وقفت.
رفعت عيني لحمايا.
مش مجرد حمام؟!
حمايا قال كملي.
رجعت للورقة.
لكن قبل ما أكمل، سمعنا صوت الباب الخارجي للشقة بيتفتح.
كلنا اتلفتنا في نفس اللحظة.
صوت خطوات طلع من الصالة
خطوة
ثم خطوة
ثم وقف الشخص عند باب غرفة النوم.
جوزي قام بسرعة.
لكن لما ظهر الشخص قدامنا
اتجمدنا كلنا.
لأنه كان راجل غريب، ماسك في إيده
نفس المفتاح اللي لقيناه تحت السيراميك الراجل وقف عند باب الأوضة، وبص لنا واحد واحد، كأنه كان متأكد إننا هنكون موجودين.
جوزي وقف قدامي فورًا وقال إنت مين؟ ودخلت هنا إزاي؟!
الراجل ما ردش.
بص لحمايا وقال كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
حمايا وقف ببطء، ووشه اتغير.
إنت؟!
أنا بصيت بينهم باستغراب إنتوا تعرفوا بعض؟
الراجل ابتسم ابتسامة غامضة وقال أبوك كان
الكلمة دي خلتني أتجمد.
أبويا؟
الراجل بص لي مباشرة وقال أيوه والدك.
قربت خطوة إنت تعرف أبويا منين؟
طلع من جيبه صورة قديمة ومدها لي.
أخذتها بإيد مرتعشة.
كانت صورة لأبويا واقف قدام نفس العمارة.
وبجانبه حمايا.
لكن المفاجأة مش هنا
كان فيه شخص ثالث واقف بينهم.
والشخص الثالث كان نفس الراجل اللي واقف قدامنا.
بصيت لحمايا إيه ده؟
حمايا ما قدرش يرفع عينه في عيني.
قلت بابا إنت كنت تعرف أبويا؟
قال بصوت ضعيف أيوه.
من إمتى؟
سكت.
الراجل هو اللي رد
من قبل ما إنتِ تتولدي.
حسيت إن نفسي انقطع.
يعني إيه؟
قال والدك وحمايا كانوا شركاء في سر قديم والسر ده مدفون هنا.
أشرت ناحية الحمام.
تحت الأرض؟
هز رأسه.
مش بالضبط.
ثم نظر إلى الورقة اللي كانت في إيدي وقال
الرسالة اللي معاكي هتشرح كل حاجة لكن لازم تقري آخر سطر الأول.
قلبي دق بسرعة.
رجعت للورقة، وبحثت عن آخر سطر.
وكان مكتوب
لو وصلتِ للرسالة، متصدقيش أي كلمة يقولها حمايا حتى لو قال إنه كان بيحاول يحميكي.
رفعت عيني لحمايا.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قلت
إنت كنت بتحميني من إيه؟
ما ردش.
لكن الراجل الغريب قال
من الحقيقة اللي والدك أخفاها عنك سنين.
وقبل ما أسأله إيه الحقيقة
سمعنا صوت تليفون حمايا بيرن.
طلع الموبايل من جيبه، وبمجرد ما شاف اسم المتصل
وشه اتغير تمامًا.
لأن الاسم الظاهر على الشاشة كان
والد آلاء حمايا فضل باصص لشاشة الموبايل كأنه شاف حاجة مستحيل تحصل.
جوزي قرب منه وقال بابا مين بيتصل؟
حمايا ما ردش.
أنا خطفت الموبايل من إيده، لكن قبل ما ألمس زر الرد، المكالمة انتهت.
سكتنا كلنا.
قلت أبويا متوفي من سنين إزاي رقمه لسه بيتصل بيك؟
حمايا بلع ريقه وقال الرقم ده مش رقم أبوكي دلوقتي.
أمال إيه؟
الراجل الغريب تدخل ده تسجيل مبرمج.
بصيت له تسجيل؟ يعني إيه؟
قال والدك كان عارف إن حاجات معينة ممكن تحصل بعد وفاته. وعشان كده ساب رسائل متسجلة تتبعت في أوقات محددة.
جوزي قرب منه وإنت عرفت الكلام ده منين؟
الراجل ما جاوبش.
بدل كده، أشار للصندوق وقال افتحوا الدرج الصغير اللي على اليمين.
جوزي رجع للصندوق، وبدأ يدور بين الأوراق.
وبعد ثواني قال فيه درج فعلًا.
فتحه.
كان جواه فلاشة صغيرة ومفتاح تاني.
أنا قربت منه وقلت المفتاح ده بتاع إيه؟
حمايا اتوتر جدًا.
قلت له إنت عارف.
هز رأسه ببطء.
أيوه.
بتاع إيه؟
رد بصوت منخفض
باب موجود في الشقة دي محدش استخدمه من أكتر من عشرين سنة.
جوزي اتلفت باب؟ فين؟
حمايا أشار ناحية الحائط المقابل للحمام.
استغربت ده حائط!
قال كان حائط قبل ما يتقفل.
بدأنا نفحص الحائط، وبعد دقائق اكتشف جوزي خط رفيع جدًا في الدهان.
ضغط عليه.
وفجأة
جزء من الحائط اتحرك للداخل.
ظهر باب خشبي ضيق، عليه قفل قديم.
الراجل الغريب قال هو ده.
حمايا كان واقف بعيد، ووشه شاحب.
قلت افتحه.
قال مش دلوقتي.
صرخت ليه؟!
رد
لأن آخر مرة الباب ده اتفتح حصلت مشكلة خلت والدك يطلب مني أقفله للأبد.
سألته إيه اللي حصل؟
ما جاوبش.
جوزي أخذ المفتاح من الدرج.
حطيته في القفل.
وقبل ما يلفه
رن موبايل حمايا مرة تانية.
نفس الاسم.
أبو آلاء.
لكن المرة دي، المكالمة ما انتهتش.
والأغرب
إن صوت أبويا خرج من السماعة بوضوح
لو فتحتوا الباب آلاء هتعرف ليه أنا اخترت عيلة جوزها تحميها بعد موتي.
وبعدين سكت الصوت.
أنا بصيت لجوزي.
ثم للحائط.
ثم لحمايا.
وقلت
افتحوا الباب.
حمايا غمض عينيه وقال
ربنا يستر من اللي هتلاقيه جوه جوزي لف المفتاح ببطء.
تك.
القفل فتح.
لكن الباب ما اتحركش.
جوزي شدّه مرة
مرتين
وفجأة الباب اتفتح بصوت خشب قديم بيصرّ.
وراه كان فيه ممر ضيق ومظلم، نازل بدرجات لتحت.
أنا رجعت خطوة وقلت إحنا عندنا مكان زي ده؟!
حمايا رد المكان ده كان موجود قبل ما تتبني الشقة بالشكل الحالي.
نزلنا أول درجة.
كان التراب متراكم في كل مكان، وكأن محدش دخل هنا من سنين.
لكن بعد كام خطوة، لاحظت حاجة غريبة.
آثار أقدام جديدة.
وقفت فورًا.
استنوا.
جوزي وقف.
أشرت للأرض دي مش آثار قديمة.
حمايا قرب وبص.
وشه شحب.
قال مستحيل.
الراجل الغريب سأله إيه؟
حمايا رد
حد دخل هنا قريب.
بدأنا نمشي بحذر.
وفي نهاية الممر لقينا غرفة صغيرة.
كان فيها مكتب قديم، وكرسي، وخزانة حديد.
وفوق المكتب
كان فيه جهاز تسجيل قديم.
وبجانبه ورقة مكتوب عليها
إلى آلاء وحدها.
قلبي بدأ يخبط.
مديت إيدي ناحية الورقة.
لكن حمايا مسكني من إيدي.
استني.
بصيت له ليه؟
قال والدك طلب مني حاجة واحدة.
إيه؟
إنك ما تسمعيش التسجيل ده إلا لما تتجوزي وتدخلي البيت ده بإرادتك.
اتصدمت.
يعني أبويا كان عارف إني هتجوز هنا؟
حمايا سكت.
قلت رد!
قال
هو كان بيتمنى إنك تتجوزي ابني.
جوزي نفسه اتفاجئ.
إيه؟!
حمايا بص له وقال أبوكِ كان شايف إنك أكتر شخص ممكن يحميها.
أنا حسيت إن دماغي مليانة أسئلة.
لكن قبل ما أسأل
جهاز التسجيل اشتغل لوحده.
وصوت أبويا ملأ الغرفة
آلاء لو إنتِ بتسمعي صوتي دلوقتي، يبقى أنا مش موجود.
دموعي نزلت فورًا.
الصوت كمل
وأنا عارف إنك هتكوني غاضبة، وهتسألي ليه خبّيت عنك الحقيقة.
سكت التسجيل ثواني.
ثم قال
لكن قبل ما أقولك السر لازم تعرفي إن الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد هو الشخص الوحيد اللي ماكانش المفروض يفضل قريب منك.
رفعت عيني ببطء.
نظرت لحمايا.
ثم لجوزي.
لكن التسجيل كمل
ولو الشخص ده موجود جنبك دلوقتي ما تسيبيهوش يلمس المفتاح التاني.
جوزي بص للمفتاح اللي كان في إيده.
ثم بصينا كلنا لبعض.
وفجأة
سمعنا صوت خطوات فوقنا.
حد كان داخل الشقة.
والباب الرئيسي اتقفل بقوة.
ثم جاء صوت امرأة من الصالة
آلاء؟ إنتِ فين؟الصوت كان صوت حماتي.
اتجمدت في مكاني.
جوزي همس إحنا هنا تحت
حمايا حط إيده على بُقه بسرعة وقال ما تردش!
بصيت له باستغراب ليه؟ دي أمي
قاطعني اسكتي.
في اللحظة دي، سمعنا خطوات حماتي بتقرب من الحمام.
وبعدها صوتها وهي بتنادي
يا آلاء؟
ثم سكتت.
ثواني مرت
وفجأة سمعنا صوت حاجة بتتحرك فوق أرضية الحمام.
حمايا بص للراجل الغريب وقال هي عرفت.
سألته عرفت إيه؟!
ما ردش.
بدل كده، أشار لجهاز التسجيل.
التسجيل كان لسه شغال.
وصوت أبويا قال
لو سمعتِ صوت حد فوقك، ما تطلعيش.
قلبي اتقبض.
الصوت كمل
لأن الشخص اللي هيدور عليكي في اللحظة دي هيكون عايز يوصل للمفتاح قبل ما توصلي للحقيقة.
بصيت للمفتاح اللي في إيد جوزي.
قلت المفتاح ده بيفتح إيه؟
جوزي رد مش عارف.
لكن حمايا قال أنا عارف.
كلنا بصينا له.
قال
بيفتح الخزانة الحديد.
أشرت للخزانة اللي قدامنا.
دي؟
هز رأسه.
قرب جوزي منها، وحط المفتاح في القفل.
لكن قبل ما يلفه، سمعنا صوت قوي من فوق.
دُووم!
وبعده صوت حماتي
افتحوا الباب!
جوزي بص لأبوه.
حمايا قال ما تفتحش.
حماتي بدأت تخبط بعنف.
أنا عارفة إنكم جوه!
وبعدين سكتت لحظة.
ثم قالت بصوت مختلف تمامًا
آلاء لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي، افتحي الباب.
حسيت إن جسمي كله اتجمد.
بصيت لحمايا.
قال بصوت منخفض
ما تسمعيش لها.
لكن حماتي قالت جملة خلتني أتراجع خطوة
أبوك ما ماتش وهو سايبك لوحدك هو سابلك حاجة، وأنا الوحيدة اللي أعرف مكانها.
سكت الجميع.
وببطء
جوزي بدأ يلف مفتاح الخزانة.
تك.
الباب الحديدي بدأ يفتح.
وفي اللحظة اللي ظهر فيها أول جزء من اللي جوه
حمايا شهق وقال
يا نهار أبيض
لأن داخل الخزانة كان فيه ملف قديم عليه صورة آلاء وهي طفلة وتحت الصورة تاريخ يعود لسنوات قبل ولادتها بصيت للصورة وأنا مش قادرة أستوعب.
دي كانت صورتي فعلًا وأنا طفلة صغيرة، لابسة فستان أبيض، واقفة قدام بيت ماعرفوش.
مديت إيدي للملف، لكن حمايا سبقني وخده.
قلت بعصبية هات الملف يا بابا!
قال استني لازم تعرفي حاجة الأول.
إيه؟
فتح أول ورقة.
كانت شهادة قديمة، وتحتها توقيع والدي.
قرأها بصوت متردد
تم تسليم الأمانة إلى...
وسكت.
قلت إلى مين؟
رفع عيني ناحيتي.
إلى والد جوزك.
اتجمدت.
أمانة إيه؟
حمايا قفل الملف بسرعة.
أبوكِ سلّمني مسؤولية حمايتك.
جوزي بص له بصدمة يعني إيه حمايتها؟
حمايا رد لأن أبوها كان متأكد إن في ناس هتحاول توصل لها بعد وفاته.
سألته مين الناس دي؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت المفتاح بيتحرك في باب الغرفة.
حماتي كانت بتحاول تفتح الباب من الناحية التانية.
قالت افتحوا يا جماعة أنا عارفة كل حاجة.
حمايا بص للباب.
ثم قال هي مش جاية عشان تطمن عليكِ.
سألته أمال جاية ليه؟
رد
عشان تاخد الملف.
أنا حضنت الملف لصدرى.
مش هديه لحد.
وفجأة
جهاز التسجيل اشتغل مرة تانية.
صوت أبويا قال
آلاء، لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى حمايا أخبرك إنه كان مسؤول عن حمايتك.
سكت التسجيل لحظة.
ثم قال
لكن ماقالكيش الحقيقة كاملة.
بصيت لحمايا.
هو نزل عينه للأرض.
صوت أبويا كمل
الحقيقة إن الملف اللي
اتسعت عيني.
الملف ده فيه سر متعلق بعيلة جوزك كلها.
جوزي قال إيه السر؟
التسجيل كمل
ولو فتحتي الصفحة الأخيرة هتعرفي ليه أبو جوزك كان مصر يستخدم حمام شقتك كل يوم.
سكت التسجيل.
أنا بصيت ناحية حمايا.
يعني موضوع الحمام كان مرتبط بالملف؟
حمايا ما ردش.
وفجأة
حماتي بطلت تخبط.
الهدوء رجع.
ثم سمعنا خطواتها وهي بتبعد عن الباب.
وبعد ثواني، وصلنا صوتها من