جاء المليونير
ما زالت في مكانها.
تقدم نعمان خطوة للأمام، وقال بحدة
حضرتك مين؟
رفع الرجل عينيه إليه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
اسمي عارف.
توقف لحظة، ثم أضاف
وكنت أقرب أصدقاء والدك.
اتسعت عينا نعمان.
مستحيل... والدي توفي من خمسة عشر عامًا، وما عمري سمعت اسمك.
تنهد عارف وقال
لأن والدك تعمد ألا تسمع به.
قبل أن يستوعب نعمان كلامه، أخرج عارف من جيبه ظرفًا قديمًا، اصفرّ لونه من الزمن.
مده إليه.
هذا الخطاب تركه والدك، وقال لي لا تسلمه لنعمان إلا إذا اجتمع المفتاح مع الصندوق.
نظر نعمان إلى الظرف، ثم إلى المفتاح الموجود في جيبه.
شعر أن كل ما يحدث ليس صدفة.
مد يده ليفتح الظرف...
لكن عارف أمسك بمعصمه.
وقال بجدية
إذا قرأت ما بداخله الآن، فلن تستطيع التراجع.
ساد صمت ثقيل.
حتى الرجال الواقفون عند الباب لم ينطقوا بكلمة.
في تلك اللحظة، سُمعت صفارات سيارات الشرطة تقترب من الشارع.
تبادل الرجال النظرات في قلق.
همس أحدهم
الشرطة وصلت.
لكن عارف لم يبدُ عليه أي خوف.
بل التفت إلى نعمان وقال
فؤاد هو من أبلغهم.
ارتبك نعمان.
فؤاد؟! أليس هو من كان يهددكم؟
ابتسم عارف ابتسامة غامضة.
هذا ما أرادك أن تصدقه.
ثم أضاف بصوت منخفض
الحقيقة أن فؤاد كان يحاول حمايتكم طوال هذه السنوات... لكنه اضطر أن يبدو خائنًا حتى لا يكتشفوا دوره.
في تلك اللحظة، انفتح باب الشقة مرة أخرى بعنف.
دخل رجل يلهث، وثيابه ممزقة، وعلى جبينه جرح ينزف.
كان فؤاد.
نظر مباشرة إلى نعمان، ثم صاح
متفتحش الخطاب!
ساد الصمت.
التفت الجميع إليه.
وأكمل وهو يلتقط أنفاسه
لأن الخطاب مزور... واللي كتبه مش والدك.
أما عارف...
فاختفت الابتسامة من وجهه لأول مرة، وقال بهدوء مخيف
يبدو أنك وصلت أسرع مما توقعت يا فؤاد...تراجع الجميع خطوة إلى الخلف.
كانت الأنظار تتنقل بين عارف وفؤاد، وكل واحد منهما يتهم الآخر بالكذب.
ألقى فؤاد نظرة سريعة على ليان، ثم قال بلهجة حاسمة
الصندوق... فين الصندوق؟
ضمت ليان الصندوق إلى صدرها بقوة، وهزت رأسها بعناد.
مش هديه لحد.
ابتسم فؤاد رغم التوتر.
كويس... خالة سلمى كانت عارفة إنك
قطب عارف حاجبيه.
كفاية تمثيل. سلّم المفتاح يا نعمان.
رد نعمان ببرود
قبل ما أسلّم أي حاجة... حد يفهمني الحقيقة.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم تنهد فؤاد وقال
من ثماني سنين، قبل وفاة سلمى بأيام، اكتشفت إن في مجموعة بتزور عقود أراضٍ وعقارات بالملايين باستخدام شركات وهمية. سلمى جمعت كل الأدلة.
نظر إلى الصندوق.
الأدلة دي موجودة جواه.
شهقت هناء بصوت خافت.
أما عارف، فلم ينكر.
بل قال بهدوء
وماذا لو كانت موجودة؟
نظر إليه نعمان بصدمة.
ابتسم عارف ابتسامة باردة.
الدنيا اتغيرت يا نعمان... والورق ده لو خرج للنور، ناس كبيرة جدًا هتقع.
اقترب خطوة أخرى.
وأنت أولهم.
تجمد نعمان.
أنا؟!
أومأ عارف.
كل الشركات اتسجلت بأسماء قانونية... وأغلبها يحمل توقيعك.
صرخ نعمان
ده مستحيل! عمري ما وقعت على حاجة زي دي.
أجاب فؤاد بسرعة
لأن التوقيعات اتتزورت... وكنت بحاول أوصل للدليل قبل ما يختفي.
ثم أخرج من جيبه فلاشة صغيرة ووضعها أمام نعمان.
دي نسخة ناقصة... أما النسخة الكاملة فهي داخل الصندوق.
في تلك اللحظة...
تقدمت ليان ببطء.
وضعت الصندوق على الأرض.
ثم نظرت إلى نعمان وقالت
خالة سلمى قالت... لو الناس اختلفوا، يبقى افتحوا الصندوق.
مد نعمان يده إلى المفتاح النحاسي.
وأمسك بالصندوق.
كان القفل يحمل الرقم نفسه...
27.
أدخل المفتاح ببطء.
صدر صوت تك...
وانفتح القفل أخيرًا.
لكن ما رآه الجميع في الداخل...
جعلهم يصمتون تمامًا.
لم تكن هناك أوراق فقط...
بل كان فوقها ظرف أبيض كبير، مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا كان نعمان ما زال يثق في فؤاد.
نظر نعمان إلى فؤاد...
ثم إلى عارف...
وتوقف، لأن القرار الذي سيتخذه في اللحظة التالية قد يغيّر مصير الجميع ظل نعمان ممسكًا بالظرف، دون أن يفتحه.
كانت الكلمات المكتوبة عليه أثقل من أي شيء حمله في حياته.
يُفتح فقط إذا كان نعمان ما زال يثق في فؤاد.
ابتلع ريقه، ثم نظر إلى فؤاد طويلًا.
قال بصوت منخفض
جاوبني على سؤال واحد... طول السنين دي، ليه ما قلتليش الحقيقة؟
أطرق فؤاد رأسه.
لأني لو كنت قربت منك، كانوا هيعرفوا إن
قاطعه عارف ساخرًا
جميل... قصة مؤثرة.
ثم نظر إلى رجاله.
هاتوا الصندوق.
تحرك رجلان إلى الأمام.
لكن نعمان أغلق الصندوق بسرعة، ووضعه خلف ظهره.
قال بلهجة لم يعهدها فيه أحد
اللي هيقرب خطوة... هعتبره اعتدى على بيتي.
ابتسم عارف ابتسامة باردة.
بيتك؟
ثم أخرج من جيبه ورقة مطوية، ولوّح بها أمام الجميع.
هل تعرف ما هذه؟
أخذها نعمان.
وما إن قرأ السطر الأول، حتى اتسعت عيناه.
كانت عقد بيع العمارة بالكامل.
والأغرب...
أن تاريخ العقد يعود إلى ست سنوات مضت.
والمشتري...
كان شركة لم يسمع باسمها من قبل.
أما التوقيع الموجود أسفل الصفحة...
فكان توقيعه هو.
قال بغضب
ده مزور!
رد عارف بهدوء
ربما... لكن المحكمة اعترفت به.
شعر نعمان بأن الأرض تميد تحت قدميه.
إذا كان العقد مسجلًا رسميًا...
فهذا يعني أن العمارة لم تعد ملكه منذ سنوات، وهو لا يعلم.
تقدم فؤاد بسرعة، وانتزع الورقة من يد عارف.
نظر إليها لثوانٍ، ثم ابتسم لأول مرة.
قال بثقة
أخيرًا.
نظر إليه نعمان باستغراب.
أخيرًا إيه؟
رفع فؤاد الورقة أمام الضوء.
ثم أشار إلى زاوية صغيرة جدًا لم ينتبه إليها أحد.
كانت هناك علامة مائية باهتة.
قال
دي العلامة اللي كنت بدور عليها من ثماني سنين.
سأله نعمان
تعني إيه؟
أجاب فؤاد
تعني إن العقد ده خرج من نفس المكان اللي خرجت منه كل العقود المزورة.
ثم التفت ببطء نحو عارف.
وقال جملة جعلت وجوه الرجال تتغير
بقى عندنا الدليل اللي يربطك مباشرة بالشبكة.
ساد صمت ثقيل.
لكن فجأة...
انطلقت ضحكة عارف في أرجاء الشقة.
ضحكة طويلة، هادئة، وكأن شيئًا لم يهزه.
ثم قال وهو ينظر إلى نعمان مباشرة
أنتم ما زلتم تعتقدون أنني رأس اللعبة...
اقترب خطوة، وخفض صوته.
أنا مجرد موظف.
رفع نعمان رأسه ببطء.
موظف عند مين؟
نظر عارف إلى الباب المفتوح، ثم قال
عند الشخص الذي يقف الآن خلفكم.
وفي اللحظة نفسها...
استدار نعمان ببطء نحو باب الشقة، بعدما شعر بوجود شخص دخل دون أن يسمع أحد خطواته...ابتسم الرجل الواقف عند الباب ابتسامة هادئة.
ولم
بل كان المستشار ياسين، رئيس مجلس إدارة أكبر مجموعة قانونية في البلاد، والرجل الذي استعان به نعمان أكثر من مرة في صفقات شركاته.
نظر ياسين إلى عارف وقال
انتهى الأمر.
ضحك عارف ساخرًا.
بأي دليل؟
أشار ياسين إلى الظرف الذي في يد نعمان.
ليس بهذا.
ثم أخرج من حقيبته ملفًا سميكًا، ووضعه على الطاولة.
بهذا.
فتح الملف، فظهرت عشرات العقود الأصلية، وتقارير خبراء الخطوط، وتحويلات بنكية، وتسجيلات صوتية تثبت أن عارف كان يدير شبكة كاملة لتزوير العقود والاستيلاء على العقارات، مستخدمًا توقيعات رجال أعمال دون علمهم.
أما فؤاد...
فكان طوال السنوات الماضية يعمل سرًا مع النيابة، يجمع الأدلة قطعةً قطعة، ولذلك اضطر إلى الظهور في صورة الخائن حتى لا يشك فيه أحد.
نظر نعمان إلى فؤاد، وقد امتلأت عيناه بالندم.
أنا ظلمتك...
ابتسم فؤاد وقال
المهم إن الحقيقة ظهرت.
في تلك اللحظة، دخلت الشرطة إلى الشقة بعد أن كانت تراقب المبنى من الخارج.
حاول عارف الهرب، لكن الضباط أوقفوه قبل أن يصل إلى الباب.
وبعد دقائق، كان هو ورجاله مكبلين بالأصفاد.
ساد الصمت.
ثم التفت نعمان إلى ليان.
كانت لا تزال جالسة بجوار ماكينة الخياطة، وكأن كل ما حدث لا يعنيها.
اقترب منها، وجثا على ركبتيه أمامها.
نظر إلى أصابعها الصغيرة المليئة بآثار الإبر، وقال بصوت تأثر لأول مرة
من النهارده... ممنوع تشتغلي.
نظرت إليه باستغراب.
طيب... هنجيب علاج ماما منين؟
ابتسم نعمان، وأجاب
دي بقت مسؤوليتي.
تكفل بعلاج هناء حتى تعافت تمامًا، واشترى لها محل خياطة صغيرًا يحمل اسم مشغل ليان، لتعمل فيه بكرامة دون استغلال.
أما ليان، فعادت إلى المدرسة، وأصبحت تخيط فقط
كهواية، بعد أن كانت الخياطة وسيلتها الوحيدة للبقاء.
وبعد سنوات...
وقفت ليان على منصة لتستلم جائزة أفضل مصممة أزياء شابة.
وفي الصف الأول من الحضور، كان نعمان يصفق لها بفخر، بينما كانت هناء تبكي من شدة الفرح.
ابتسمت ليان ونظرت إليهما قائلة
زمان كنت بخيط عشان أعيش... لكن النهارده بخيط عشان أحقق أحلامي.
حينها أدرك نعمان أن أغلى
بل كان طرقه لذلك الباب القديم في يومٍ جاء فيه ليطرد مستأجرة متأخرة عن الإيجار، فاكتشف أن الرحمة قد تغيّر حياة إنسان... بل وحياة أسرة كاملة.
تمت.