جاء المليونير

لمحة نيوز

واضح إن في حد مستغلكم.
أغمضت الأم عينيها، وكأنها تقاوم قرارًا صعبًا.
ثم قالت بعد صمت طويل
كل قطعة هدوم ليان بتخيطها... إحنا بناخد عليها خمسين جنيه.
عقد نعمان حاجبيه.
وده أقل من ربع أجرها.
ابتسمت الأم بمرارة.
إحنا عمرنا ما اتفقنا مع صاحب الورشة... إحنا بنتعامل مع فؤاد.
شعر نعمان بقشعريرة تسري في جسده.
إزاي؟
مدّت الأم يدها المرتجفة نحو الدرج الصغير بجوار السرير.
هات الملف الأزرق.
فتح الدرج، فأخرج ملفًا قديمًا تآكلت أطرافه.
بداخله عشرات الإيصالات.
كلها تحمل توقيعًا واحدًا...
فؤاد.
لكن وسط الأوراق، انزلقت ورقة صفراء مطوية وسقطت على الأرض.
انحنى نعمان ليلتقطها.
وما إن فتحها...
حتى تغير لون وجهه.
كانت صورة قديمة التقطت قبل نحو ثماني سنوات.
في الصورة، كانت هناء تبتسم وهي تحمل طفلة رضيعة بين ذراعيها.
وبجوارها...
كان يقف نعمان نفسه.
تراجع خطوة إلى الخلف، وهو يحدق في الصورة غير مصدق.
همس بصوت مرتجف
الصورة دي... مستحيل...
رفعت هناء رأسها ببطء، ونظرت إليه بعينين امتلأتا بالدموع.
ثم قالت الجملة التي جعلت الأرض تهتز تحت قدميه
أنا كنت مستنية اليوم اللي تيجي فيه بنفسك... لأن في حقيقة مخبوءة عنك من ثماني سنين... وفؤاد هو الوحيد اللي كان يعرفها شعر نعمان بأن أنفاسه أصبحت ثقيلة.
أعاد النظر إلى الصورة مرة... ثم مرة أخرى.
لم تكن مزيفة.
كان يتذكر ذلك اليوم جيدًا.
يوم أقامت شركته معرضًا خيريًا لتوزيع ماكينات خياطة على الأرامل ومحدودي الدخل.
كانت هناء من بين الحاضرات.
التقط عشرات الصور مع الأسر، ثم غادر، ولم يفكر فيها مرة أخرى.
تنفس الصعداء للحظة.
الحمد لله...
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
افتكرت إن...
لكنه لم يكمل.
قاطعته هناء وهي تشير إلى ظهر الصورة.
اقلبها.
قلبها ببطء.
كان مكتوبًا بخط يد واضح
إلى الأستاذ نعمان... شكرًا لأنك وعدتني ألا تتركني وحدي.
تجمد مكانه.
هذا الخط...
لم يكن خط هناء.
بل خط شقيقته
الراحلة سلمى.
رفع رأسه بسرعة.
من كتب الجملة دي؟
قالت هناء بصوت مبحوح
سلمى.
ساد الصمت.
كانت سلمى قد توفيت في حادث سيارة قبل ثماني سنوات، ولم يكن أحد يذكر اسمها أمام نعمان منذ ذلك اليوم.
سأل وهو يحاول السيطرة على ارتجاف صوته
إنتِ كنتِ تعرفي أختي؟
أومأت هناء.
اشتغلت معاها سنتين في جمعية خيرية... وكانت بتزورنا كل شهر.
نظر إليها غير مصدق.
طوال هذه السنوات، لم يخبره أحد أن أخته كانت تدير أعمالًا خيرية بعيدًا عن العائلة.
وأضافت هناء
قبل وفاتها بأسبوع، سلمتني ظرفًا مقفولًا.
ثم أشارت بعينيها نحو الصندوق الكرتوني الموجود أسفل ماكينة الخياطة.
الظرف جوه الصندوق.
التفت نعمان إلى الصندوق الذي كان قد لفت انتباهه منذ دخوله.
هذا هو الصندوق الذي كُتب عليه
ممنوع فتحه... أمانة عند ليان.
اقترب منه ببطء.
مد يده نحو الغطاء.
لكن ليان اندفعت فجأة وأمسكت بمعصمه بكلتا يديها الصغيرتين.
كانت هذه أول مرة تمنعه من فعل شيء.
قالت بصوت مرتجف
خالة سلمى قالت... محدش يفتحه غير لما ييجي صاحبه بنفسه... ويقول كلمة السر.
نظر إليها نعمان بدهشة.
كلمة سر؟
هزت رأسها.
أيوه.
وإيه هي؟
خفضت ليان عينيها وقالت
أنا معرفهاش... خالة سلمى قالت إن صاحب الأمانة هو الوحيد اللي هيعرفها... ولو حد قال كلمة غلط، لازم أحرق اللي جوه الصندوق فورًا.
نظر نعمان إلى الصندوق... ثم إلى الطفلة... ثم إلى الأم.
وفي تلك اللحظة بالذات...
اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان
فؤاد.
رن الهاتف مرة...
ثم الثانية...
ثم وصلت رسالة قصيرة قبل أن يرد.
فتحها بسرعة.
ولم يكن فيها سوى سطر واحد
إياك تفتح الصندوق... لأن الحقيقة اللي جواه هتدمر حياة ناس كتير ظل نعمان يحدق في الرسالة، وشعر لأول مرة منذ سنوات بأن يده ترتجف.
رفع عينيه إلى ليان.
كانت تحتضن الصندوق بكلتا ذراعيها، وكأنه آخر ما تملكه في الدنيا.
ضغط على زر الاتصال بفؤاد.
رن الهاتف...
ثم انقطع.
اتصل مرة ثانية.

هذه المرة أغلق فؤاد الهاتف بنفسه.
بعد أقل من دقيقة، وصلت رسالة صوتية قصيرة.
فتحها، فخرج صوت فؤاد متوترًا على غير عادته
لو لسه عند هناء... امشِ حالًا. فيه ناس رايحة هناك، ولو شافوك معاهم هتبقى مصيبة. متسألش ليه... بس امشِ.
رفع نعمان رأسه ببطء.
وفي اللحظة نفسها...
توقف أمام العمارة موكب من ثلاث سيارات سوداء.
سمع الجميع صوت أبواب تُفتح في وقت واحد.
اقتربت خطوات ثقيلة من السلم.
التفتت هناء ناحية الباب، واختفى اللون من وجهها.
همست بخوف
وصلوا...
سألها نعمان بسرعة
مين؟
لكنها لم تجب.
كانت تنظر إلى الباب وكأنها تعرف من يقف خلفه.
بعد ثوانٍ، دوى طرق هادئ هذه المرة.
ليس عنيفًا...
بل واثقًا.
ثم جاء صوت رجل لم يرفعه، ومع ذلك كان يحمل تهديدًا واضحًا
افتحي يا هناء... إحنا عارفين إن الأمانة لسه عندك.
تجمد نعمان.
الأمانة.
إذًا هم لا يبحثون عن الإيجار... ولا عن الماكينة.
إنهم جاءوا من أجل الصندوق.
اقترب من النافذة بحذر، وأزاح الستارة قليلًا.
فرأى الرجال ينتشرون حول المبنى من كل الجهات.
لم يتركوا أي مخرج.
استدار نحو هناء وقال
فيه مخرج تاني؟
أشارت بيد مرتجفة إلى باب خشبي صغير خلف ستارة قديمة.
فيه ممر بين العمارات... بس محدش يعرفه غير السكان.
وقبل أن يتحرك، أمسكته ليان من كُمِّه.
ناولته شيئًا صغيرًا كانت تخبئه في جيبها.
مفتاح نحاسي قديم، منقوش عليه الرقم
27
قالت بصوت خافت
خالة سلمى قالت... لو جه اليوم ده، أدي المفتاح للأستاذ نعمان بس.
نظر إلى المفتاح في دهشة.
ده بتاع إيه؟
أجابت ليان وهي تكاد تبكي
معرفش... بس قالت إن الصندوق من غير المفتاح مالوش أي قيمة.
وفي الخارج...
انكسر قفل باب العمارة.
وتردد صوت أقدام تصعد الدرج بسرعة...
وتوقفت تمامًا أمام الشقة رقم 4ب ساد صمت ثقيل.
ثم صدر صوت معدني حاد...
كان أحدهم يحاول كسر قفل باب الشقة.
تشبثت ليان بثوب أمها، بينما أمسك نعمان بالمفتاح النحاسي وأدخله في جيبه
بسرعة.
همست هناء بصوت مرتعش
اسمعني كويس... مهما حصل، متسيبش المفتاح مع الصندوق.
نظر إليها باستغراب.
ليه؟
قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة
لأنهم طول السنين دي كانوا بيدوروا على الاتنين... لكن عمرهم ما عرفوا إنهم منفصلين.
ارتفع صوت ارتطام قوي بالباب.
بدأ الخشب يتشقق.
اقترب نعمان من الستارة التي تخفي الممر السري، لكنه توقف فجأة.
كانت ليان قد عادت إلى ماكينة الخياطة.
رغم كل ما يحدث، أمسكت قطعة القماش وأخذت تخيط بسرعة.
قال بدهشة
إنتِ بتعملي إيه دلوقتي؟!
رفعت رأسها للحظة، ثم قالت
لازم أخلصها.
إحنا ممكن نموت بعد دقيقة!
هزت رأسها بهدوء غريب.
لو مسلمتهاش... المستشفى مش هيدينا دوا ماما.
شعر نعمان بغصة في حلقه.
حتى وهي تسمع الباب يوشك أن يُكسر، كانت الطفلة تفكر فقط في علاج أمها.
اقترب منها، وأخذ قطعة القماش من بين يديها برفق.
ولأول مرة...
لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.
على الوجه الداخلي للقماش كانت هناك غرز بخيط ذهبي، لكنها لم تكن للزينة.
كانت تشكل أرقامًا وحروفًا صغيرة جدًا.
أعاد فرد القماش أمام الضوء.
اتسعت عيناه.
لم تكن زخرفة.
بل كانت خريطة مصغرة، مخيطة داخل الثوب بطريقة لا يلاحظها أحد.
وفي أحد الأركان ظهر الرمز نفسه المحفور على المفتاح
27
رفع رأسه ببطء نحو هناء.
ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت
دلوقتي عرفت... ليه كانوا مصرين ياخدوا الطلبية قبل ما تخلص.
وفي اللحظة نفسها...
انهار الباب الرئيسي للشقة، ودخل أول رجل مرتديًا بدلة سوداء.
لكن ما إن وقع بصره على نعمان حتى توقف فجأة، وتغيرت ملامحه تمامًا.
ثم خفض رأسه باحترام غير متوقع، وقال للرجل الذي كان يقف خلفه
سيدي... يبدو أننا تأخرنا.
وتقدم من خلفه رجل مسن، أنيق المظهر، يحمل عصًا سوداء.
نظر مباشرة إلى نعمان، ثم قال بهدوء
كنت أتمنى ألا تصل إلى هنا قبل أن ألتقي بك... لأن من هذه اللحظة، لم تعد القضية مجرد صندوق... بل إرث أخفي عنك منذ سنوات.
يتبع.
..دخل الرجل المسن بخطوات بطيئة، بينما بقي الرجال الآخرون عند الباب دون أن يتحركوا.
كان حضوره وحده كافيًا ليملأ المكان رهبة.
نظر إلى ليان أولًا، ثم إلى هناء، وقال بهدوء
الحمد لله... الأمانة
تم نسخ الرابط