جاء المليونير
جاء المليونير ليطرد مستأجرة متأخرة عن الإيجار... لكنه صُدم عندما وجد طفلة في السابعة تخيط الثياب بأصابع تنزف!
كان نعمان غاضبًا وهو يترجل من سيارته الفارهة أمام المبنى القديم.
ثلاثة أشهر كاملة دون دفع الإيجار... وهذه المرة قرر أن يأتي بنفسه. لم يكن مستعدًا لسماع أعذار جديدة، ولا لوعودٍ بالتسديد لاحقًا. بالنسبة إليه، القوانين لا تُستثنى لأحد.
فهو لايستوعب كيف يعجز الناس عن التزام بسيط كهذا
صعد درجات السلم بسرعة، وملامح الضيق تملأ وجهه، حتى توقف أمام الشقة رقم 4ب.
طرق الباب بقوة.
لا أحد.
طرق مرة ثانية بعنف أكبر...
ثم سمع وقع خطوات صغيرة تقترب ببطء.
انفتح الباب قليلًا...
وللحظة، تجمد في مكانه.
لم تكن امرأة تقف أمامه... بل طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها سبع سنوات، بشعر أشعث، ووجه شاحب، وثياب امتلأت بخيوط ملونة. كانت تحدق فيه بصمت، وكأنها تنتظر التوبيخ قبل أن ينطق بأي كلمة.
انحنى نعمان وسألها بهدوء
أمك موجودة؟
هزّت رأسها بالنفي دون أن تنطق.
وقبل أن يسأل سؤالًا آخر، وقعت عيناه على ما خلفها...
ماكينة خياطة قديمة، وأكوام من القماش، وبكرات خيوط متناثرة في كل مكان.
أما الطفلة...
فكانت هي من يعمل عليها.
لم تكن تلعب، ولم تكن في المدرسة...
كانت تخيط الملابس بيديها الصغيرتين، بينما آثار وخز الإبر تغطي أصابعها، وبعضها ما زال ينزف.
اختفى غضبه فجأة.
وسألها بصوت لم يعرفه في نفسه من قبل
أأنتِ وحدك هنا؟
ترددت للحظات، ثم فتحت الباب قليلًا.
لم يدخل.
لكنه استطاع أن يرى داخل الشقة...
غرفة معتمة، أثاث متهالك، ثلاجة شبه فارغة، وعلى سرير قديم كانت ترقد امرأة لا تكاد تتحرك، وإلى جوارها علب أدوية فارغة.
نظر إلى الطفلة وسألها
أمك مريضة؟
أومأت برأسها فقط.
ثم عادت بهدوء إلى ماكينة الخياطة، وكأن الحديث انتهى، وأخذت تواصل عملها بتركيز غريب على طفلة في مثل عمرها.
بعد لحظات،
قالت بصوت خافت
ليان.
ثم عادت تضغط على دواسة الماكينة بقدميها الصغيرتين، بينما كانت الإبرة تلتهم القماش بسرعة.
وفجأة...
خرجت شهقة خافتة منها.
نظر نعمان إلى يدها...
فرأى قطرة دم تنساب من طرف إصبعها بعدما غرست الإبرة فيه.
لكن ما فعلته بعدها هو ما حطم شيئًا في داخله...
مسحت الدم بطرف ثوبها، ولم تبكِ، ولم تشتكِ، ولم تتوقف...
بل أكملت الخياطة، وكأنها اعتادت أن يكون الألم جزءًا من يومها.
أخرج نعمان محفظته بصمت، ووضع فوق الطاولة حزمة كبيرة من المال.
انتظر أن تلتفت إليها...
لكن ليان لم تنظر حتى.
قالت وهي تواصل الخياطة دون أن ترفع رأسها
ماما قالت... لا آخد فلوس من حد.
توقف مكانه...
يتبع ......نعمان ظل واقفًا للحظات، والمال ما زال فوق الطاولة، بينما كلمات ليان كانت تتردد في رأسه.
ماما قالت... لا آخد فلوس من حد.
لم يكن يتوقع أن يرفض طفلٌ في هذا العمر مبلغًا يكفيهم لأشهر.
أعاد المال إلى محفظته ببطء، ثم قال بهدوء
طيب... مش هعتبرها مساعدة. اعتبريها سلفة، ولما تكبري ترجعيها.
توقفت الماكينة لأول مرة.
رفعت ليان عينيها إليه، وكأنها تفكر في كلامه بجدية، ثم سألت بصوت بريء
ولو معرفتش أرجعها؟
لم يجد جوابًا.
في حياته كلها كان يعرف كيف يربح الصفقات، لكنه لم يعرف كيف يجيب عن سؤال كهذا.
في تلك اللحظة، صدر سعالٌ قوي من داخل الغرفة.
ركضت ليان بسرعة نحو السرير.
انحنى نعمان من مكانه، فرأى الأم تحاول الجلوس بصعوبة، لكن جسدها كان أضعف من أن يحملها.
كانت تتنفس بصعوبة، وشفاهها شاحبة.
همست بصوت متقطع
ليان... خلصتي الطلبية؟
ابتسمت الطفلة رغم الإرهاق.
لسه شوية يا ماما... قبل المغرب هسلمها.
عقد نعمان حاجبيه.
طلبية؟
التفتت إليه الأم بعدما انتبهت لوجوده، واتسعت عيناها بذعر.
حضرتك... صاحب العمارة؟
أومأ برأسه.
أغمضت عينيها لحظة، وكأنها كانت تنتظر هذه المواجهة منذ
قالت بصعوبة
أنا عارفة إن ليا إيجار متأخر... اديني أسبوع واحد بس.
وقبل أن يكمل أي كلمة، قاطعتها نوبة سعال جديدة جعلت ليان تسند رأسها بيديها الصغيرتين.
نظر نعمان حوله مرة أخرى.
على الحائط كانت هناك ورقة مثبتة بدبوس.
اقترب منها دون أن يلمس شيئًا.
كانت قائمة طويلة بأسماء زبائن، وبجوار كل اسم مبلغ صغير جدًا.
لكن آخر سطر شد انتباهه.
طلبية خاصة... لازم تتسلم النهارده... وإلا مفيش فلوس العلاج.
التفت نحو ليان وسألها
إنتِ اللي بتخيطي الطلبية دي؟
هزت رأسها بالإيجاب.
ماما كانت بتعلمني... ولما تعبت بقيت أنا أكمل.
اقترب من ماكينة الخياطة.
لاحظ أن ذراعها يهتز مع كل غرزة، وأنها بالكاد تستطيع دفع القماش من شدة التعب.
ثم وقع بصره على صندوق كرتوني صغير أسفل الطاولة.
كان مغلقًا بإحكام.
لكن فوقه ملصق قديم مكتوب عليه بخط اليد
ممنوع فتحه... أمانة عند ليان.
وقبل أن يسأل عنه...
ارتفع صوت طرقٍ عنيف على باب الشقة.
أقوى بكثير من طرقه هو.
تجمدت ليان في مكانها...
وشحب وجه الأم فجأة، وهمست بخوف
يا رب... مش هو تاني...ازداد الطرق على الباب حتى اهتزت الجدران القديمة.
ثم دوّى صوت رجل غليظ من الخارج
افتحي يا هناء! أنا عارف إنك جوه... ومش همشي المرة دي!
ارتعشت ليان، واندفعت تقف أمام باب الغرفة، كأنها تحاول تحمي أمها بجسدها الصغير.
أما الأم، فحاولت النهوض من السرير، لكنها سقطت مرة أخرى وهي تلهث.
نظر نعمان إليهما، ثم اتجه نحو الباب وفتحه قليلًا.
وقف في الخارج رجل ضخم يحمل دفترًا قديمًا، وخلفه شابان ينقلان أكياس قماش.
تجمد الرجل عندما رأى نعمان.
قال بحدة
وأنت مين؟
أجابه نعمان بهدوء
صاحب العمارة.
تبدلت ملامح الرجل للحظة، ثم قال
كويس إنك جيت. الست دي واخدة مني قماش من شهرين، وكل مرة تقول بكرة. لو مش هتسلّم الطلبية النهارده، هاخد الماكينة.
من الداخل صرخت ليان لأول مرة
لأ...
نظر الرجل إلى الطفلة بلا اكتراث.
وأنا مالي؟ أنا كمان عندي ناس فوق دماغي.
تقدم نعمان خطوة، وأغلق الباب خلفه حتى لا تسمع الأم كل الحديث.
سأله
هي مديونة لك بكام؟
ابتسم الرجل ابتسامة ساخرة.
المبلغ مش كبير... لكن الموضوع بقى مبدأ.
ثم فتح الدفتر، وأشار إلى رقم مكتوب بالقلم الأحمر.
لكن قبل أن يقرأه، لفت انتباه نعمان شيء غريب.
اسم صاحب الورشة المكتوب أعلى الصفحة...
كان يعرفه جيدًا.
بل إنه كان أحد الموردين الرئيسيين لإحدى شركاته.
أخذ الدفتر من يد الرجل ونظر إليه بدقة.
وفي أسفل الصفحة، وجد توقيعًا جعله يعقد حاجبيه.
هذا التوقيع...
لم يكن لصاحب الورشة الحقيقي.
كان توقيع شخص آخر يعرفه أكثر من أي أحد...
مدير حساباته الشخصي.
رفع نعمان رأسه ببطء، ونظر إلى الرجل قائلًا
من اللي سلّمك العقد ده؟
أجاب الرجل بسرعة
راجل اسمه فؤاد... قال إنه بيتصرف باسم الشركة.
اتسعت عينا نعمان.
فؤاد لم يكن مجرد مدير حسابات...
كان الرجل الذي ائتمنه على كل أعماله منذ أكثر من عشر سنوات.
لكن السؤال الذي ضربه كالصاعقة كان
ما علاقة مدير حساباته بهذه الأسرة الفقيرة... ولماذا يظهر اسمه في أوراق لا يفترض أن يعرف عنها شيئًا؟ظل نعمان ممسكًا بالدفتر، وعيناه لا تفارقان اسم فؤاد.
كان الأمر غير منطقي.
مدير حساباته مسؤول عن شركات بملايين، فما الذي جاء به إلى شقة متواضعة في بناية قديمة؟
أغلق الدفتر بهدوء، ثم أعاده إلى الرجل وقال
اترك لي ساعة واحدة... ولا تلمس الماكينة.
نظر الرجل إليه بتردد، ثم قال
ساعة واحدة بس... بعدها هرجع.
غادر، وبقي نعمان واقفًا أمام الباب يفكر.
عاد إلى الداخل، فوجد ليان قد جلست من جديد أمام ماكينة الخياطة، وكأن شيئًا لم يحدث.
سألها برفق
مين فؤاد؟
توقفت يداها عن الحركة.
ولأول مرة منذ رآها... ظهر الخوف بوضوح في عينيها.
همست
ماما قالت.
نظر إلى الأم.
كانت تحاول إخفاء ارتباكها، لكن ملامحها فضحتها.
قالت بصوت واهن
لو سمحت... سيب الموضوع.
اقترب منها نعمان.
أنا مش جاي أؤذيكم... لكن