بقيتي تخينه

لمحة نيوز

زمان... ورجع يحاسبك.
وانقطع الاتصال.
...
في الليل...
ندى ما عرفتش تنام.
خرجت تتمشى في جنينة الفيلا.
وفجأة سمعت صوت طفل صغير بيضحك.
استغربت.
بصت حواليها.
مافيش حد.
لكن الضحكة اتكررت.
اتبعت الصوت لحد ما وصلت لشجرة كبيرة.
ولقت صندوق خشب صغير.
فتحته بحذر.
كان جواه...
صورة قديمة لآدم.
شايل طفل عنده حوالي أربع سنين.
وعلى ضهر الصورة مكتوب
سلبت ابني... وهاخد ابنك.
في اللحظة دي وقف آدم وراها.
أخد الصورة من إيدها.
ولأول مرة من سنين...
اختفى الجمود من وشه.
وشحب وجهه وهو يهمس باسم واحد
يوسف...
نظرت له ندى بذهول.
مين يوسف؟
لكن آدم لم يجب.
كانت عيناه معلقتين بالصورة...
وكأن شبحًا من ماضيه عاد ليطارده.
يتبع...أخد آدم الصورة بإيد مرتعشة للمرة الأولى.
فضل يبص للطفل اللي فيها لثوانٍ طويلة.
ندى قربت منه بحذر.
آدم... مين يوسف؟
قفل عينه، وكأنه بيحارب ذكرى قديمة.
ثم قال بصوت خافت
ابني.
شهقت ندى.
إيه؟!
رفع عينه لها.
كان عنده أربع سنين.
إنت قولتلي قبل كده إن...!
قولتلك إن ده أول طفل هيعيش.
سكت لحظة.
ثم أكمل
لأن يوسف مات.
وقعت الكلمات عليها كالصاعقة.
جلست على أقرب مقعد.
إزاي؟
تنهد آدم طويلًا.
زمان... قبل سنين، كنت فاكر إني أقدر أفصل شغلي عن حياتي.
كان عندي زوجة اسمها ليلى... ويوسف كان كل حياتها.
في يوم... أعدائي عرفوا مكانهم.
صمت.
كانت ندى تلاحظ أنه يضغط على الصورة بقوة.
العربية انفجرت.
بلع ريقه بصعوبة.
ما لحقتش أنقذهم.
نزلت دمعة وحيدة من عينه.
مسحها بسرعة وكأنها لم تكن موجودة.
ومن يومها... أقسمت إن أي حد أحبه... مستحيل أسيبه من غير حماية.
اقتربت ندى منه لأول مرة من تلقاء نفسها.
وضعت يدها على يده.
أنا آسفة.
رفع رأسه إليها.
ولم يسحب يده.
...
في نفس اللحظة...
في مخزن مهجور خارج المدينة.
كان الرجل المجهول يجلس أمام شاشة تعرض صور الفيلا.
دخلت الخادمة المزيفة.
زي ما توقعت... الصورة هزته.
ابتسم الرجل.
ثم أدار الكرسي ببطء.
لكن وجهه ظل في الظل.
قال
لأنه فاكر إن يوسف مات.
تجمدت الخادمة.
يعني...؟
ابتسم ابتسامة مرعبة.
يوسف... عايش.
اتسعت عيناها.
إزاي؟
رد بهدوء
لأن اللي مات يومها.
.. كان طفل تاني.
ثم نظر إلى صورة آدم على الشاشة.
وقال
وحان الوقت... الأب يقابل ابنه.
وفي الفيلا...
كان هاتف آدم يرن.
وصلته رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت مجرد صورة.
شاب في أوائل العشرينات، يحمل نفس ملامح آدم بشكل مخيف.
وتحتها جملة واحدة
لو عايز تشوف ابنك حي... تعالى لوحدك.
تغير لون وجه آدم.
وعرفت ندى من نظرته...
أن الكابوس الحقيقي بدأ الآن.
يتبع...آدم فضل يبص للصورة.
إيده كانت ثابتة...
لكن عينيه لأول مرة كانوا مليانين صدمة.
ندى قربت منه.
في إيه؟
لف شاشة الموبايل بعيد عنها.
مفيش.
لكنها مسكت إيده برفق.
بلاش تخبي عليا.
تنهد، ثم ناولها الهاتف.
بمجرد ما شافت الصورة، شهقت.
الشاب فعلًا كان شبه آدم بشكل يخض.
نفس العينين...
ونفس ملامح الفك.
همست
ممكن يكون...؟
قاطعها
ممكن.
ثم ضغط على الرقم.
جاله رد آلي
الرقم غير متاح.
...
بعد دقائق...
جمع آدم كل رجال الأمن.
محدش يعرف بالرسالة دي غير اللي في الأوضة.
أومأ الجميع.
ثم التفت إلى فارس.
جهز العربية.
قال فارس بتردد
يا باشا... الرسالة بتقول تروح لوحدك.
رد آدم ببرود
وده اللي هيخليني أعرف هم عايزين إيه.
ندى وقفت قدامه.
مش هتروح.
لازم.
ممكن يكون فخ.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنا عارف.
يبقى ليه؟
بصلها للحظة طويلة.
ثم قال
لو في احتمال واحد في المية إن يوسف عايش... مستحيل أتجاهله.
سكتت.
لأنها لو كانت مكانه...
كانت هتعمل نفس الشيء.
...
في الليل...
وصل آدم للمكان المحدد.
مصنع قديم مهجور على أطراف المدينة.
دخل وحده.
الصمت كان يخنق المكان.
وفجأة...
خرج شاب من بين الظلال.
كان فعلًا نفس الشاب اللي في الصورة.
وقف قدام آدم.
ولا واحد فيهم اتكلم.
الشبه بينهم كان صادم.
بعد لحظات، قال الشاب
إنت آدم السيوفي؟
أيوه.
بيقولوا إنك أبويا.
اتجمد آدم.
إنت اسمك إيه؟
يوسف.
اقترب آدم خطوة.
أمك فين؟
رد الشاب بحيرة
أنا معرفهاش.
إزاي؟
أنا اتربيت في دار أيتام... وكل اللي أعرفه إن واحد كان بيصرف عليا من بعيد.
قبل ما يكمل كلامه...
انطفأت أنوار المصنع بالكامل.
ودوى صوت تصفيق بطيء في الظلام.
ثم جاء نفس الصوت الإلكتروني
مؤثر جدًا... أليس كذلك؟
اشتغلت كشافات
قوية فجأة.
وظهر الرجل المجهول أخيرًا.
لكن قبل ما تتضح ملامحه بالكامل...
رفع مسدسه وصوبه ناحية يوسف.
وقال بابتسامة باردة
يلا نشوف... هتنقذ ابنك، ولا هتنتقم مني؟
يتبع...في اللحظة اللي ارتفع فيها المسدس...
صرخ آدم
يوسف... اوعى!
لكن الطلقة ما خرجتش.
الرجل المجهول ضغط على الزناد...
فطلع صوت طَق! فقط.
ابتسم وهو رمى المسدس على الأرض.
فاضي.
وقف يوسف مكانه وهو مش فاهم أي حاجة.
أما آدم، فكان عارف.
كل ده كان اختبار.
قال الرجل وهو ينزل من فوق المنصة
كنت عايز أشوف... لو خيرتك بين الانتقام وبين ابنك، هتختار إيه.
رد آدم من غير تردد
ابني.
ابتسم الرجل لأول مرة.
ثم دخل للنور.
أول ما شافه آدم...
اتجمد مكانه.
سامي؟!
كان سامي...
الذراع اليمين القديم لآدم.
الراجل اللي الكل افتكر إنه مات قبل خمسة عشر سنة.
ضحك سامي.
مستغرب؟
قال آدم وهو بيحاول يستوعب الصدمة
إنت اللي دبرت انفجار العربية؟
هز سامي رأسه.
لا.
أمال مين؟
رد سامي
عدوك الحقيقي.
اقترب أكثر.
أنا وصلت بعد الانفجار بدقايق.
لقيت الطفل بيتنفس.
حاولت أوصله ليك... لكن رجالتهم كانوا بيدوروا عليه.
خدته وهربت.
سكت لحظة.
ثم أكمل
ولو كنت رجعته ليك وقتها... كانوا هيقتلوه.
نظر آدم إلى يوسف.
كان الشاب واقف مذهولًا، بيبص لآدم ثم لسامي.
همس
يعني... إنت فعلًا أبويا؟
اقترب آدم ببطء.
ولأول مرة منذ سنوات...
احتضن ابنه.
بقوة.
يوسف فضل واقف ثواني، ثم لف إيده حوالين آدم.
أنا... كان نفسي أعرف يعني إيه كلمة أب.
أغمض آدم عينيه.
وأنا كان نفسي أسمعك بتناديني يا بابا.
وفي اللحظة المؤثرة دي...
دوّى صوت انفجار ضخم هز المصنع كله.
سقط جزء من السقف.
صرخ سامي
فخ... اخرجوا بسرعة!
بدأ المكان ينهار.
آدم دفع يوسف ناحية المخرج.
لكن قبل ما يخرج...
وقع عمود حديد ضخم.
قفز سامي من غير تفكير...
ودفع آدم بعيد.
العمود سقط فوق سامي مباشرة.
صرخ يوسف
عمو سامي!
جري آدم ناحيته يحاول يرفع الحديد.
لكن سامي كان بينزف بشدة.
ابتسم بصعوبة وقال
المرة دي... قدرت أحميه.
نظر إلى يوسف.
ثم إلى آدم.
خلي بالك منهم... من ندى... ومن حفيدك.
أغمض عينيه...
وسكت.
وقف آدم في مكانه، وملامحه
جامدة.
لكن يوسف شاف دمعة نزلت على خد أبوه للمرة الثانية في حياته.
وفي الخارج...
كانت سيارات سوداء كثيرة تحاصر المصنع.
ونزل منها رجل أنيق، يصفق ببطء.
ابتسم وهو يقول
العيلة رجعت اتجمعت...
ثم خلع نظارته السوداء.
وقال
دلوقتي... نبدأ الحرب الحقيقية.
يتبع...وقف آدم قدام جثة سامي للحظات.
ثم انحنى، وقفل عينيه بإيده.
قال بصوت منخفض
وعد... مش هيموت هدر.
شد يوسف على دراعه.
لازم نخرج.
أومأ آدم، وأخد سامي معاه رجال الإسعاف اللي وصلوا بعد دقائق.
...
في الفيلا...
ندى كانت ماشية رايحة جاية في الصالون.
كل دقيقة تبص في الساعة.
وقلبها بيزيد خفقانه.
وفجأة...
سمعت صوت عربية آدم.
جريت ناحية الباب.
أول ما شافته، ارتاحت.
لكنها لاحظت إن وشه شاحب.
وبجانبه...
شاب غريب.
وقف الشاب قدامها مرتبكًا.
بصلها، ثم نزل عينه على بطنها.
ابتسم ابتسامة خجولة وقال
أنا... يوسف.
ندى ابتسمت برقة.
أهلاً بيك.
ثم بصت لآدم، وسألت بعينيها قبل كلامها
هو؟
أومأ آدم بهدوء.
ابني.
اقتربت ندى من يوسف، ومدت إيدها.
يبقى أهلًا بيك وسط عيلتك.
يوسف اتفاجئ.
كان متوقع رفض أو خوف.
لكن لأول مرة من سنين...
حس إنه مرحب بيه.
...
بعد يومين...
أقيمت جنازة سامي في هدوء.
وقف آدم قدام قبره.
وحط وردة بيضا.
وقال
كنت أخويا... وهفضل مديون ليك.
في نفس اللحظة...
وصل ظرف من غير اسم.
فتحه فارس بسرعة.
كان جواه فلاشة صغيرة.
شغلوها على اللابتوب.
ظهر الرجل الأنيق اللي كان واقف قدام المصنع.
ابتسم للكاميرا وقال
أخيرًا يا آدم.
لو بتشوف الفيديو ده... يبقى المرحلة الأولى نجحت.
تجمدت ملامح آدم.
الرجل أكمل
أنا اسمي مراد.
يمكن ما تفتكرنيش...
لكن أنا ابن الراجل اللي قتلته بإيدك من عشرين سنة.
صمت لحظة.
ثم قال بنبرة مليانة كراهية
وأقسمت من يوم دفنته... إنك هتعيش نفس الوجع.
ظهرت على الشاشة صور لندى وهي خارجة من المستشفى...
وصور ليوسف...
وصور للفيلا.
اتسعت عينا آدم.
مراد كان بيراقبهم من شهور.
ثم ابتسم مراد وقال
استعد.
لأن الضربة الجاية...
...مش هتكون ليك.
...هتكون لحد بتحبه.
وانطفأت الشاشة.
ساد الصمت في الغرفة.
ندى حطت إيدها على بطنها بخوف.
أما
آدم...
فرفع رأسه وقال بهدوء مخيف
خلصت اللعبة.
التفت لكل رجاله.
من النهارده...
إحنا اللي هنبدأ الهجوم.
وفي مكان مجهول...
كان مراد يقف أمام خريطة كبيرة للمدينة.
دخل عليه أحد رجاله وقال
يا باشا... كل حاجة جاهزة.
ابتسم مراد وهو يحط دبوسًا أحمر فوق موقع الفيلا.
وقال
تمام...
بكرة... آدم
السيوفي هيخسر أغلى حاجة في حياته.
تمت نهاية الجزء الأول...

تم نسخ الرابط