انا ٢٥ سنه
المحتويات
يتمم بخير.
لكن نظراتها كانت مليانة دهشة، وكأنها لحد اللحظة مش مصدقة اللي شايفاه.
وفي أثناء الكلام...
رن جرس الباب مرة تانية.
استغرب الجميع، لأن محدش كان منتظر حد.
قام أبويا وفتح الباب...
ثم تجمد مكانه وهو بيقول في ذهول
إنت؟!
كل اللي في الصالة لفوا ناحية الباب بسرعة، لكن الشخص الواقف كان لسه خارج مجال رؤيتي، ولم أعرف من هو، بينما ملامح الدهشة على وجوه الجميع كانت بتقول إن دخوله في التوقيت ده... مش صدفة أبدًا ساد الصمت في الصالة، وكل الأنظار اتجهت ناحية والد ياسين.
ابتسم الرجل بهدوء وقال
طلبي بسيط... لكن بالنسبة لي مهم جدًا.
أبويا قال بسرعة
اتفضل يا حاج، إحنا تحت أمرك.
قال والد ياسين
أنا من أول ما دخلت البيت لاحظت إن بنتكم قليلة الكلام، وكل ما حد كان يتكلم عليها كانت بتسكت وتبتسم.
بص ناحيتي، ثم أكمل
وده مش ضعف... ده تربية.
حسيت بحرارة في وشي، ونزلت عيني في الأرض من الكسوف.
ثم قال
لكن من النهارده، أتمنى محدش في البيت ده يجرحها بكلمة تاني.
الصالة كلها سكتت.
عمتي حاولت تضحك وقالت
إحنا كنا بنهزر معاها بس.
والد ياسين رد باحترام، لكن بحزم
في هزار بيفرح... وفي هزار بيسيب أثر في القلب سنين.
الكلمة دي خلت ملامح عمتي تتغير.
أما عمي، فقال
والله ما كنا نقصد نزعلها.
ابتسم الرجل وقال
وأنا مصدق إنكم مكنتش تقصدوا، علشان كده بطلب الطلب ده من دلوقتي.
ثم التفت ناحيتي وقال
يا بنتي... من النهارده إنتِ بنتنا زي ما إنتِ بنتهم.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أم ياسين قامت من مكانها، وقربت مني، ومسحت دموعي بطرف منديلها وقالت
أنا كان نفسي من زمان يبقى عندي بنت.
أمي كانت أول مرة تبصلي بالشكل ده، وكأنها بدأت تشوفني بعين مختلفة.
وفجأة...
رن هاتف ياسين.
استأذن بهدوء وخرج يرد.
عدت دقيقة... اتنين... خمسة.
ولما رجع، كانت
وشه كان هادي... لكن واضح إن في خبر كبير وصله.
والده سأله
خير يا ياسين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال
خير إن شاء الله... لكن في موضوع لازم أبلغكم بيه قبل ما نمشي.
الصالة رجعت تسكت.
أما أنا... فحسيت إن قلبي بيدق بقوة، لأن نبرة صوته كانت بتقول إن اللي هيقوله دلوقتي ممكن يغيّر شكل اليوم كله.
أخذ نفسًا عميقًا، ونظر إلى الجميع، ثم قال
في ظرف طارئ حصل في الشركة... وعلشان كده مضطر أغيّر الخطة اللي كنت مرتبها لطلب إيدها.
نظر إليه الجميع في دهشة، بينما تبادل أهلي النظرات، وكل واحد بدأ يتساءل في داخله
يا ترى إيه الخطة اللي كان محضرها؟ وإيه اللي حصل وخلاه يغيرها في آخر لحظة؟مدّ الحاج عبد الرحيم إيده للظرف، وفتحه بهدوء وسط نظرات الفضول.
أخرج منه ورقة مطوية بعناية، وصورة صغيرة.
ناول الصورة لأبويا أولًا.
أبويا بص فيها باستغراب، ثم سلّمها لعمي، وبعدها بدأت الصورة تلف بين الموجودين.
كانت صورة من كاميرا محل قريب من المسجد.
أنا واقفة فيها، وبمد إيدي بالمحفظة للحاج عبد الرحيم، وهو بيحاول يديني فلوس وأنا برفض.
عمي رفع عينه وقال بدهشة
إنت احتفظت بالصورة دي كل السنين دي؟
ابتسم الحاج عبد الرحيم وقال
أيوه... لأن الموقف ده بقى نادر.
ثم فتح الورقة وقال
دي شهادة بخط إيدي، كتبتها يومها، لأنني كنت حاسس إن البنت دي في يوم من الأيام هتحتاج حد يشهد بأخلاقها.
بدأ يقرأ بصوت هادئ
أشهد أمام الله أن ابنة هذا البيت ردّت لي أمانة كبيرة، ورفضت أي مقابل، ولم تكن تعرفني ولم أكن أعرفها، وما فعلته كان ابتغاءً لوجه الله.
ساد الصمت في المكان.
حتى أولاد عمي، اللي كانوا أكثر الناس سخرية مني، بقوا مطأطئين رؤوسهم.
والدة ياسين مسحت دمعة من عينها وقالت
الورق ده بالنسبة لي أغلى من أي شهادة.
ثم نظرت إلى أبي وقالت
حضرتك
أبويا لأول مرة من بداية الجلسة، بصلي نظرة طويلة، ثم قال بصوت منخفض
سامحيني يا بنتي... يمكن إحنا ظلمناكي بكلامنا.
الكلمة دي هزت قلبي.
عمري ما تخيلت أسمع اعتذار بالشكل ده.
لكن قبل ما أتكلم...
وقف ياسين من مكانه، وقال بابتسامة
أنا شايف إن النهارده عرفنا بعض كويس، وده أهم من أي اتفاق.
ثم أخرج من جيبه دفترًا صغيرًا، وناوله لأبي.
وقال
دي قائمة بالمواعيد المناسبة لينا خلال الشهر الجاي، اختاروا اليوم اللي يريحكم للخطوبة، وإحنا هنكون موجودين.
ابتسم الجميع، وبدأ الجو يرجع هادئًا من جديد.
لكن في آخر الجلسة...
وأثناء وقوف أم ياسين استعدادًا للمغادرة...
التفتت إليّ وقالت بابتسامة غامضة
بالمناسبة... أنا لسه ما قلتلكيش الحاجة اللي شدتني فيكي من أول لحظة دخلت فيها البيت.
كل الموجودين التفتوا إليها في فضول.
أما أنا... فوقفت في مكاني، أنتظر أعرف ما الذي رأته فيّ من أول نظرة، ولم تنطق به إلا الآن اتسعت عيون الجميع وهم يحاولون يشوفوا مين اللي واقف على الباب.
بعد ثواني، دخل رجل في أوائل الستينات، لابس جلابية نظيفة ووشه كله هيبة ووقار.
أبويا قال بدهشة
يا حاج عبد الرحيم! نورت.
ابتسم الرجل وسلم على الموجودين واحدًا واحدًا، ثم اعتذر وقال
سامحوني إني جيت من غير ميعاد، بس كنت معدي من هنا، وسمعت إن عندكم مناسبة.
كان معروف في البلد إنه راجل كبير في السن، وكل الناس بتحترمه بسبب أخلاقه، مش بسبب فلوسه.
أول ما شاف ياسين، ابتسم وقال
واضح إن ده العريس.
وقف ياسين وسلم عليه باحترام، وقبل رأسه.
الحاج عبد الرحيم ابتسم وقال
الأدب قبل أي حاجة.
ثم التفت ناحية أبي وقال
مبروك يا أبو... ربنا يتمم على خير.
بعدها حصل شيء غريب.
الحاج عبد الرحيم بصلي شوية، ثم قال
البنت دي أنا أعرفها من زمان.
استغرب الجميع.
أبويا
تعرفها إزاي؟
ابتسم الرجل وقال
من حوالي سنتين، كنت خارج من المسجد بعد صلاة الجمعة، وحصل إن محفظتي وقعت مني، وكان فيها مبلغ كبير وأوراق مهمة.
الصالة كلها سكتت.
أكمل
الناس كانت ماشية، ومحدش خد باله... إلا بنتكم.
بدأ قلبي يدق بسرعة.
كنت فعلًا فاكرة الموقف... لكن عمري ما حكيت لحد عنه.
قال الحاج عبد الرحيم
جريت ورايا أكتر من شارع علشان ترجعلي المحفظة، ولما حاولت أديها مكافأة، رفضت وقالت ده حق حضرتك، وأنا معملتش غير الواجب.
بص ناحيتي بابتسامة أبوية وقال
من يومها وأنا بدعيلها في كل صلاة إن ربنا يرزقها بابن الحلال اللي يقدرها.
أمي بصتلي بدهشة وقالت
ليه ما قولتيش لحد؟
ابتسمت في هدوء وقلت
لأنه موقف عادي... مكنتش مستنية عليه شكر.
ساد الصمت مرة تانية.
والدة ياسين كانت تنظر إليّ بابتسامة رضا، بينما والده قال
الإنسان بيبان وقت المواقف، مش وقت الكلام.
أما ياسين، فابتسم وقال
وده بالضبط السبب اللي خلاني أتمسك بيها.
شعرت لأول مرة أن الجميع بدأ يراها كما رآها هو... لا من خلال لون بشرتها، بل من خلال أخلاقها.
لكن في نفس اللحظة...
أخرج الحاج عبد الرحيم ظرفًا صغيرًا من جيبه، ووضعه على الطاولة أمام أبي.
وقال بهدوء
وفي أمانة عندي تخص بنتكم... احتفظت بيها سنتين كاملين، ومستني اليوم المناسب علشان أسلمها.
تبادل الجميع نظرات الحيرة.
أما أنا... فتجمدت في مكاني، لأنني لم أكن أتذكر أن هناك أي أمانة تركتها عنده.
وظلت كل العيون معلقة بالظرف، بينما مدّ الحاج عبد الرحيم يده نحوه ببطء، استعدادًا لفتحه أمام الجميع...ابتسمت أم ياسين وهي تنظر إليّ، ثم أشارت إلى الكنبة وقالت
اقعدي يا بنتي جنبي.
قعدت وأنا في قمة التوتر.
مسكت إيدي برفق وقالت
عارفة أول حاجة لفتت نظري فيكي إيه؟
هزيت رأسي بالنفي.
قالت
وأنا داخلة البيت، كل
استغربت كلامها.
ابتسمت وأكملت
إنتِ كنتِ في المطبخ بتساعدي والدتك، ولما خرجتي بالصينية، كنتِ بتبصي في الأرض
متابعة القراءة