انا ٢٥ سنه
المحتويات
تانية.
الكلمات دي نزلت على راسي زي البلسم، لكن على وشوش أهلي كانت زي الصفعة.
عمتي قالت وهي بتحاول تغير الموضوع
بس يعني... أنت شاب ناجح، وكان قدامك اختيارات كتير.
ابتسم وقال
الرزق والنصيب مش بيتقاسوا بالشكل.
أول مرة في حياتي أحس إن حد بيدافع عني قدام الناس كلها.
لكن في اللحظة دي...
أم ياسين حطت فنجان القهوة على الترابيزة بهدوء، وبصت ناحية أمي وقالت
ممكن أتكلم مع البنت لوحدنا خمس دقايق؟
الكلمة وقعت على الكل كالصاعقة.
أمي بصت لأبويا باستغراب، وأبويا بص لي، وأنا حسيت إن قلبي هيخرج من مكانه.
ابن عمي همس بصوت واطي
أكيد هتعتذر بطريقة محترمة.
والهمس بدأ ينتشر في الصالة.
واضح إنها مش مقتنعة.
شكلها هترفض.
معقول ابنها يرضى؟
أما ياسين... فكان هادي بشكل غريب، كأنه عارف حاجة محدش يعرفها.
قامت أمه من مكانها، وقربت مني بابتسامة خفيفة وقالت
تعالي يا بنتي... عاوزة أتعرف عليكي بعيد عن الزحمة.
مشيت وراها ناحية البلكونة الصغيرة، بينما كل العيون كانت بتراقبنا.
أول ما قفلت الباب وراها، بصتلي من فوق لتحت مرة تانية...
ثم مدت إيدها ناحيتي...
وقالت جملة واحدة خلت دقات قلبي تتسارع، وحسيت إن الدقائق الجاية ممكن تغير حياتي كلها...مسك أبويا الورقة بإيده، وعينيه اتحركوا عليها بسرعة.
كل ما كان بيقرأ سطر، ملامحه كانت بتتغير أكتر.
عمي قرب منه وقال باستغراب
في إيه؟ ما تقول يا راجل.
لكن أبويا فضل ساكت.
ناول الورقة لعمي من غير ما ينطق.
عمي قرأها، وبعد ثواني رفع عينه ناحية ياسين وقال بدهشة
ده... ده حضرتك صاحب الشركة دي؟
ابتسم ياسين في هدوء وقال
أيوه.
الهمسات بدأت تدور في الصالة.
شركة إيه؟
واضح إنها كبيرة.
هو معقول؟
أم ياسين قالت بابتسامة هادئة
دي مجرد بطاقة تعريف بالشركة، لأن والد العروسة سأل ابني بيشتغل فين، فحبينا يكون كل شيء واضح.
أبويا
أما أولاد عمي، اللي كانوا من شوية بيتريقوا، بقوا يبصوا لياسين بإعجاب واضح.
واحد منهم قال
ما شاء الله... ربنا يزيدك.
ياسين رد بابتسامة بسيطة
الحمد لله.
ثم لف ناحيتي وقال
لكن كل ده رزق من ربنا، ومش هو السبب اللي خلاني أطلب إيد بنتكم.
أمي سألت باستغراب
أمال إيه السبب؟
بصلي لحظة، ثم قال
لأني شفت بنت محترمة، بتحترم الكبير، وبتصون نفسها، وعندها رضا وقناعة رغم كل اللي مرت بيه.
الصالة سكتت.
الكلام كان موجه للجميع، لكن كل واحد فيهم حس إنه المقصود.
ابن عمي حاول يغير الجو وقال وهو بيضحك
طيب يا أستاذ ياسين... هي كانت بتستخبى مننا ولا إيه؟
ابتسم ياسين، لكنه قال بهدوء
لأ... هي كانت قدامكم طول الوقت، بس اللي بيبص بعينه بس عمره ما يشوف قيمة الإنسان.
الكلمة وقعت كأنها صفعة.
محدش عرف يرد.
حتى عمتي اللي كانت أكتر واحدة بتعلق على شكلي، نزلت عينيها في الأرض.
بعد دقائق، بدأت أم ياسين تتكلم في تفاصيل الخطوبة والميعاد المناسب، والجو بدأ يهدأ.
لكن فجأة...
سمعنا صوت عربية كبيرة وقفت قدام البيت.
كل اللي في الصالة بصوا من الشباك.
بعد ثوانٍ، دخل رجل أنيق في أواخر الخمسينات، وعلى وشه وقار وهيبة.
أول ما شافه ياسين، قام بسرعة وقال
اتفضل يا بابا.
اتجه الرجل وسلم على الجميع بابتسامة، ثم قال معتذرًا
سامحوني على التأخير، كان عندي اجتماع مهم، ومستحيل كنت أسيب مناسبة زي دي من غير ما أبارك بنفسي.
رحب به الجميع، لكن ملامح الدهشة كانت واضحة، لأن حضوره زاد إحساسهم إن العيلة دي مختلفة فعلًا.
وبينما الجميع بيتبادل السلام، قال والد ياسين بهدوء
قبل ما نحدد أي مواعيد... أنا عندي طلب بسيط، وأتمنى محدش يزعل منه.
الجملة دي خلت الأنظار كلها تتجه نحوه، والصالة رجعت تسكت من جديد، وكل واحد بقى مستني يعرف... إيه هو الطلب اللي هيقوله؟وقفت
بصيت لإيدها الممدودة، ومديت إيدي بتردد، فمسكتها برفق، وابتسمت ابتسامة هادية وقالت
متخافيش... أنا مش هكسرك.
الجملة دي لوحدها خلت الدموع تلمع في عيني.
قالت وهي بتربت على إيدي
أنا من أول ما دخلت البيت، مكنتش ببص على لون بشرتك ولا شكلك... كنت ببص على حاجة أهم.
سكتت لحظة، وكأنها بتختار كل كلمة بعناية.
كنت ببص على طريقة وقوفك، واحترامك، وطريقتك مع أهلك، وإنتي داخلة بالصينية.
مش عرفت أرد، فاكتفيت إني هزيت راسي.
ابتسمت وقالت
ياسين عمره ما كان بياخد قرار بسرعة. ولو اختارك، يبقى أكيد شاف فيكي حاجة كبيرة.
في اللحظة دي حسيت إن الحمل اللي على قلبي بدأ يخف.
لكنها فجأة سألتني
قوليلي بصراحة... إنتي موافقة على ابني علشان شخصه... ولا علشان مستواه المادي؟
السؤال نزل عليّ فجأة.
رفعت عيني وبصيتلها بثبات وقلت
لو كان الفلوس هي اللي بتهمني، كنت وافقت على أي حد غني حتى لو معاملته وحشة. أنا وافقت على ياسين لأنه أول إنسان حسسني إني إنسانة ليها قيمة.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدها ابتسمت ابتسامة أكبر من الأول.
وفي نفس اللحظة...
وصلهم صوت عالي جاي من الصالة.
يعني إيه مؤخر الصداق بالشكل ده؟!
كان صوت عمي.
أنا وأم ياسين خرجنا بسرعة، لقينا الكل واقف.
عمي كان ماسك الورقة اللي بيسجلوا فيها الاتفاقات، ووشه كله اعتراض.
وقال بنبرة حادة
إحنا بنحافظ على حق البنت.
لكن الغريب إن ياسين كان هادي جدًا، وقال
ولا يهم حضرتك... حقها محفوظ.
عمتي اتدخلت بسرعة وقالت
طيب والشبكة؟
ابتسم ياسين وقال
كل اللي يليق بيها.
بدأت الهمسات تنتشر في البيت.
واضح إنه مقتدر.
أكيد عيلة كبيرة.
إزاي وافق عليها؟
ولأول مرة، نفس الناس اللي كانوا بيسخروا مني من يومين، بقوا بيتكلموا عني باهتمام.
لكن في وسط الكلام...
أم ياسين فتحت حقيبتها بهدوء، وأخرجت
ثم قالت في هدوء شديد
قبل ما نكمل أي كلام... في حاجة لازم تشوفوها الأول.
الأنظار كلها اتجهت ناحية الظرف.
أبويا مد إيده ببطء وفتحه...
وأول ما وقعت عينه على اللي جواه، اتغير لون وشه فجأة، وبص لياسين في ذهول، بينما الصالة كلها غرقت في صمت ثقيل، وكل واحد بقى مستني يعرف... إيه السر اللي جوه الظرف؟فضلت الأنظار كلها معلقة بياسين.
أبويا قال بقلق
خير يا ابني؟ حصل حاجة؟
ابتسم ياسين ابتسامة مطمنة وقال
اطمنوا... مفيش أي مشكلة تخص الجواز، بالعكس.
كل الموجودين تنفسوا الصعداء.
أكمل وهو بيبصلي
أنا كنت مرتب إن بعد ما نتفق على كل حاجة، آخد إذنكم وأخدها هي ووالدها ووالدتها نتعشى برة احتفالًا بأول خطوة بين العيلتين.
ابتسمت أمه وقالت
وكان حاجز من أسبوع.
ثم أكمل ياسين
لكن الشركة بلغوني من شوية إن في وفد مهم هيزورنا بكرة الصبح، ولازم أكون موجود، فاضطريت ألغي العشا.
عمي قال بسرعة
دي حاجة بسيطة.
لكن ياسين هز رأسه وقال
عشان كده فكرت في حاجة تانية.
فتح درج صغير كان معاه، وأخرج علبة مخملية أنيقة.
الكل بص عليها باستغراب.
فتحها بهدوء...
وكان بداخلها خاتم رقيق، تصميمه بسيط لكنه في منتهى الذوق.
نظر إلى أبي وقال بكل احترام
أنا عارف إن كتب الكتاب والخطوبة ليهم أصولهم، والخاتم ده مش خطوبة رسمية، ولا هلبسهولها دلوقتي.
ثم أغلق العلبة مرة أخرى ووضعها أمام أبي.
وقال
أنا بسيبه أمانة عند حضرتك... لحد اليوم اللي تحددوه للخطوبة.
الصالة كلها انبهرت من تصرفه.
أبويا مسك العلبة وهو مش قادر يخبي تأثره.
أما أمي، فكانت أول مرة أشوف الدموع في عينيها بسببي.
في اللحظة دي...
دخلت بنت عمي من باب الشقة بعد ما كانت برة.
أول ما شافت ياسين، وقفت مكانها.
كانت هي نفسها من أكتر الناس اللي كانوا يقولولي
محدش هيبصلك.
بصتلي... ثم بصت لياسين.
وقالت باستغراب
هو... هو ده العريس؟
محدش رد.
لكن الصمت كان كافي.
اقتربت أكثر، ثم قالت وهي بتحاول تبتسم
ما شاء الله... ربنا
متابعة القراءة