جالي ميراث
مابقاش فيه داعي نكمل التمثيل.
أول مرة...
ينطق كلمة واحدة عن الطلاق.
لكن قبل ما أسأله أي سؤال...
وقفت عربية سوداء فاخرة قدام الفيلا.
نزل منها رجل كبير في السن، شيك جدًا، ومعاه عصاية أنيقة.
أول ما شافني...
ابتسم.
وقال بصوت هادئ
أخيرًا قابلتك يا مدام ندى...
أما كريم...
فاتغير لون وشه بالكامل.
واضح إنه كان يعرف الرجل جيدًا...
لكن ماكانش متوقع يشوفه واقف قدام البيت كريم اتحرك خطوة لقدام بسرعة.
وقال باحترام واضح
حضرتك هنا؟
الرجل الكبير بصله ثواني...
ورد بهدوء
أيوه... وجاي أقابل مدام ندى.
الجملة نزلت على كريم كأنها مفاجأة.
أما أنا، فكنت أول مرة أشوف الراجل ده.
قلت
حضرتك تعرفني؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
أعرف عنك أكتر مما تتخيلي.
طلع من جيبه كارت أنيق ومدهولي.
بصيت فيه.
كان مكتوب
الدكتور فؤاد السيوفي
رئيس مجلس أمناء مؤسسة السيوفي للتنمية.
قلت باستغراب
إحنا اتقابلنا قبل كده؟
هز رأسه.
لا... لكن كان لازم نتقابل من زمان.
كريم حاول يتدخل.
لو الموضوع يخص ندى، ممكن نتكلم كلنا.
الرجل بصله بهدوء وقال
للأسف... الحديث خاص بيها.
حماتي كانت واقفة عند باب الفيلا تتابع اللي بيحصل.
وقالت بصوت عالي
خير يا جماعة؟
الدكتور فؤاد التفت ناحيتها بابتسامة مهذبة.
ولا أي حاجة... مجرد أمانة بنسلمها لصاحبتها.
كلمة أمانة خلت الكل يبص لبعض.
بعدها فتح مساعده حقيبة جلد صغيرة، وطلع صندوق خشب قديم، حجمه قد الكف تقريبًا.
كان مقفول بقفل نحاسي صغير.
الدكتور فؤاد أخده بإيده، وسلمهولي.
وقال
الصندوق ده كان ضمن متعلقات المرحومة... وكانت وصيتها إنه مايتفتحش إلا بعد ما تستلمي الميراث بنفسك.
بصيت للصندوق باستغراب.
كان قديم جدًا، لكن محفوظ بعناية.
سألته
والمفتاح؟
ابتسم.
المفتاح مش معايا.
اتسعت عيني.
أمال أفتحه إزاي؟
رد بهدوء
ده جزء من الوصية.
في اللحظة دي...
كريم قرب خطوة، وكأنه بيحاول يشوف اللي في إيدي.
لكن الدكتور فؤاد لاحظ الحركة، وقال بنبرة حاسمة
الصندوق ملك لمدام ندى وحدها.
اتراجع كريم من غير كلمة.
ثم أخرج الدكتور فؤاد ظرفًا مختومًا وقال
وده خطاب كان لازم أوصلهولك في نفس اليوم.
حطيته
الدكتور فؤاد ابتسم وقال
لما تقري الخطاب... هتفهمي ليه المرحومة أصرت إن كل حاجة تتم بالترتيب ده.
ثم استأذن وانصرف.
العربية السوداء تحركت بهدوء...
وسابت وراها صمت غريب.
رجعت ببصري لكريم.
كان مركز نظره على الصندوق الخشبي.
ولأول مرة من سنين...
شفت في عينيه فضولًا أكبر من أي كلام.
أما أنا...
فقررت إني مش هافتح الخطاب...
ولا الصندوق...
قدام أي حد دخلت الفيلا من غير ما أبص لحد.
الصندوق في إيدي...
والظرف جوه شنطتي.
كنت حاسة إن كل العيون بتراقبني.
حماتي قالت وهي بتحاول تخفي فضولها
هو الراجل ده كان عايز إيه؟
ابتسمت بهدوء.
قال إنه بيسلّم أمانة.
قالت بسرعة
وأمانة إيه دي؟
رفعت الصندوق قدامها ثانية...
وبعدين نزلته.
وصية خاصة.
ملامحها اتغيرت.
واضح إنها ماعجبهاش إن حد يرفض يشرح لها.
أما كريم، فكان ساكت بشكل غريب.
ولما دخلت أوضة النوم، لقيته دخل ورايا وقفّل الباب.
قال بهدوء
ممكن نتكلم؟
لفيت ناحيته.
أكيد.
قعد على طرف السرير، وحط كوعه على ركبته.
وقال
أنا عارف إن عندك أسئلة كتير.
ابتسمت.
دي أول جملة حقيقية أسمعها منك من يومين.
نزل بعينه للأرض.
وبعدين قال
بس قبل أي حاجة... عايز أشوف الورقة اللي الراجل سلمها ليكي.
هزيت راسي.
لأ.
رفع عينه بسرعة.
ليه؟
قلت بهدوء
لأنها باسمي.
سكت.
واضح إنه ماكانش متوقع الرد.
بعد لحظات، خرج من الأوضة من غير كلمة.
وأول ما سمعت باب الأوضة اتقفل...
قفلت الباب بالمفتاح.
طلعت الظرف.
كان مختوم بالشمع الأحمر.
كسرته بحذر.
جواه ورقة واحدة...
بخط قديم جدًا.
مكتوب فيها
إذا وصل إليك هذا الخطاب، فمعنى ذلك أن كل شيء سار كما خططت له. لكن قبل أن تعرفي الحقيقة كاملة، ابحثي أولًا عن المفتاح. لأن ما بداخل الصندوق أهم من الميراث نفسه.
وقفت عند آخر السطر.
قلبت الورقة.
لقيت في ضهرها رسم صغير...
يشبه خريطة.
وفي آخرها رمز غريب محفور بالقلم.
كنت لسه بحاول أفهمه...
لما سمعت صوت خبط خفيف على باب الأوضة.
ندى...
كان صوت كريم.
ممكن تفتحي؟
ما رديتش.
كرر بهدوء
في حاجة لازم تشوفيها.
فتحت الباب بحذر.
كان واقف ماسك ظرف بني كبير.
مدهولي
الظرف ده وصل من ساعة.
بصيت على المرسل...
واتجمدت.
كان مكتوب بخط واضح
يُسلَّم إلى السيدة ندى فؤاد فقط.
أما اسم المرسل...
فكان اسم الشخص اللي كتب الوصية.
شخص... المفروض إنه توفي منذ سنوات اتسمرت مكاني.
بصيت للاسم مرة...
واتنين...
وتلاتة.
نفس الاسم المكتوب في أوراق الميراث.
نفس التوقيع.
رفعت عيني لكريم.
قلت بهدوء
مين جابه؟
قال
المندوب سأل عليكي بالاسم.
شافك؟
هز رأسه.
أيوه... وقال إن الظرف أمانة، ولازم يتسلم بإيدك.
أخدت الظرف وقفلت باب الأوضة تاني.
قعدت على المكتب.
الظرف كان سميك، لكن خفيف في الوزن.
فتحته بحذر.
طلع منه ملف صغير، وصورة قديمة جدًا، ومفتاح نحاسي مربوط بشريط أزرق.
شهقت بدون قصد.
المفتاح...
نفس حجم قفل الصندوق الخشبي.
أما الصورة...
فكانت لبيت ريفي قديم.
واقف قدامه أربع أشخاص.
اتنين كبار...
وطفلتين صغيرين.
قربت الصورة من عيني.
واحدة من الطفلتين كان على ضفيرتها شريط أبيض.
وفي رقبتها سلسلة على شكل فراشة.
قلبي دق بقوة.
لأن السلسلة دي...
كانت عندي لحد النهارده.
أمي هي اللي لبستهالي وأنا صغيرة.
عمري ما سألتها جابتها منين.
أما الطفلة التانية...
فوشها كان ممزق من الصورة.
كأن حد قصده يخفي ملامحها.
وتحت الصورة مكتوب بقلم حبر قديم
الصيف الأخير... سنة 2000.
فتحت الملف الصغير.
كان أول سطر فيه يقول
قبل ما تعرفي ليه اختارتك المرحومة، لازم تعرفي إن في حقائق عن عيلتك ما اتقالتش ليكي أبدًا.
وقبل ما أكمل القراءة...
سمعت صوت كريم في الصالة بيتكلم في التليفون.
كان صوته واطي...
لكن جملة واحدة وصلتني بوضوح.
قال
أيوه... الظرف وصلها بالفعل... لكن لسه ما فتحتش كل اللي فيه.
تجمدت.
أنا ماكنتش قلت لحد إن الظرف فيه صورة أو مفتاح.
يبقى...
هو كان عارف مسبقًا محتوياته؟
قفلت الملف بسرعة.
وخبيت المفتاح في جيب البالطو.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
ولما بصيت من الشباك...
لقيت الأستاذ نبيل واقف برة، وشكله متوتر لأول مرة.
وأول ما فتحت الباب قال بسرعة
مدام ندى... لو المفتاح وصلك، أوعي تفتحي الصندوق الليلة... في حاجة لازم تعرفيها الأول.
ثم التفت بسرعة ناحية
لأنه لاحظ عربية بيضا كانت واقفة من ساعة...
ولسه ما تحركتش بعد ما الأستاذ نبيل شاف العربية البيضا، مسك إيدي وقال بسرعة
اسمعيني كويس... افتحي الصندوق، لكن وإنتِ لوحدك.
ركب عربيته ومشي.
أما العربية البيضا...
فاتحركت هي كمان واختفت.
رجعت أوضتي وقفلت الباب.
طلعت المفتاح النحاسي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بحطه في القفل.
أول ما لف...
القفل اتفتح بسهولة.
فتحت الصندوق ببطء...
كان جواه ظرف مخملي أسود، وميدالية فضة صغيرة، ووصية مكتوبة بخط اليد.
فتحت الوصية.
وكان أول سطر فيها
يا ندى... لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا رحلت، وإنتِ بقيتي صاحبة كل اللي أملك. لكن السبب مش إنك أقرب واحدة ليا... السبب إنك الوحيدة اللي رفضت تبيع ضميرها.
كملت القراءة والدموع في عيني.
عرفت إن الست اللي ورثتني كانت بتتابعني من سنين عن طريق ناس تثق فيهم.
كانت تعرف إني بصرف على أمي لحد آخر يوم في عمرها.
وتعرف إني اشتغلت وتعبت، وما استغلتش اسم جوزي ولا نفوذه.
وعرفت كمان إن الهدية اللي جبتها لحماتي، رغم إنها رفضتها، كانت هي السبب اللي خلاها تتأكد إن الكرم عندي طبع، مش مصلحة.
وفي آخر الوصية كتبت
الثروة دي اختبار قبل ما تكون نعمة. لو استخدمتيها عشان تنتقمي، هتخسري نفسك. ولو استخدمتيها عشان تبني بيها حياة جديدة، هتكسبي العمر كله.
قفلت الوصية...
وأول مرة من يومين...
حسيت براحة.
في اليوم التالي، اتصلت بمحاميي، وطلبت منه يبدأ كل الإجراءات القانونية المتعلقة بالطلاق، وتسليم نسخة رسمية منه، وإنه ينهي أي ارتباط مالي أو إداري بيني وبين كريم وفق القانون.
ولما كريم عرف إني عرفت الحقيقة، طلب يقابلني.
قعد قدامي وقال
أنا كنت ناوي أقولك... بس الظروف اتعقدت.
بصيتله بهدوء.
وقلت
اللي بيستخبى شهرين... ماكانش بيدور على الوقت المناسب، كان بيدور على مصلحته.
سكت.
وما لقاش رد.
قومت من مكاني، وحطيت قدامه مفتاح البيت.
وقلت
كل واحد فينا يكمل طريقه باحترام.
خرج من غير ما يبص وراه.
بعد شهور...
بعت جزءًا كبيرًا
من الميراث لإنشاء مؤسسة تحمل اسم أمي، تقدم منحًا دراسية، وتدعم العلاج، وتساعد السيدات اللي بيبدأوا
أما البيت...
فما بقاش مليان صمت وإهانة.
بقى مليان ناس بترجع لها ابتسامتها.
وساعتها فهمت معنى آخر جملة في الوصية...
إن أغنى إنسان مش اللي يملك مئة مليون جنيه... أغناه هو اللي يقدر ينام مرتاح الضمير، مهما كانت الفلوس اللي في حسابه.
تمت.