بنت رجل الاعمال
المحتويات
سنوات أخرى...
وأصبح مركز ليان مرجعًا يقصده الأطباء من مختلف المحافظات للحالات النادرة التي يصعب تشخيصها.
وفي صباح يوم هادئ، دخلت إلى المركز أم تحمل طفلها الصغير بين ذراعيها، وكانت الدموع لا تفارق عينيها.
قالت للطبيب
لفّيت بيه على مستشفيات كتير... وكل واحد قال كلام غير التاني. محدش عارف ابني ماله.
كانت ليان، التي أصبحت متطوعة في المركز إلى جانب دراستها، تمر من الممر في تلك اللحظة.
توقفت عندما رأت نظرة الخوف في عيني الأم.
ابتسمت لها وقالت
اطمني... إحنا أول حاجة بنعملها هنا إننا نسمع، وبعدها نبدأ نفهم.
ابتسمت الأم لأول مرة منذ أيام.
وبعد سلسلة من الفحوصات الدقيقة، استطاع الفريق الطبي الوصول إلى التشخيص الصحيح، وبدأ الطفل رحلة العلاج مبكرًا.
خرجت الأم من غرفة الطبيب وهي تبكي، لكنها هذه المرة كانت دموع فرحة.
اقتربت من ليان، وأمسكت يدها وقالت
أنا معرفش أشكرك إزاي... أنتم رجعتوا الأمل لبيتي.
ابتسمت ليان وقالت
من سنين، كنت أنا مكان ابنك... وفي ناس وقفوا جنبي. النهارده جه دوري أقف جنب غيري.
كان منصور يراقب المشهد من مكتبه الزجاجي.
ابتسم في هدوء، ثم نظر إلى صورة زوجته الراحلة المعلقة على الحائط وهمس
شفتي يا هناء؟... بنتنا بقت النور اللي بينقذ ناس كتير.
في تلك اللحظة، دخلت سارة تحمل ملفًا جديدًا، وقالت وهي تبتسم
فيه طفل تاني وصل دلوقتي... ويحتاج كل خبرتنا.
وقفت ليان فورًا، وارتدت معطفها الأبيض، واتجهت بخطوات واثقة نحو غرفة الاستقبال.
كانت تعرف أن كل طفل يدخل هذا المكان يحمل حكاية مختلفة...
لكنها كانت تؤمن أيضًا أن كل حكاية تستحق فرصة جديدة.
وهكذا استمرت رحلة ليان، لا كبطلة نجت من المرض فقط، بل كإنسانة جعلت من تجربتها سببًا في منح الأمل لكل من طرق باب المركز بعد عامين...
كانت ليان قد أنهت المرحلة الثانوية بتفوق،
وفي أول يوم تدريب لها داخل مركز ليان للحياة، دخل رجل مسن يحمل حقيبة جلدية قديمة.
طلب مقابلة منصور الهواري.
دخل إلى المكتب، ووضع الحقيبة على الطاولة وقال
أنا المحاسب القانوني اللي كان مسؤول عن المؤسسة في أول تأسيسها... وكنت محتفظ بحاجة لازم ترجع لصاحبها.
فتح الحقيبة، وأخرج دفترًا صغيرًا.
كان دفتر مذكرات كتبته ليان وهي طفلة أثناء فترة مرضها.
نظر منصور إلى ابنته وقال
أنا أول مرة أشوفه.
فتحت ليان الدفتر ببطء، وبدأت تقرأ.
كانت أول صفحة مكتوب فيها
لو ربنا شفاني، هساعد أي طفل يخاف من المستشفى زي ما كنت بخاف.
وفي صفحة أخرى
بابا بيضحك قدامي... لكنه بيعيط لما يفتكر إني نايمة.
لم يتمالك منصور نفسه، وانهمرت دموعه.
أما الصفحة الأخيرة، فكانت تحمل أمنية واحدة فقط
يا رب... لو كتبتلي عمر جديد، خليني سبب في إن طفل تاني يعيش.
أغلقت ليان الدفتر وهي تبتسم.
ثم خرجت إلى صالة الاستقبال، فوجدت طفلًا صغيرًا يبكي لأنه خائف من دخول غرفة الكشف.
جلست أمامه على ركبتيها، وأخرجت من جيبها لعبة صغيرة كانت تحتفظ بها دائمًا.
وقالت له
عارف؟... وأنا قدك كنت بخاف زيك بالظبط.
رفع الطفل رأسه وسألها
وبعدين؟
ابتسمت ليان وقالت
وبعدين عرفت إن الخوف بيصغر... لما نلاقي حد يمسك إيدنا.
مد الطفل يده إليها، فأمسكتها برفق، ودخل معها إلى غرفة الكشف وهو يبتسم.
وقف منصور يراقب المشهد من بعيد، وشعر أن أمنية ابنته التي كتبتها وهي طفلة، أصبحت حقيقة تعيش كل يوم.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر أن رحلتهم لم تكن مجرد معاناة انتهت بالشفاء، بل بداية طريق طويل من الخير، سيظل أثره باقيًا في حياة آلاف الأطفال بعد مرور سبع سنوات...
أصبحت الدكتورة ليان الهواري من أصغر الأطباء المتخصصين في أمراض الأطفال
وفي إحدى ليالي الشتاء، وصلت إلى المركز سيارة إسعاف تحمل طفلة في التاسعة من عمرها فاقدة للوعي.
كان الأطباء يحاولون إنقاذها، بينما والدها يقف خارج غرفة الطوارئ يبكي في صمت.
اقتربت منه ليان، ولاحظت أنه يرتدي ملابس عامل بسيط، وقدماه مليئتان بالغبار، وكأنه جاء جريًا من عمله.
قال الرجل بصوت مكسور
بعت كل اللي أملكه... ومش معايا جنيه واحد أكمل بيه علاجها.
ابتسمت ليان وربتت على كتفه وقالت
اطمن... في المكان ده، علاج الأطفال عمره ما كان مرتبط بقدرة أهلهم على الدفع.
دخلت غرفة الطوارئ، وظلت مع الفريق الطبي ساعات كاملة حتى استقرت حالة الطفلة.
خرجت قبل الفجر مباشرة.
ابتسمت للأب وقالت
بنتك بخير... وهتحتاج شوية علاج ومتابعة، وإن شاء الله هترجع البيت قريب.
لم يتمالك الرجل نفسه، وجثا على ركبتيه يشكرها.
أسرعت ليان ترفعه وقالت
متشكرنيش... اشكر ربنا.
بعد أسبوع، خرجت الطفلة من المركز وهي تمسك بيد أبيها وتلوح للجميع.
وقبل أن تغادر، أخرجت من حقيبتها الصغيرة ورقة مطوية وأعطتها لليان.
فتحتها بعد رحيلها.
كانت الورقة مرسومًا عليها طبيبة ترتدي معطفًا أبيض، وبجوارها أطفال كثيرون يبتسمون.
وفي أسفل الرسمة كتبت الطفلة
لما أكبر... نفسي أبقى زيك.
ابتسمت ليان، وأغلقت الورقة برفق، ثم وضعتها داخل دفتر مذكراتها القديم، بجوار أول أمنية كتبتها وهي طفلة.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن الخير لا ينتهي عند الشخص الذي يفعله...
بل يمتد ليصنع خيرًا جديدًا في قلوب الآخرين، جيلًا بعد جيل بعد عدة أشهر، كانت الدكتورة ليان تستعد لإلقاء محاضرة عن الأمراض النادرة أمام مجموعة من الأطباء الشباب.
وقبل أن تبدأ، دخل موظف الاستقبال مسرعًا وقال
يا دكتورة... في طفل برّه رافض يدخل غير لما
ابتسمت ليان وخرجت.
وجدت طفلًا في السابعة من عمره يختبئ خلف والدته وهو يرتجف من الخوف.
جلست أمامه وقالت بابتسامة
اسمك إيه يا بطل؟
قال بصوت خافت
آدم.
ناولته لعبة صغيرة على شكل دب، وقالت
الدب ده كان معايا وأنا صغيرة لما كنت بتعالج هنا.
اتسعت عينا الطفل وسألها
إنتِ كنتي مريضة؟
هزت رأسها وقالت
أيوه... وكنت بخاف من الحقنة أكتر منك.
ضحك الطفل لأول مرة.
ثم أمسك يدها بنفسه، ودخل غرفة الكشف دون بكاء.
كانت والدته تراقب المشهد وهي تمسح دموعها.
وبعد انتهاء الكشف، قالت لليان
يمكن حضرتك ما تعرفيش... لكن ابني بقاله شهر رافض يدخل أي مستشفى.
ابتسمت ليان وقالت
الطفل محتاج يحس بالأمان قبل العلاج.
في المساء، عاد منصور إلى المركز بعد اجتماع طويل.
وجد لوحة كبيرة معلقة عند المدخل، كتب عليها
هنا... لا يفقد أي طفل حقه في الأمل.
وقف يتأملها طويلًا.
ثم التفت إلى سارة، التي ما زالت تعمل بالمؤسسة رغم مرور كل تلك السنوات.
قال لها بابتسامة ممتنة
فاكرة أول يوم دخلتي فيه الفيلا؟
ضحكت سارة وقالت
كنت جاية أدور على شغل... وماكنتش أعرف إن ربنا هيكتبلي عيلة جديدة.
ابتسم منصور وهو ينظر إلى ليان، التي كانت تودع الأطفال واحدًا تلو الآخر.
وقال
يمكن المرض أخد مننا سنين صعبة... لكنه علّمنا إن أعظم استثمار في الدنيا هو إنقاذ إنسان.
وفي نهاية اليوم، أُغلقت أبواب المركز، لكن نور الأمل الذي بدأ من غرفة صغيرة في فيلا حزينة، ظل يضيء طريق كل طفل يدخل المكان... وكأن الحكاية لم تنتهِ، بل بدأت من جديد مع كل حياة تُنقذ في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الدكتورة ليان تراجع ملفات المرضى، دخلت سارة إلى مكتبها وهي تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وقد علاه الغبار.
قالت مبتسمة
عمال النظافة لقوه في مخزن الفيلا القديمة... وكان عليه اسمك.
تعجبت ليان، وفتحت
وجدت بداخله ألعابها القديمة، والدبدوب الذي كانت تنام بجواره وهي مريضة، ونوتة صغيرة كان والدها
متابعة القراءة