بنت رجل الاعمال
المحتويات
يكن يصل إليها منذ فترة.
رفع رأسه ونظر إلى سارة، وقال بصوت امتزج فيه الغضب بالأمل
من النهارده... هنعرف الحقيقة كاملة، ومش هسيب أي إهمال من غير حساب.
وفي تلك الليلة، بدأ يراجع بنفسه كل ملفات العلاج، وكل وصفة طبية، وكل علبة دواء دخلت الفيلا خلال الأشهر الماضية... وكانت المفاجآت ما زالت في بدايتها في صباح اليوم التالي، حضر الطبيب المعالج ومعه فريق طبي جديد كلفه منصور بمراجعة حالة ليان من البداية، وكأنهم يرون ملفها لأول مرة.
استمرت الفحوصات ساعات طويلة.
لم يكتفوا بالتحاليل القديمة، بل أعادوا كل شيء من الصفر.
وقبل غروب الشمس، خرج كبير الأطباء من غرفة الاجتماعات وهو يحمل ملفًا سميكًا.
قال لمنصور
في حاجة كانت مستخبية وسط كل التقارير... بنتك عندها حساسية نادرة جدًا من مادة موجودة في أحد الأدوية.
اتسعت عينا منصور.
أكمل الطبيب
المادة دي كانت بتزود تعبها يوم بعد يوم، فكان الكل فاكر إن المرض بيتقدم، بينما جزء كبير من التدهور كان بسبب عدم توافق العلاج مع جسمها.
توقف منصور للحظات، ثم سأل
يعني... لسه في أمل؟
ابتسم الطبيب لأول مرة منذ شهور وقال
أيوه... لكن لازم نبدأ خطة علاج جديدة من النهارده.
في نفس الليلة، أوقفوا جميع الأدوية القديمة، وبدأوا العلاج المناسب تحت متابعة دقيقة.
مرت ثلاثة أيام...
ولأول مرة منذ شهور، طلبت ليان الطعام بنفسها.
كانت مجرد لقيمات بسيطة، لكنها جعلت الدموع تملأ عيني منصور.
وبعد أسبوع، خرجت ليان إلى حديقة الفيلا مستندة إلى كرسي متحرك.
جلست تحت شجرة كانت تحبها وهي صغيرة، ورفعت وجهها للشمس.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
سارة كانت تراقبها من بعيد، فاقتربت ليان ومدت يدها الصغيرة إليها.
قالت بصوت ضعيف
شكراً... علشان ما استسلمتيش.
لم تستطع سارة الرد، واكتفت باحتضانها بحنان.
بعد مرور ثلاثة
وقف الطبيب أمام منصور وقال مبتسمًا
النتائج الأخيرة ممتازة... ليان خرجت من مرحلة الخطر، وحالتها بتتحسن بصورة تفوق توقعاتنا.
ساد الصمت للحظة...
ثم بكى منصور لأول مرة منذ سنوات، وهو يحمد الله على هذه النعمة.
وفي احتفال بسيط داخل الفيلا، شكر جميع أفراد الفريق الطبي، وخص سارة بكلمات لن ينساها أحد
الإنسان مش بيكون عظيم بمنصبه ولا بفلوسه... الإنسان العظيم هو اللي يلاحظ وجع غيره، ويتحرك عشان ينقذه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت سارة فردًا من العائلة، وعادت الضحكة تملأ أرجاء الفيلا، بعد أن كادت تفقد أغلى ما فيها مرّت ستة أشهر...
والفيلا اللي كانت مليانة أجهزة طبية وصوت خطوات الممرضات، رجع فيها صوت الضحك من جديد.
ليان بقت تخرج كل صباح تتمشى في الجنينة، وكل يوم كانت خطواتها تبقى أقوى من اليوم اللي قبله.
أما منصور، فبدأ يرجع يدير شركاته، لكن المرة دي كان بيخلص شغله بسرعة ويرجع قبل غروب الشمس.
كان عنده وعد قطعه على نفسه...
إنه عمره ما يسيب بنته تحس بالوحدة تاني.
وفي أحد الأيام، كانت ليان بترسم في كشك صغير وسط الجنينة.
دخلت سارة عليها، فناولتها ليان لوحة كانت مخبياها.
اللوحة كانت فيها تلات شخصيات.
بنت صغيرة ماسكة إيد راجل... وإيد ست.
وفي أعلى الرسمة كتبت بخطها
العيلة مش بعدد أفرادها... العيلة باللي بيخافوا عليك.
وقفت سارة تقرأ الجملة، وما قدرتش تمنع دموعها.
في اللحظة دي، وصل منصور.
بص للرسمة، وسكت شوية.
ثم قال لسارة
أنا عمري ما هعرف أوفيكي حقك... لكن في حاجة نفسي أعملها.
ناولها ملفًا أزرق.
فتحت الملف باستغراب.
وجدت بداخله عقدًا لإنشاء مؤسسة خيرية تحمل اسم مؤسسة ليان للحياة، هدفها توفير العلاج للأطفال غير القادرين، مع تحمل نفقات الفحوصات والأدوية بالكامل.
وقال
المرض علمني إن في أطفال كتير أهلهم ما عندهمش حتى تمن الكشف... وأنا مش عايز أي أب يعيش اللي أنا عشته.
ابتسمت سارة وقالت
دي أحسن هدية ممكن تسيبها في الدنيا.
وبعد عام واحد...
افتتحت المؤسسة أول مركز طبي مجاني.
وكانت ليان هي أول واحدة تقف عند الباب تستقبل الأطفال بابتسامتها، وتدي كل طفل لعبة صغيرة قبل ما يدخل يكشف.
الأطفال كانوا يضحكوا...
وليان كانت تضحك معاهم.
أما منصور، فكان واقف بعيد يراقب المشهد، وحاسس إن ربنا عوضه مش بس بشفاء بنته...
لكن كمان برسالة يعيش علشانها بقية عمره.
وهكذا انتهت الحكاية، بعدما أثبتت أن الرحمة، والاهتمام، والإصرار على البحث عن الحقيقة، قد يفتحوا باب أمل حتى في أصعب اللحظات بعد مرور ثلاث سنوات...
أصبحت مؤسسة ليان للحياة تستقبل مئات الأطفال كل شهر، وتحولت من مركز صغير إلى واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في المحافظة.
أما ليان، فقد أصبحت في الثانية عشرة من عمرها، مليئة بالحيوية، تعشق الرسم، وتحلم أن تصبح طبيبة أطفال.
وفي يوم الافتتاح الرسمي لفرع جديد للمؤسسة، وقفت ليان أمام الحضور وأمسكت بالميكروفون لأول مرة.
قالت بابتسامة
زمان كنت أنا اللي بقعد على سرير المستشفى مستنية حد يطمني... النهارده نفسي أكون سبب في إن أي طفل يبتسم.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
نظر منصور إلى سارة، وقال بصوت منخفض
لولا ربنا... ثم ملاحظتك وإخلاصك... ما كانتش ليان واقفة هنا النهارده.
ابتسمت سارة وقالت
الفضل لله وحده... وأنا معملتش غير الواجب.
في نهاية الحفل، غرست ليان شجرة صغيرة في حديقة المؤسسة، وعلقت عليها لوحة كتب عليها
الأمل بيكبر... لما حد يزرعه في قلب غيره.
وقف الجميع يلتقطون الصور حول الشجرة، بينما كانت ليان تضحك من قلبها... نفس الضحكة التي ظن الجميع يومًا أنها اختفت إلى الأبد.
ورفع
الحمد لله... الحمد لله على كل نعمة.
وانتهت الحكاية، لكن أثرها ظل يعيش في كل طفل وجد علاجًا، وفي كل أسرة استعادت الأمل بعدما كانت على وشك فقدانه بعد عدة أشهر من افتتاح الفرع الجديد، كانت الحياة تسير بهدوء لأول مرة منذ سنوات.
وفي صباح أحد الأيام، دخل حارس المؤسسة مسرعًا إلى مكتب منصور، وهو يحمل ظرفًا قديمًا مغلقًا بالشمع الأحمر.
قال
الظرف ده لسه وصل، والراجل اللي سابه قال إنه كان وصية من شخص متوفى، وما يتفتحش إلا بعد شفاء الآنسة ليان.
نظر منصور إلى الظرف في دهشة، ثم فتحه بحذر.
كان بداخله خطاب بخط يد الطبيب الذي تابع حالة ليان في بداية مرضها، وكان قد توفي منذ أشهر.
قرأ منصور بصوت مرتجف
إذا كنت تقرأ رسالتي دي، فده معناه إن ليان ربنا كتب لها الشفاء. قبل وفاتي اكتشفت إن سبب تأخر تشخيص حالتها إن مرضها كان نادرًا جدًا، ولم تكن المراجع الطبية المتاحة وقتها كافية لفهمه. أوصيك ألا تجعل ما حدث مع ابنتك يتكرر مع أي طفل آخر.
وتحت الخطاب كان هناك ملف كامل.
يحتوي على أبحاث وملاحظات جمعها الطبيب طوال سنوات عن الأمراض النادرة عند الأطفال، وكان يحلم بإنشاء مركز متخصص لها.
ظل منصور صامتًا لعدة دقائق.
ثم أغلق الملف وقال لسارة
الحلم ده لازم يكمل.
وبالفعل، بدأ في إنشاء مركز أبحاث صغير داخل المؤسسة، يجمع الأطباء من مختلف التخصصات لدراسة الحالات النادرة ومساعدة الأسر التي احتارت في تشخيص أبنائها.
وفي يوم الافتتاح، كانت ليان أول من قص الشريط.
ثم التفتت إلى الأطفال الموجودين وقالت بابتسامة
كل واحد فيكم عنده حلم... أوعوا تستسلموا مهما الطريق كان صعب.
صفق الجميع بحرارة.
وفي تلك اللحظة، شعر منصور أن رحلة الألم التي عاشتها أسرته لم تذهب هباءً، بل أصبحت سببًا في إنقاذ حياة أطفال كثيرين.
وهكذا استمرت الحكاية... لا باعتبارها قصة مرض، بل قصة أمل ترك أثرًا في حياة كل من عرفها مرّت خمس
متابعة القراءة