فى جنازة ابوه
وأشار إلى صورة كبيرة معلقة على الحائط.
كانت صورة أحمد وهو يرتدي زي الإسعاف، وبجواره آدم طفلًا يمسك بيده.
قال يوسف
الحكاية دي بدأت قبل خمسين سنة... يوم الناس كلها افتكرت إن جد جدك مات، لكن طفل صغير رفض يصدق.
جلس الأطفال حوله، وبدأ يحكي لهم القصة من أولها.
كلما وصل إلى جزء، كانت عيونهم تتسع أكثر.
وعندما انتهى، قالت مريم
يعني كلنا موجودين النهارده... بسبب إن طفل ما فقدش الأمل؟
ابتسم يوسف وقال
بعد فضل ربنا... أيوه.
ساد صمت جميل.
ثم وقف يوسف، ورفع كوب الشاي وقال
كل جمعة، مش بنفتكر قصة نجاة وبس... إحنا بنفتكر إن الأسرة لما تتمسك ببعض، تقدر
صفق الجميع، وتعانقوا.
وفي الخارج، كان المطر ينزل بهدوء...
مثل تلك الليلة البعيدة التي بدأت فيها الحكاية.
لكن هذه المرة، لم يكن المطر يحمل خوفًا أو فراقًا...
بل كان يحمل ذكرى جميلة، عن أب عاد إلى أسرته، وطفل علّم الكبار أن الأمل لا يموت.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن بقيت تُروى من جيل إلى جيل، حتى صار كل طفل في العائلة يعرف أن الحب الصادق، والوفاء، والأمل... هي أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان. النهاية
في صباح يوم جمعة هادئ، اجتمعت العائلة كلها في البيت القديم الذي شهد بداية الحكاية.
كانت ريم قد شاب شعرها، وآدم أصبح أبًا لثلاثة
وقف آدم أمام صورة والده أحمد المعلقة في صدر الصالة، ثم قال
عارفين... لو في درس اتعلمناه من اللي حصل، فهو إن الإنسان ميحكمش على حد من شكله.
نظر إليه أبناؤه في صمت.
فأكمل
الناس كلها قالت وأنا عندي تمن سنين إني قاسي، لأني ما عيطتش. لكن محدش كان يعرف إن قلبي كان متعلق بوعد بابا.
ثم أخرج من درج قديم علبة معدنية صغيرة.
فتحها أمام الجميع.
كان بداخلها ورقة صفراء كتبها أحمد بخط يده يوم رجع من الحادث
لو ربنا نجاني، أوعوا تضيعوا وقتكم في الزعل من بعض. الحياة أقصر من الخصام،
سادت لحظة صمت...
ثم قامت ريم وربتت على كتف ابنها وقالت
أبوك ساب لنا أحسن ميراث... المحبة.
في تلك اللحظة، جرى أصغر الأحفاد ووضع دوناتة صغيرة أمام صورة أحمد، وقال ببراءة
دي لجدو... عشان وعده لسه مكمل.
ضحك الجميع، واختلطت الضحكات بالدموع.
رفع آدم عينيه إلى صورة أبيه، وابتسم وقال
المرة دي يا بابا... أنا اللي أوفيت بوعدي. خليت حكايتك تعيش.
خرجت العائلة كلها إلى الحديقة، وأُغلق باب البيت بهدوء.
بقيت صورة أحمد على الحائط، تزينها ابتسامة هادئة، وكأنها تقول إن الإنسان لا يعيش بعد عمره بالمال ولا بالشهرة...
بل بالأثر الطيب الذي
تمت القصة.