فى جنازة ابوه
المحتويات
أن يودعه بنفس الطريقة التي كان يفعلها قبل الحادث.
وقف عند باب البيت وقال مبتسمًا
استنى.
ثم جرى إلى المطبخ، وعاد وهو يحمل كيسًا صغيرًا.
ناوله لأبيه.
فتح أحمد الكيس، فوجد بداخله دوناتين بالشوكولاتة.
ضحك وقال إيه ده؟
رد آدم واحدة ليك... وواحدة ليا. المرة دي أنا اللي بوعدك... لازم ترجع عشان ناكلهم سوا.
احتضنه أحمد بقوة، وقال أوعدك.
في المساء، عاد أحمد فعلًا.
وقبل أن يفتح باب البيت، وجد آدم واقفًا خلف الباب ينتظره، كما كان يفعل دائمًا.
أخرج أحمد الدونات من الكيس، وجلسا يتناولانها معًا وسط ضحكات ريم والجدة أمينة.
قالت الجدة وهي تنظر إليهما
الحمد لله... البيت رجع فيه الروح.
ابتسم أحمد وقال
الفلوس ممكن تتعوض... والعربية ممكن تتصلح... لكن العيلة لو ضاعت، مفيش حاجة في الدنيا تعوضها.
هز الجميع رؤوسهم موافقين.
أما آدم، فأخذ آخر قطعة من الدونات، وقال وهو يضحك
المهم إنك كل مرة توعدني... ترجع.
ابتسم أحمد وربت على رأس ابنه
وده وعد... طول ما ربنا كاتب لي عمر.
ساد البيت دفء لم يعرفوه منذ اختفائه، وأصبح ذلك اليوم ذكرى علمت العائلة كلها أن الأمل لا يموت بسهولة، وأن كلمة صادقة ووعدًا صادقًا قد يمنحان قلب طفل قوة لا يتخيلها أحد.
تمت بعد سنة كاملة، قررت محافظة أحمد تكريمه على شجاعته بعد ما ثبت في التحقيقات إنه خاطر بحياته وهو بيحاول
امتلأت القاعة بالحضور، وصعد أحمد إلى المنصة وسط تصفيق طويل.
لكن قبل ما يتكلم، قال للمذيع
لو سمحت... عايز حد يطلع معايا.
وأشار إلى آدم.
طلع الطفل وهو متوتر، فابتسم له أحمد وأمسك إيده.
وقال أمام الجميع
الناس كلها بتقول إني بطل... لكن البطل الحقيقي هو ابني. لما الكل فقد الأمل، هو الوحيد اللي فضل مؤمن إني هرجع.
وقف الحضور يصفق بحرارة.
ونزلت دموع منى لأول مرة منذ الحادث.
بعد انتهاء الحفل، اقترب صحفي صغير من آدم وسأله
لو رجع بيك الزمن، كنت هتخاف تروح تدور على باباك لوحدك؟
ابتسم آدم وقال
أيوه... كنت خايف جدًا.
استغرب الصحفي وسأله
أمال روحت ليه؟
رد آدم بهدوء
الشجاعة مش إنك متخافش... الشجاعة إنك تعمل الصح حتى وإنت خايف.
انتشرت كلماته على مواقع التواصل، وأصبحت تتردد في المدارس والبرامج.
وفي المساء، رجعت الأسرة إلى البيت.
فتح أحمد الثلاجة، وأخرج علبة دونات كبيرة، ووضعها على السفرة.
ضحكت ريم وقالت
واضح إن الدونات بقت عادة عندكم.
ابتسم أحمد وقال
لأ... دي بقت ذكرى بتفكرنا إن ربنا أحيانًا بيختبر صبرنا... وبعدها بيعوضنا بأجمل من اللي تمنيناه.
نظر آدم إلى والده، ثم إلى أمه وجدته، وقال وهو يبتسم
أحسن حاجة حصلت إننا بقينا مقدرين قيمة كل يوم بنقضيه مع بعض.
ساد الصمت للحظة، لكن هذه المرة لم
بل صمت امتنان.
النهاية بعد ثلاث سنوات...
كان آدم واقف في طابور المدرسة، والمديرة أعلنت قدام الطلبة
النهارده عندنا ضيف مميز... المسعف أحمد، اللي أنقذ عشرات الأرواح خلال خدمته.
دخل أحمد وسط تصفيق الطلبة، لكنه أول ما لمح آدم في الصف، ابتسم نفس الابتسامة اللي كان بيستقبله بيها كل يوم.
بدأ يحكي للأطفال عن أهمية الإسعاف، وإنقاذ المصابين، وعدم الاستسلام وقت الأزمات.
وفي آخر الندوة، رفع أحد التلاميذ إيده وسأله
يا عمو أحمد... إيه أصعب يوم عدى عليك في حياتك؟
سكت أحمد للحظة، ثم قال
مش يوم الحادث... أصعب يوم كان لما عرفت إن أهلي عملوا ليا جنازة وهم فاكرين إني مت.
ساد الصمت في القاعة.
ثم أكمل وهو ينظر إلى آدم
لكن أول ما شوفت ابني، عرفت إن ربنا اداني فرصة تانية... ولازم أعيشها صح.
بعد انتهاء الندوة، خرج أحمد وآدم يتمشوا في فناء المدرسة.
قال أحمد
فاكر لما وعدتك بالدونات؟
ضحك آدم وقال
وإنت لسه فاكر؟
أخرج أحمد من حقيبته علبة صغيرة.
فتحها...
وكان بداخلها دوناتان بالشوكولاتة.
ضحك آدم بصوت عالٍ وقال
واضح إنك مش هتبطل العادة دي أبدًا.
رد أحمد وهو يربت على كتفه
طول ما إحنا سوا... الدونات دي هتفضل رمز للوعد اللي ربنا رجعهولنا.
ومشيا سويًا خارج المدرسة، بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، وكل واحد منهما يشعر أن أصعب لحظات
لم يعد آدم ذلك الطفل الصغير الذي وقف يومًا أمام نعشٍ فارغ.
أصبح شابًا في الثالثة والعشرين من عمره، وحقق حلمه والتحق بهيئة الإسعاف، تمامًا مثل والده.
وفي أول نبطشية ليل له، ابتسم أحمد وهو يناوله مفتاح سيارة الإسعاف وقال
فاكر أول وعد بينا؟
ضحك آدم وقال
الدونات.
قال أحمد لحد النهارده ما نسيتوش.
وفي منتصف النبطشية، ورد بلاغ عن حادث على طريق زراعي.
وصلت سيارة الإسعاف بسرعة، ونزل آدم يجري نحو المصابين.
وبينما كان يطمئن على طفل صغير كان يبكي خوفًا، خلع سترته ووضعها عليه وقال
اطمن... إحنا معاك.
بعد ساعات من إنقاذ المصابين، رجع آدم إلى المركز.
كان أحمد واقفًا في انتظاره.
ابتسم بفخر وقال
النهارده عرفت إن تعبي معاك عمره ما راح.
وفي المساء، رجعوا البيت.
كانت ريم قد أعدت العشاء، والجدة أمينة، وقد تقدمت بها السن، جلست تنظر إليهم بعينين مليئتين بالرضا.
قالت وهي تبتسم
الحمد لله... كنت فاكرة إن اليوم ده عمره ما هييجي.
أمسك أحمد يد أمه وقال
كل اللي إحنا فيه ده... بعد فضل ربنا... بسبب دعواتك.
ثم نظر إلى آدم وقال
فاكر يوم الجنازة؟
أومأ آدم.
قال أحمد
لو حد قال لي وقتها إننا هنقعد بعد سنين نضحك على نفس الذكرى... ما كنتش هصدقه.
ابتسم آدم وأجاب
ربنا كان كاتب لنا بداية جديدة.
وفي تلك الليلة، جلس الأب والابن على شرفة البيت، يتناولان
متابعة القراءة