فى جنازة ابوه

لمحة نيوز

دونات بالشوكولاتة كما اعتادا منذ سنوات.
لم تكن مجرد حلوى...
بل كانت تذكارًا لوعدٍ لم ينكسر، وأملٍ انتصر على اليأس، وأسرةٍ عادت لتجتمع بعدما ظن الجميع أنها لن تكتمل أبدًا.
تمت القصة بعد عشرين سنة...
جلس أحمد على كرسي خشبي أمام البيت، وقد غزا الشيب شعره، بينما كان أحفاده يلعبون في الحديقة.
خرج آدم من البيت وهو يحمل علبة دونات، ووضعها أمام والده وهو يبتسم.
ضحك أحمد وقال
واضح إنك مش هتسيب العادة دي.
رد آدم مبتسمًا
دي مش عادة... دي ذكرى.
في تلك اللحظة، ركض طفل آدم الصغير، يوسف، وسأل جده
هو صحيح يا جدو إنهم عملوا لك جنازة وإنت كنت عايش؟
نظر أحمد إلى آدم، وضحكا معًا.
ثم قال أحمد
أيوه يا حبيبي... وكنت هضيع من أهلي للأبد، لكن ربنا رزقني بابن ما فقدش الأمل.
سأل يوسف ببراءة
ولو آدم ما كانش راح يدور عليك؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قال أحمد
كان ربنا هيكتب اللي فيه الخير... لكن شجاعة أبوك كانت سببًا من الأسباب اللي جمعتنا تاني.
اقترب يوسف من والده وقال
لما أكبر... هبقى زيك.
ربت آدم على رأسه وقال
خليك دايمًا شجاع، لكن اسمع كلام اللي أكبر منك، ومتغامرش لوحدك. أنا كنت طفل، واللي عملته كان خطر، وربنا سترها.
ابتسم أحمد وهو ينظر إلى أسرته مجتمعة حوله، وقال
أكبر نعمة في الدنيا إنك تلاقي كل اللي بتحبهم قاعدين على سفرة واحدة.
وفي المساء،
اجتمعت الأسرة كلها على العشاء، وتعالت الضحكات التي ملأت البيت.
أما علبة الدونات، فكانت ما تزال في منتصف المائدة، يتناول منها الجميع وهم يبتسمون، لأنها لم تعد مجرد حلوى...
بل أصبحت رمزًا للحب، والأمل، والوعود التي يحفظها الزمن.
وهكذا عاشت العائلة سنوات طويلة في ترابط وسكينة، يتذكرون دائمًا أن الأمل قد يصنع معجزات، لكن الشجاعة الحقيقية تكون دائمًا مصحوبة بالحكمة بعد سنوات طويلة...
في إحدى أمسيات الشتاء، جلس أحمد يكتب رسالة بخط يده، ثم وضعها داخل ظرف، وكتب عليه
تُفتح بعد رحيلي.
لم يخبر أحدًا بما فيها.
وبعد أعوام، رحل أحمد بهدوء، بعد عمر طويل قضاه في خدمة الناس.
وفي يوم العزاء، وقف آدم في المكان نفسه الذي وقف فيه وهو طفل.
لكن هذه المرة...
كانت هناك جنازة حقيقية.
وقف الجميع يبكون.
أما آدم، فكانت دموعه تنزل في صمت، وهو يودع والده الذي عاش إلى جواره سنوات طويلة بعد أن كاد يفقده.
بعد انتهاء مراسم الدفن، تذكرت ريم الظرف.
أعطته لآدم أمام الأسرة كلها.
فتح الظرف بيدين مرتعشتين، وبدأ يقرأ
يا آدم... لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خلصت رحلتي في الدنيا. عايزك تفتكر حاجة واحدة... يوم ما الناس افتكروا إني مت، أنت كنت الوحيد اللي تمسك بالأمل. ويوم ما أموت بجد، أوعى يتمسك قلبك بالحزن. افتكر الضحكة قبل الدمعة، واللمة قبل الفراق،
والدونات اللي كانت تجمعنا كل يوم جمعة. أنا فخور بيك من أول يوم، وهفضل فخور بيك لآخر لحظة.
لم يتمالك آدم نفسه.
ضم الرسالة إلى صدره وبكى.
ثم ابتسم وسط دموعه وقال
المرة دي يا بابا... ودعتني.
رفعت ريم رأسها إلى السماء وقالت
الحمد لله... عشنا معاه العمر اللي ربنا كتبه لينا.
وفي الجمعة التالية، اجتمع الأبناء والأحفاد كعادتهم.
ووضع آدم علبة دونات في منتصف المائدة.
سأل حفيده الصغير
هنجيب دونات كل جمعة ليه؟
ابتسم آدم وقال
عشان نفتكر إن أجمل الذكريات... بتعيش في أبسط الحاجات.
ساد الصمت للحظة...
ثم تعالت الضحكات من جديد.
وكأن أحمد...
ما زال حاضرًا بينهم بروحه، وبأثره الطيب، وبكل وعدٍ أوفى به.
النهاية الحقيقية بعد مرور سنوات...
كبر يوسف، حفيد أحمد، وأصبح شابًا يدرس في كلية الطب، وكان حلمه أن يعمل في الإسعاف مثل جده وأبيه.
وفي أول يوم تدريب له، وقف أمام سيارة الإسعاف القديمة التي احتفظت بها الهيئة بعد إحالة أحمد إلى التقاعد، وكانت تحمل لوحة صغيرة مكتوبًا عليها
هذه السيارة خدم عليها المسعف أحمد، صاحب قصة الأمل.
ابتسم يوسف، ولمس باب السيارة، وقال في نفسه
نفسي أكون على قد اسمك يا جدو.
وفي تلك اللحظة، جاء آدم ووضع يده على كتف ابنه.
وقال
جدك كان دايمًا يقول إن البطل الحقيقي هو اللي ينقذ حياة إنسان، حتى لو محدش عرف اسمه.
هز
يوسف رأسه وقال
وأنا أوعدك إني هكمل المشوار.
مرّت الشهور، وفي إحدى النبطشيات، استقبل يوسف أول بلاغ خطير في حياته.
وصل إلى المكان، وإذا بطفل صغير يبكي وسط الزحام بعدما اختفى والده.
اقترب منه وجلس على ركبتيه وقال بابتسامة هادئة
متخفش... هنلاقي باباك.
وبعد دقائق من البحث، وجدوا الأب مصابًا إصابة بسيطة، لكنه كان بخير.
جرى الطفل وارتمى في حضنه.
ابتسم يوسف وهو يراقب المشهد، وتذكر قصة جده.
وعندما عاد إلى البيت في نهاية اليوم، وجد آدم ينتظره على المائدة.
وفي منتصفها...
كانت هناك علبة دونات بالشوكولاتة.
ضحك يوسف وقال
واضح إن التقليد ده مستحيل ينتهي.
ابتسم آدم وهو ينظر إلى صورة أحمد المعلقة على الحائط، وقال
بعض الناس بترحل بأجسادها... لكن قيمهم تفضل عايشة في كل جيل.
نظر الجميع إلى الصورة، وقرأوا العبارة المكتوبة أسفلها
ازرع أملًا في قلب إنسان... فقد تكون أنت سبب نجاته.
وانتهت الحكاية، لكن بقي أثرها في كل من سمعها، لأن الحب الصادق، والوفاء، والأمل... لا تنتهي حكايتهم أبدًا. بعد خمسين سنة...
أصبح يوسف جدًا، تمامًا كما كان أحمد يومًا.
وفي أحد أيام الجمعة، اجتمع الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد في البيت العائلي القديم.
كانت الضحكات تملأ المكان، ورائحة القهوة تمتزج برائحة الدونات التي لم تغب عن المائدة منذ عشرات السنين.
اقتربت
حفيدته الصغيرة، مريم، وسألته
يا جدو... هو ليه كل جمعة لازم نجيب دونات؟
ابتسم يوسف،
تم نسخ الرابط