فى جنازة ابوه

لمحة نيوز

في جنازة أبوه... كل الناس كانت بتعيط، إلا الولد اللي عنده 8 سنين.
يا ساتر... الواد ولا نزلت منه دمعة!
قالتها عمته منى وهي واقفة وسط المعزين، وعينيها على آدم الصغير الواقف قدام النعش الرمزي.
آدم ما ردش.
كان باصص للنعش في هدوء غريب، كأنه مستني حد يقوم ويفتحه.
الناس افتكرت إن الصدمة جمدت مشاعره.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا...
آدم كان متأكد إن أبوه لسه عايش.
قبل أسبوع، خرج أحمد، سواق الإسعاف المعروف في منطقته بحسن خلقه، في نبطشية ليل عادية.
قبل ما يمشي، حضن ابنه وقال
لما أرجع الصبح هنفطر سوا، ومتنساش تخلص واجبك.
ابتسم آدم وهز رأسه.
لكن أحمد ما رجعش.
بعد ساعات، لقت الشرطة عربيته متوقفة جنب ترعة بعد ليلة مطر شديدة.
باب العربية مفتوح، وفي الداخل أكياس المشتريات اللي كان جايبها للبيت، ومنها علبة دونات بالشوكولاتة كان وعد بيها آدم.
أما أحمد...
فما كانش له أي أثر.
استمرت عمليات البحث أيام طويلة، لكن من غير نتيجة.
لا جثة...
ولا دليل يثبت إنه مات.
ورغم كده، قررت العيلة تعمل جنازة رمزية علشان يودعوه.
كل الناس بكت...
إلا آدم.
وفي آخر العزاء، سمع جدته وهي بتقول
البيت القديم اللي في البلد محدش راح يطمن عليه من يوم اختفاء أحمد.
وفجأة...
اتسعت عينا آدم.
افتكر إن أبوه أخده للمكان ده

مرة، وقال له
لو في يوم ملقتنيش... افتكر المكان ده كويس.
الجملة فضلت ترن في ودنه.
وفي منتصف الليل...
بعد ما نام الجميع...
خرج آدم من البيت بهدوء.
كان رايح للمكان اللي أبوه وصاه عليه...
من غير ما يعرف إن اللي هيلاقيه هناك هيكشف السر اللي حيّر العيلة كلها، ويغير حياتهم إلى الأبد.
يتبع...وصل آدم إلى البلد بعد رحلة طويلة، وكان قلبه بيدق بسرعة.
فضل ماشي بين الأراضي الزراعية لحد ما شاف البيت الصغير بسقفه الأخضر.
كان المكان هادئًا بشكل غريب.
قرب من الباب، ولاحظ إن فيه آثار أقدام جديدة على التراب، رغم إن البيت المفروض مهجور.
مد إيده وطرق الباب مرة...
محدش رد.
طرق تاني.
وفجأة سمع صوت خافت جاي من جوه.
لف حوالين البيت، فلقى شباكًا مفتوحًا نصف فتحة.
بص من خلاله...
واتجمد مكانه.
كان فيه راجل نايم على سرير خشب، ورأسه ملفوفة بالشاش.
ولما ركز أكتر...
شهق وقال بصوت مخنوق
بابا!
الرجل فتح عينيه ببطء.
بص ناحية الشباك، ولما شاف آدم، امتلأت عينه بالدموع.
قام بصعوبة وهو بيقول
آدم... إزاي وصلت هنا؟
فتح آدم الباب بسرعة وجري يرتمي في حضن أبوه.
فضلوا الاتنين يبكوا لدقايق من غير أي كلمة.
وبعد ما هديوا، حكى أحمد الحقيقة.
ليلة الحادث، وهو راجع من الشغل، شاف عربية انقلبت جنب الترعة.
نزل ينقذ اللي فيها،
لكن الأرض كانت زلقة، فاتخبط في رأسه وفقد الوعي.
أصحاب مزرعة قريبة لقوه، وخافوا ينقلوه قبل ما يجيبوا دكتور القرية، لأن الطريق كان مقطوع بسبب الأمطار.
ولما فاق بعد يومين، كان فاقد جزءًا من ذاكرته، ومش فاكر اسمه ولا عنوانه.
وبالتدريج بدأت ذاكرته ترجع...
وأول اسم افتكره كان
آدم.
أما آدم، فطلع موبايله الصغير اللي كانت أمه مدهياه للطوارئ، واتصل بجدته.
في البداية، محدش صدق.
لكن بعد أقل من ساعة، وصلت ريم ومعاها الشرطة والإسعاف.
أول ما شافت أحمد واقف على رجليه، جريت عليه وهي بتبكي من الفرحة.
العيلة كلها كانت في حالة ذهول.
أما العمة منى، فنظرت إلى آدم وقالت بصوت مكسور
سامحني يا حبيبي... أنا ظلمتك لما افتكرت إنك معندكش إحساس.
ابتسم آدم وسط دموعه وقال
أنا كنت عارف إن بابا وعدني إنه هيرجع... وعمره ما كسر وعده.
ومن يومها، بقى الجميع يحكي قصة الطفل الوحيد الذي لم يبكِ في جنازة أبيه... لأنه كان أكثرهم إيمانًا بأنه ما زال حيًا بعد أيام من رجوع أحمد، رجعت الحياة في البيت بالتدريج، لكن سؤالًا واحدًا كان يشغل الجميع
كيف عرف آدم أن أباه لم يمت؟
في إحدى الليالي، كانوا جميعًا جالسين حول مائدة العشاء، فقالت الجدة أمينة
يا آدم... قول لنا بقى، إيه اللي خلاك متأكد أوي إن أبوك عايش؟
ابتسم آدم وهو
نظر إلى والده، ثم قال
عشان بابا عمره ما بيخلف وعد.
ابتسم أحمد، لكن آدم أكمل
يوم ما خرج، قال لي أول ما أرجع هنفطر الدونات سوا. ولما الشرطة قالت إنهم لقوا الدونات في العربية زي ما هي... عرفت إنه ما رجعش العربية تاني بإرادته. لو كان قرر يسيبنا أو يهرب، كان خد عربيته أو حاجته. لكن كل حاجة كانت مكانها... يعني أكيد حصل له حادث.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى بعضهم، وأدركوا أن الطفل الصغير لاحظ ما لم ينتبه إليه الكبار.
ربت أحمد على كتف ابنه وقال
أنا طول عمري كنت فاكر إني أنا اللي بعلمك... لكن اليوم أنت اللي علمتني إن الثقة بين الأب وابنه أكبر من أي دليل.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح أحمد يقضي كل وقت فراغه مع أسرته.
لم يعد يؤجل الإجازات، ولا يؤخر وعدًا قطعه لابنه.
أما العمة منى، فكانت كلما رأت آدم، تتذكر كلماتها القاسية في يوم الجنازة، فتعتذر له مرة بعد مرة.
وفي أحد الأيام، قدمت له علبة دونات بالشوكولاتة، وقالت وهي تضحك
المرة دي أنا اللي جبتها... بس أوعى تخليني أستنى أسبوع عشان آكلها معاك.
ضحك آدم، ونظر إلى أبيه، ثم أمسك بيده وقال
أهم حاجة إننا كلنا مع بعض.
وانتهت القصة، لكن بقيت رسالتها
لا تتسرع في الحكم على مشاعر الناس، فليس كل من لا يبكي لا يحزن، وليس كل طفل صامت لا يفهم ما يدور حوله بعد
مرور ستة أشهر، عاد أحمد إلى عمله في الإسعاف بعد أن تعافى تمامًا.
وفي أول يوم عمل، أصر آدم
تم نسخ الرابط