كان ابنى بيتوسل لى كل اسبوع
يمسك يدها
واتعلمت كمان إن الأم لما تقلق على ابنها، لازم أسمعها الأول.
أما آدم، فكان يجري أمامهما وهو يضحك مع أصحابه، لا يحمل من تلك الأيام الصعبة إلا ذكرى بعيدة جعلته أكثر وعيًا.
وفي كل مرة كان يمرض فيها مرضًا بسيطًا، كان يقول للطبيب قبل أي علاج
حضرتك اكتب لماما كل حاجة... هي بتحب تعرف الدوا بيعمل إيه.
فيضغط الطبيب على كتفه مبتسمًا ويقول
ده حقها... وحقك كمان.
وهكذا عاشت الأسرة في هدوء، بعد أن تعلم الجميع أن صحة الطفل مسؤولية مشتركة، وأن أي علاج يجب أن يكون تحت إشراف طبي، مهما كانت نية من يقدمه طيبة بعد خمس سنوات...
كان آدم قد بلغ الحادية عشرة من عمره، وأصبح من المتفوقين في مدرسته.
وفي أحد الأيام، عاد إلى البيت وهو يحمل ورقة.
قال بحماس
يا ماما، المدرسة عاملة مسابقة بعنوان أهم درس اتعلمته في حياتك.
ابتسمت ريم وقالت
وهتكتب عن إيه؟
رد آدم من غير تردد
عنك.
تعجبت ريم.
فتح كراسته وبدأ يقرأ
وأنا صغير، كنت بخاف أتكلم. كنت فاكر إن الكبير دايمًا صح، وإن الطفل لازم يسكت. لكن أمي علمتني إن لما أحس إن في حاجة غلط، لازم أتكلم، وإن السؤال مش عيب، وإن الدكتور هو الشخص اللي بيساعدنا نعرف العلاج الصح.
امتلأت عينا ريم بالدموع.
وفي يوم إعلان النتائج، فاز آدم بالمركز الأول.
طلب مدير المدرسة من آدم أن يقرأ موضوعه أمام الطلاب.
أنهى كلماته وسط تصفيق طويل، ثم قال في آخر سطر
أنا مش بطل... البطلة الحقيقية هي أمي، لأنها سمعتني وأنا صغير، وما قالتش ده مجرد دلع.
بعد الحفل، اقتربت منهم أم إحدى الطالبات وقالت
كلام ابنكم خلاني أراجع نفسي. أوقات كتير كنا بنعتبر شكوى بنتنا مبالغة، لكن من النهارده هسمعها كويس.
ابتسمت ريم وقالت
الأطفال مش بيعرفوا يشرحوا كل حاجة، لكن خوفهم أو وجعهم يستحق إننا ناخده بجدية.
رجعوا البيت وهم يشعرون أن أصعب
وهكذا انتهت الحكاية، لكن رسالتها تظل باقية استمعوا إلى أطفالكم، ولا تعطوا أي دواء أو مكمل أو أعشاب إلا بعد استشارة الطبيب مرت عشرة أعوام أخرى...
أصبح آدم شابًا في بداية الجامعة، يحمل في قلبه حلمًا واحدًا أن يدرس الطب.
وفي أول يوم له في كلية الطب، سأله أحد الأساتذة
ما الذي دفعك لاختيار هذا التخصص؟
ابتسم آدم وقال
لأنني كنت طفلًا أنقذني الأطباء في الوقت المناسب، وأتمنى أن أكون سببًا في إنقاذ غيري.
مرت السنوات سريعًا، وتخرج آدم بتفوق، ثم عمل طبيبًا في قسم طوارئ الأطفال.
وفي إحدى الليالي، دخلت أم تحمل طفلها الصغير وهو يعاني من قيء وإرهاق شديد.
جلس آدم يطمئنها، ثم سألها بهدوء
هل تناول أي دواء أو أعشاب أو مكمل غذائي في الأيام الأخيرة؟
ترددت الأم، ثم قالت
جدته كانت بتديله شرابًا عشبيًا كل يوم... كنا فاكرينه طبيعي ومفيد.
طلب آدم الفحوصات اللازمة، ووجّه الفريق الطبي للتعامل مع الحالة، ثم شرح للأسرة أهمية عدم إعطاء أي علاج للأطفال دون استشارة الطبيب.
خرج الطفل من المستشفى بعد أن تحسنت حالته، وشكرت الأسرة الطبيب الشاب.
وفي نهاية المناوبة، عاد آدم إلى البيت.
كانت ريم قد احتفظت حتى ذلك اليوم برسمة الطفل القديمة المكتوب تحتها أنا بخاف من الدوا.
ناولته الرسمة وقالت مبتسمة
افتكر دايمًا إن خوفك وأنت صغير كان بداية إنقاذك.
احتضنها آدم وقال
ولولا إنك سمعتي كلامي، يمكن ما كنتش واقف هنا النهارده.
ابتسم أحمد وهو ينظر إليهما وقال
الحمد لله... ربنا كتب لنا نهاية سعيدة، والأهم إننا اتعلمنا إن صحة الطفل أمانة، ولازم تكون دائمًا في إيد أهل الاختصاص.
وانتهت الحكاية، لكن بقيت رسالتها في كل بيت استمعوا لأطفالكم،
كان الدكتور آدم يقف في افتتاح مركز طبي جديد لعلاج الأطفال، وقد أصر أن يحمل المركز اسمًا لم يتوقعه أحد
مركز الأمل لصحة الطفل.
وعندما سأله الصحفيون عن سبب الاسم، ابتسم وقال
لأن الأمل هو اللي خلّى أمي تتمسك بيا لما الكل افتكر إن اللي عندي مجرد تعب عادي.
وفي الصفوف الأولى كانت ريمبعد عامين من افتتاح المركز، كان الدكتور آدم قد أصبح من أشهر أطباء طوارئ الأطفال في المحافظة.
وفي ليلة ممطرة، دخل رجل مسن يحمل حفيده بين ذراعيه وهو يصرخ
الحقوه... الولد مش قادر يتنفس!
أسرع آدم مع الفريق الطبي، وبدأوا الإسعافات اللازمة حتى استقرت حالة الطفل.
وبعد الفحوصات، جلس مع الجد وسأله بهدوء
الطفل أخد أي دواء أو أعشاب أو وصفات منزلية قبل ما يجي؟
نظر الجد إلى الأرض وقال بخجل
كنت فاكر إني بساعده... ادّيته شراب عشبي نصحني بيه واحد صاحبي.
تنهد آدم وقال
الحمد لله إنكم جيتوا بسرعة. لكن أي علاج، حتى لو كان عشبيًا أو طبيعيًا، ممكن يكون له آثار جانبية أو يتعارض مع أدوية أخرى. علشان كده لازم يكون تحت إشراف طبي.
خرج الجد من العيادة وهو يردد
اتعلمت الدرس... ومش هكرر الغلط ده تاني.
وقف آدم ينظر من نافذة المستشفى، وتذكر نفسه وهو طفل صغير يتمسك بيد أمه خوفًا.
ابتسم وقال في نفسه
يمكن ربنا سمح إني أمر بالتجربة دي، علشان أقدر أحمي أطفال تانيين.
وفي تلك اللحظة، دخلت الممرضة مسرعة وهي تقول
يا دكتور آدم... في حالة جديدة وصلت الطوارئ، وبتحتاجك فورًا.
أخذ سماعته الطبية واتجه بسرعة إلى غرفة الطوارئ، غير مدرك أن هذه الحالة ستفتح أمامه قضية جديدة ستغير حياة أسرة كاملة.
يتبع...دخل الدكتور آدم غرفة الطوارئ بسرعة.
كانت الممرضة تحمل طفلة في السابعة من عمرها، فاقدة الوعي،
قال آدم بهدوء
ابدأوا الإسعافات فورًا... وجهزوا التحاليل.
وبعد دقائق، بدأت الطفلة تستعيد أنفاسها.
جلس آدم مع والديها وسأل
قبل ما تتعب، أكلت أو شربت أي حاجة مختلفة؟
رد الأب
لا... كانت كويسة جدًا.
لكن الجدة، التي كانت تقف في آخر الغرفة، قالت بصوت خافت
أنا... أنا اللي ادتلها شاي بالأعشاب.
التفت الجميع إليها.
قالت وهي تبكي
كانت بتكح شوية، وجارتي قالتلي إن الشاي ده بيهدي الكحة. والله ما كنت أقصد أضرها.
أمسك آدم بيدها وقال
أنا مصدق إن نيتك كانت خير، لكن حتى الأعشاب ممكن تضر بعض الأطفال أو تسبب حساسية شديدة. علشان كده لازم نستشير الطبيب قبل أي علاج.
خفضت الجدة رأسها وقالت
سامحوني... اتعلمت الدرس.
وبعد يومين، تعافت الطفلة تمامًا، وغادرت المستشفى وهي تمسك بيد جدتها.
وقبل أن تخرج، اقتربت الجدة من آدم وقالت
يا ابني... كلامك فكّرني إن الحب لوحده مش كفاية، لازم يكون معاه علم.
ابتسم آدم وقال
دي أهم رسالة نفسي كل أسرة تعرفها.
بعد أسابيع، أطلقت المستشفى حملة توعية بعنوان اسأل الطبيب أولًا، وكان آدم أول المتطوعين فيها.
وقف أمام عشرات الأسر وقال
أنا مش بحكي لكم كلام من الكتب فقط، أنا عشت التجربة وأنا طفل. عشان كده بطلب من كل أب وأم وجد وجدة اسمعوا شكوى الطفل، ومتدوش أي دواء أو أعشاب أو مكمل غذائي إلا بعد استشارة الطبيب.
صفق الحاضرون طويلًا.
وفي آخر القاعة، كانت ريم
وأحمد ينظران إلى ابنهما بفخر.
همست ريم لزوجها
فاكر اليوم اللي دخلنا فيه الطوارئ وإحنا فاكرين إننا هنخسره؟
ابتسم أحمد والدموع في عينيه وقال
الحمد لله... ربنا حوّل أصعب يوم في حياتنا لسبب ينقذ أطفالًا كتير.
وفي نهاية اليوم، خرج آدم من المستشفى، ونظر إلى اللافتة المعلقة على المدخل، ثم ابتسم وهو يرى طفلًا يخرج مع أسرته ضاحكًا بعد
عندها أيقن أن رسالته لم تكن علاج المرضى فقط، بل نشر الوعي الذي قد يمنع المرض قبل أن يبدأ.
النهاية.