كان ابنى بيتوسل لى كل اسبوع
كان ابني بيتوسل لي كل أسبوع يا ماما... متودّنيش عند ستي. كنت فاكرة إنه مجرد طفل مدلل، لحد الليلة اللي دخل فيها الطوارئ، والدكتور بص في نتيجة التحاليل وقال جملة قلبت حياتنا
الطفل ده كان بيتاخدله دواء بانتظام... ومن غير أي إشراف طبي.
اسمي ريم، مدرسة ابتدائي، ومتجوزة أحمد، وعندنا ابننا الوحيد آدم، خمس سنين. كنا عايشين حياة هادئة في المنصورة، لحد ما بدأت ألاحظ إن آدم كل يوم حد، بعد زيارتنا لجدته، بيرجع تعبان، وشه أصفر، وبطنه بتوجعه، وأحيانًا يفضل نايم بالساعات.
في البداية افتكرت إنه أكل زيادة، أو معدته حساسة، لكن الغريب إنه كان أول ما يعرف إننا رايحين عند جدته، يتعلق في هدومي ويقول وهو بيبكي
ماما... بالله عليكِ متودّنيش.
كنت أسأله ليه، فيهز كتفيه ويقول
مش بحب أقعد هناك.
حماتي، الحاجة فاطمة، كانت اشتغلت سنين طويلة في صيدلية، وكانت واثقة جدًا في خبرتها. وكانت دايمًا تقول
أنا ربيت عيال كتير، وعارفة إيه اللي ينفع وإيه اللي يضر.
وفي كل زيارة، كانت تصر تدخل آدم المطبخ لوحده دقائق، وترجع وهي بتبتسم وتقول
اديته فيتامين هيقوي جسمه ويفتح نفسه.
ولما كنت أطلب أشوف الزجاجة، كانت ترفض وتقول
دي خلطة أعشاب خاصة، متقلقيش.
أحمد كان بيعتبر الموضوع بسيط، ويقول
دي أمي... مستحيل تعمل حاجة تضره.
لكن قلبي كأم كان بيقولي إن في حاجة غلط.
وفي ليلة من الليالي، صحيت على صوت آدم وهو بيستفرغ بعنف، وبعد دقائق فقد وعيه بين إيديا.
جرينا بيه على الطوارئ، وهناك بدأت التحاليل.
وبعد ساعات، خرج الطبيب وهو ماسك التقرير، وبص لنا بجدية وقال
إحنا اكتشفنا سبب تعب ابنكم... واللي لقيناه في دمه عمرنا ما كنا نتوقعه.
في اللحظة دي، اتغيرت حياة العيلة كلها، وبدأت الحقيقة تظهر
قالت بصوت مرتعش
يعني آدم هيبقى كويس؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة وقال
الحمد لله وصلتم في الوقت المناسب، لكن لازم نعرف مصدر الدواء فورًا. الطفل واضح إنه كان بيتعرض لجرعات متكررة على مدار فترة، وده سبب الإرهاق وآلام البطن اللي كانت بتيجي وتروح.
خرج أحمد من غرفة الكشف وهو حاسس بذنب كبير.
افتكر كل مرة كانت ريم تحاول تكلمه، وهو يرد
متكبريش الموضوع.
ولأول مرة، مسك إيد مراته وقال
حقك عليا... كان لازم أسمعك من الأول.
في اليوم التالي، رجعوا بيت الحاجة فاطمة.
كانت مستغربة وجودهم بدري.
قالت
طمنوني على آدم.
حط أحمد الزجاجة البنية على الترابيزة وقال
عايزين نعرف دي فيها إيه.
اتوترت للحظة، ثم قالت
دي أعشاب وعسل.
رد أحمد
المستشفى قالت غير كده.
سكتت الحاجة فاطمة، وبعد لحظات اعترفت إنها كانت تضيف كمية بسيطة من دواء قديم كانت تعتقد أنه يساعد الأطفال على فتح الشهية، اعتمادًا على معلومات قديمة من أيام عملها في الصيدلية، دون استشارة طبيب.
شهقت ريم وقالت
ومن غير ما تقولي لنا؟
ردت الحاجة فاطمة وهي تبكي
والله ما كان قصدي أضره... كنت فاكرة إني بساعده.
قال أحمد بحزم
النية الطيبة مش كفاية لما تكون حياة طفل في خطر.
بعد أيام، خرج آدم من المستشفى وهو أفضل كثيرًا، مع خطة متابعة وتحاليل دورية، وتعليمات واضحة بعدم إعطائه أي دواء أو أعشاب إلا بعد استشارة طبيبه.
ومن يومها، اتفقت العائلة على قاعدة واحدة لا يمكن كسرها
أي دواء أو مكمل أو وصفة منزلية للطفل، مهما كان مصدرها، لا تُستخدم إلا بعد موافقة الطبيب.
رجعت العلاقة بين الأسرة والحاجة فاطمة تدريجيًا بعد أن أدركت خطأها واعتذرت لريم ولآدم، لكنها
أما آدم، فبعد شهور من المتابعة، استعاد نشاطه، وعاد يجري ويضحك كأي طفل في سنه، وكانت ريم كلما رأته يبتسم، تحمد الله أنها استمعت إلى حدسها في الوقت المناسب، قبل أن يتحول الخطأ إلى مأساة لا يمكن إصلاحها مرّت ثلاثة أشهر.
بدأ آدم يستعيد صحته بالتدريج، ورجعت ضحكته تملأ البيت من جديد.
وفي أول زيارة متابعة، ابتسم الطبيب وهو يراجع التحاليل وقال
الحمد لله... كل النتائج بقت طبيعية، وجسمه تعافى كويس.
تنفست ريم الصعداء، بينما أغمض أحمد عينيه للحظة وكأنه تخلص من حمل كان فوق قلبه.
لكن المفاجأة حصلت بعد أيام.
كانوا بينضفوا أوضة آدم، ولما ريم حركت صندوق الألعاب، لقت ورقة صغيرة مرسوم عليها بقلم شمع.
فيها طفل ماسك إيد أمه، وبعيد عنهم ست كبيرة واقفة وبجانبها زجاجة بنية.
وتحت الرسمة مكتوب بخط طفل
أنا بخاف من الدوا.
حضنت ريم ابنها بقوة، وسألته
ليه ما قلتليش من بدري يا حبيبي؟
بص لها آدم بعينيه الصغيرتين وقال
كنت فاكر ستي هتزعل... وكانت بتقولي إن ده سر بينا.
نزلت دموع ريم، وقالت
مفيش أسرار في حاجة تخص صحتك. أي حد يقولك تخبي عن بابا أو ماما، لازم تيجي تقولنا فورًا.
هز آدم رأسه وهو يعدها بذلك.
في نفس الأسبوع، ذهبت الحاجة فاطمة بنفسها إلى بيت ابنها.
كانت تحمل حقيبة صغيرة.
وضعتها على الطاولة وقالت
دي كل الأدوية القديمة اللي كانت عندي... هسلمها للصيدلية عشان تتخلص منها بالطريقة الصحيحة. ومش هحتفظ بأي حاجة بعد كده.
ثم التفتت إلى ريم وقالت
سامحيني... اتعلمت الدرس بأصعب طريقة.
اقتربت ريم منها وقالت بهدوء
المسامحة موجودة... لكن أهم حاجة إن اللي حصل مايتكررش مع أي طفل.
بعدها بأيام، احتفلوا بعيد ميلاد
نفخ الشموع وهو يضحك، ثم قال أمام الجميع
نفسي الهدية تكون إننا كلنا نفضل مع بعض وماحدش يزعل.
ضحك الجميع، وامتلأ البيت بالدفء من جديد.
وفي نهاية اليوم، نظرت ريم إلى ابنها وهو يلعب مع والده، وقالت في نفسها
الأم مش بتكون شكاكة... الأم أحيانًا بتحس بالخطر قبل ما أي جهاز أو تحليل يكتشفه. والاستماع لمخاوف الأطفال، مهما بدت بسيطة، قد يحمي حياتهم.
تمت بعد مرور عام...
رن هاتف ريم وهي في المدرسة.
كان الرقم من حضانة آدم.
ارتبك قلبها، وردت بسرعة
ألو... خير؟
جاءها صوت المشرفة مطمئنًا
متقلقيش، آدم بخير. إحنا بس حبينا نحكي لحضرتك موقف حصل النهارده.
سألت ريم بقلق
إيه اللي حصل؟
قالت المشرفة
واحدة من الأطفال كانت معاها زجاجة فيها مشروب عشبي، وقالت لآدم يشرب منه لأنه هيخليه قوي. آدم رفض، وقال لها أنا ما بشربش أي حاجة من غير ما ماما تعرف.
ابتسمت ريم ودموعها في عينيها.
أغلقت الهاتف، وشعرت أن كل الخوف الذي عاشته لم يذهب هباءً.
في المساء، احتضنت ابنها وقالت
فخورة بيك يا بطل.
ابتسم آدم وقال
حضرتك قلتيلي إن جسمي أمانة، ومينفعش آخد أي حاجة من غير إذنكم.
ربت أحمد على كتف ابنه وقال
وأحسن قرار خدناه إننا سمعناك لما قلت إنك كنت خايف.
أما الحاجة فاطمة، فقد تغيرت كثيرًا.
التحقت بدورات توعية عن الاستخدام الآمن للأدوية، وصارت كلما سمعت أحدًا ينصح بعلاج منزلي أو دواء دون استشارة طبيب، تقول
الخبرة مهمة... لكن الطب بيتطور كل يوم، ومفيش حاجة أغلى من صحة الأطفال.
وبمرور الوقت، استعادت الأسرة دفئها، لكنهم احتفظوا بقاعدة علّقوها في إطار صغير على حائط المطبخ، مكتوب فيها
لا دواء، ولا أعشاب، ولا مكملات غذائية لأي طفل... إلا بعد سؤال الطبيب.
كانت تلك الجملة