لقيت حبوب
في مساء هادئ داخل الفيلا الكبيرة في الشيخ زايد، كانت نرمين واقفة قدام السفرة، وإيديها بتترعش وهي بتطلع جاكيت جوزها كريم علشان تبعته للدراي كلين.
بقالهم ست سنين متجوزين.
ومن بره...
أي حد يشوفهم يقول إنهم العيلة المثالية.
فيلا واسعة...
عربيات...
وسفر كل صيف.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
آخر ست شهور، كريم اتغير.
بقى يرجع متأخر كل يوم، ويقفل على نفسه أوضة المكتب بالساعات.
ولو سألته عن أي حاجة، يرد بكلمتين ويقفل الكلام.
أما هي...
فبقت حاسة إنها مجرد ضيفة في البيت.
وهي بتفضي جيوب الجاكيت، لمست بإيدها شريط دوا.
استغربت.
رفعته قدام النور.
كان منشطًا رجاليًا.
وقفت مكانها.
همست لنفسها
طيب... إذا كان بقاله شهور حتى مش مهتم بصحته ولا بنفسه... ليه مخبيه؟
مكانتش عايزة تظلمه.
قالت يمكن الدكتور كتبهوله، أو يمكن اشتراه ومستخدموش.
لكن فضولها زاد.
حطت الشريط في درج أوضتها من غير ما تقول كلمة.
وفي الأيام اللي بعدها...
بدأت تلاحظ حاجات أغرب.
كل شوية كريم ييجي له تليفون، يخرج يرد في الجنينة.
ولما ترن هي عليه وهو في الشغل، يقفل المكالمة ويقول إنه في اجتماع.
وفي نفس الوقت...
حماته كانت كل ما تشوفها تقول لها
بلاش تدققي ورا جوزك في كل حاجة... الراجل لما يكون عليه ضغط شغل بيتغير.
الكلمة دي كانت بتتكرر بشكل غريب.
لدرجة إن نرمين بدأت تحس إن في حاجة مستخبية عنها.
وفي يوم الجمعة...
العيلة كلها اتجمعت على الغدا.
أخو كريم، محمود، كان راجع من شغل السفر، ومعاه ملفات كتير، وشكله مرهق جدًا.
أثناء الأكل...
كريم سأل محمود فجأة
الأوراق كلها معاك؟
محمود رد بسرعة
أكيد... ولا ورقة خرجت من الشنطة.
لكن نظرة القلق اللي ظهرت على وش كريم ما اختفتش.
بعد الغدا...
دخل كريم أوضة المكتب وقفّل الباب.
وبعد دقايق...
سمعت نرمين صوت شد وجذب بينه وبين أمه.
الكلام كان واطي...
لكنها قدرت تسمع جملة واحدة خلت قلبها يدق بسرعة.
لو عرفت الحقيقة... كل حاجة
اتجمدت مكانها.
هي إيه الحقيقة؟
وليه حماته كانت بتحاول تهديه وهي باين عليها الخوف؟
قبل ما تلحق تقرب أكتر...
اتفتح باب المكتب فجأة، وخرج كريم وهو أول ما شافها واقفة في الطرقة، اتغير لون وشه...
وقال بصوت متوتر
إنتِ واقفة هنا من إمتى؟
ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة، وأضاف
تعالي... محتاج أكلمك في موضوع مهم جدًا.
يتبع...نرمين حاولت تخبي ارتباكها، وابتسمت ابتسامة خفيفة.
لسه طالعة من المطبخ... في حاجة؟
كريم فضل يبصلها ثواني، كأنه بيحاول يعرف إذا كانت سمعت أي حاجة ولا لأ.
بعدها قال
بكرة الصبح هسافر يومين القاهرة الجديدة علشان صفقة مهمة... وممكن أقفل موبايلي أغلب الوقت.
هزت راسها وسكتت.
لكن جواها كان إحساس بيقول إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد شغل.
في نص الليل...
صحيت على صوت باب المكتب بيتفتح.
بصت في الساعة.
كانت واحدة وربع.
سمعت خطواته بتنزل السلم بهدوء.
استغربت.
لو عنده شغل...
نازل يعمل إيه في الوقت ده؟
استنت شوية...
وبعدين خرجت من الأوضة من غير صوت.
نزلت وراه وهي حافية.
شافته واقف قدام المخزن الصغير اللي تحت السلم.
فتح الباب بسرعة...
ودخل.
بعد أقل من دقيقة خرج وهو شايل ظرف بني سميك.
أول ما لف علشان يطلع، استخبت نرمين ورا العمود.
عدّى من جنبها من غير ما ياخد باله.
ولما طلع فوق...
استنت دقيقتين، ونزلت للمخزن.
الباب كان موارب.
دخلت.
المخزن كان مليان كراتين قديمة وملفات.
لكن الحاجة اللي شدت انتباهها...
كانت خزنة حديد صغيرة مركونة في آخر الأوضة.
وقبل ما تقرب منها...
سمعت صوت عربية وقفت قدام الفيلا.
بصت من الشباك الصغير.
كان محمود.
مع إنه قال إنه هيرجع بكرة الصبح.
نزل من العربية وهو متوتر، وماخدش باله إن نرمين بتراقبه.
دخل الفيلا بسرعة، واتجه مباشرة للمخزن.
نرمين خرجت قبل ما يشوفها، واستخبت في أول الطرقة.
بعد لحظات...
سمعت كريم نازل هو كمان.
واتقابل هو ومحمود جوه المخزن.
الباب اتقفل.
الكلام كان واطي جدًا.
لكن
أنا قلتلك الورق ده لازم يختفي... ولو وقع في إيد أي حد هنضيع كلنا.
رد كريم بسرعة
اهدى... محدش شاكك في حاجة.
في اللحظة دي...
رن موبايل نرمين فجأة.
الصمت اللي كان في المخزن اتحول لسكون مرعب.
واتفتح الباب ببطء...
وخرج كريم وهو بيبص يمين وشمال، لحد ما وقعت عينه عليها واقفة في آخر الطرقة، والموبايل لسه بينور في إيديها...اتجمدت نرمين مكانها.
قلبها كان بيدق بعنف، لكنها حاولت تحافظ على هدوئها.
كريم بص لها باستغراب وقال
إنتِ لسه صاحية؟
رفعت الموبايل وقالت بسرعة
الجرس صحاني... كنت نازلة أشرب مية.
فضل يبصلها ثواني طويلة، كأنه بيحاول يقرأ ملامح وشها.
ثم قال وهو بيبتسم ابتسامة باهتة
خلاص... اطلعي ارتاحي.
هزت رأسها وطلعت السلم، لكنها ما دخلتش أوضتها.
وقفت عند أول الدور، تراقب من بعيد.
بعد دقائق، خرج محمود من المخزن وهو ماسك نفس الظرف البني.
لكن الغريب...
إن الظرف كان مفتوح، وفيه ورق ناقص.
أول ما لمح كريم، قال له بصوت منخفض
النسخة دي هتفضل في البنك... والباقي لازم يختفي.
رد كريم بسرعة
محدش هيعرف يوصلها.
تاني يوم الصبح...
صحيت نرمين على صوت عربية كريم وهي بتخرج من الفيلا.
بصت من الشباك.
فعلاً سافر.
لكن بدل ما تقضي اليوم في البيت، قررت تنزل للمخزن لأول مرة من غير خوف.
استنت لما الخدم انشغلوا، ونزلت بالمفتاح الاحتياطي اللي كانت عارفه مكانه من سنين.
المخزن كان هادي.
الخزنة الحديد كانت مكانها.
لكن اللي لفت نظرها...
إن فيه ملف واحد واقع على الأرض، كأنه اتسحب بسرعة واتساب.
رفعته.
ماكانش عليه اسم.
فتحته بحذر.
أول صفحة كانت عبارة عن عقد بيع.
العنوان مكتوب بخط واضح
عقد بيع الفيلا.
اتسعت عيناها.
المشتري...
شركة استثمار عقاري.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في اسم البائع.
مش كريم...
ولا محمود...
الاسم المكتوب كان
نرمين السيد...
وقفت مذهولة.
إزاي؟
دي إمضتها موجودة في آخر كل صفحة...
لكنها متأكدة
وقبل ما تستوعب اللي قدامها...
سمعت صوت مفتاح باب الفيلا الرئيسي بيلف.
رغم إن كريم قال إنه مسافر يومين.
خطوات سريعة دخلت البيت...
وصوت رجالي قال بحدة
فتشوا كل الأوض... الملف لازم يكون هنا.
أغلقت نرمين الملف بسرعة، واستخبت خلف الرفوف...
وفي اللحظة نفسها، بدأ باب المخزن يُفتح ببطء...باب المخزن اتحرك ببطء...
ونرمين كانت حابسة نفسها ورا آخر رف.
خطوات تقيلة دخلت.
صوت محمود سبق وشه.
دور كويس... الملف الأزرق مش موجود.
رد عليه راجل غريب
أنا فتشت فوق وتحت... لو حد أخده يبقى إحنا في مشكلة.
قلب نرمين كان هيقف.
الملف الأزرق؟
هي أصلاً معاها الملف البني.
يبقى فيه ملف تاني أخطر.
فضلوا يقلبوا المخزن حوالي عشر دقايق.
وفي لحظة، الراجل الغريب وقف قدام الرف اللي مستخبية وراه.
مد إيده ناحية الكراتين...
لكن موبايل محمود رن.
خرجوا بسرعة يردوا على المكالمة.
أول ما الأصوات بعدت...
نرمين خرجت من مخبأها، وخدت الملف البني، وطلعت تجري على أوضتها قبل ما حد ياخد باله.
قفلت الباب.
بدأت تقلب الورق بهدوء.
كل صفحة كانت أغرب من اللي قبلها.
عقود...
توكيلات...
وصور من بطاقات شخصية.
لكن آخر ظرف كان مختلف.
كان مكتوب عليه بخط إيد كريم
لا يُفتح إلا عند الضرورة.
ترددت.
لكن فضولها غلبها.
فتحت الظرف.
كان جواه فلاشة صغيرة، ومعاها ورقة مكتوب فيها
لو الورقة دي وصلت لأي حد غيري... اعرف إن كل حاجة انتهت.
في نفس اللحظة...
وصلها إشعار على موبايلها.
رسالة من رقم مجهول.
ما تفتحيش الفلاشة... لو فتحتيها هتعرضي نفسك واللي حواليكي للخطر.
شهقت.
بصت حوالين الأوضة.
هي ما قالتش لحد إنها لقت الفلاشة.
يبقى...
مين اللي عرف إنها دلوقتي ماسكاها؟
وقبل ما تلحق تستوعب...
سمعت صوت خفيف جاي من برة البلكونة.
قربت بحذر.
ستارة الأوضة كانت مفتوحة سنة.
ولما بصت من بينها...
شافت شخص واقف في جنينة الفيلا، رافع رأسه ناحيتها...
وكأنه كان
طفت نور الأوضة فورًا، ووقفت ورا الستارة من غير ما تبان.
الشخص اللي في الجنينة فضل واقف ثواني، وبعدها طلع موبايله، واتكلم بصوت منخفض ما قدرتش