كان باقى على فرح اختى سبعة ايام

لمحة نيوز

اللي كنتِ مقتنعة إن الفرح هيفشل؟
وأرد عليها لحد النهارده لما أفتكره بحمد ربنا.
لكن في ليلة شتوية هادئة...
وأنا برتب دولاب أبويا بعد ما قرر يحيل نفسه للراحة، لقيت ظرفًا صغيرًا مكتوبًا عليه بخط إيده
يفتح بعد خمس سنوات من فرح نورهان.
اتجمدت مكاني.
ناديت أمي ونورهان وأبويا.
ابتسم وقال افتحيه.
فتحت الظرف...
كان جواه ورقة واحدة.
قرأتها بصوت مرتعش
يا ولادي... اللي شفته في حياتي علمني إن الفلوس بتحافظ على البيت لو كانت وسيلة، لكنها بتهده لو بقت غاية. أوعوا يوم تختلفوا على ميراث، ولا على بيت، ولا على أرض. لو جيه يوم واحتجتم تبيعوا أي حاجة، بيعوا برضاكم، لكن عمركم ما تبيعوا بعض.
سكتنا كلنا.
نورهان وهي بتبكي.
وأمي قالت أهو ده أغلى ميراث.
ابتسم أبويا وقال كنت عايز الرسالة دي توصلكم بعد ما كل واحد يستقر في حياته، عشان تعرفوا إن العيلة أهم من أي ممتلكات.
خرجنا بعدها للبلكونة.
كان نفس هواء الفجر اللي وقفت فيه يوم الكابوس.
لكن المرة دي...
ماكنش فيه خوف.
ولا قلق.
ولا دموع.
كان فيه سكينة، ورضا، وإحساس إن ربنا إذا حفظ القلوب، حفظ البيوت كلها.
وهكذا انتهت الحكاية... نهاية هادئة، مليئة بالمحبة، ومن غير خيانة، ومن غير فراق، ومن غير أن يخسر أحد عائلته. بعد مرور أكثر من عشرين سنة...
كنت أنا ونورهان
بقينا جدات، وأحفادنا بقوا يملوا البيت بالحركة والضحك.
وفي يوم، حفيدتي الصغيرة سألتني وهي قاعدة 
يا تيتة... هو صحيح الأحلام ممكن تغير حياة الإنسان؟
ابتسمت، وبصيت لصورة قديمة معلقة على الحيطة... صورة فرح نورهان.
وقلت لها
الأحلام ما بتغيرش حياتنا يا حبيبتي... لكن أحيانًا بتخلينا نصحى بدري ونحافظ على اللي بنحبه.
استغربت وسألت إزاي؟
قلت لها
قبل فرح خالتك نورهان، كنت كل ليلة أشوف كابوس يخوفني. ولما صحيت، بقيت أراقب كل حاجة، وأدعي ربنا كتير، وأتمسك إننا ما نظلمش حد ولا نسمح لحد يضغط علينا.
في اللحظة دي، دخل أحمد ابن خالتي، وكان شعره كله بقى أبيض.
ضحك وقال لسه بتحكي لهم حكاية الكابوس؟
ضحكت أنا كمان وقلت دي بقت حكاية العيلة.
قعد وسط الأحفاد وقال
طيب تعرفوا النهاية الحقيقية؟
كل الأطفال سكتوا.
قال
مش أهم حاجة إن الفرح تم... ولا إن ربنا وسّع رزقنا... أهم حاجة إن من يومها بقينا كل ما نقابل مشكلة، نقعد ونتكلم مع بعض قبل ما نغلط في حق بعض.
هزت أمي رأسها، وكانت قد كبرت جدًا في السن، وقالت بصوت هادئ
البيوت ما بتقعش من الفقر... البيوت بتقع لما القلوب تبعد.
ساد صمت جميل.
ثم تعالت ضحكات الأطفال وهم يجرون في الحديقة، لا يعرفون كم مرّت هذه العائلة من خوف حتى وصلت إلى هذا السلام.
رفعت عيني إلى
السماء، وقلت في سري
الحمد لله على كل نعمة... وعلى كل كابوس لم يتحقق.
وأغلقت ألبوم الصور، بينما كانت آخر صورة فيه تجمع كل أفراد العائلة، بابتسامة واحدة... لم ينقصها أحد.
تمت بحمد الله. بعد رحيل أبويا بثلاث سنوات، كنا ما زلنا نجتمع كل يوم جمعة في بيت أمي، تنفيذًا لوصيته.
وفي إحدى الجمعات، وبينما كنا نتناول الغداء، دخل حفيدي الصغير وهو يحمل صندوقًا قديمًا وجده في مخزن السطح.
قال وهو يضحك يا تيتا... ده بتاع مين؟
بصت أمي للصندوق، وفجأة تغيرت ملامحها.
قالت بهدوء ده الصندوق اللي أبوكم كان بيحتفظ فيه بكل الذكريات.
فتحناه بحذر.
لم نجد أموالًا ولا مجوهرات، بل صورًا قديمة، وخطابات، وأول عقد إيجار للمحل الصغير الذي بدأ منه أبويا حياته، وأول خمسة جنيهات كسبهم من شغله، محتفظًا بهم داخل إطار زجاجي.
وفي آخر الصندوق كان هناك كشكول صغير.
فتحته نورهان، فوجدت في آخر صفحة عبارة كتبها أبويا
إذا اجتمعتم يومًا على هذا الصندوق، فاعرفوا أنني كنت أغنى رجل في الدنيا... ليس بما أملك، ولكن لأن الله رزقني أولادًا لم يختلفوا على الدنيا.
ساد الصمت.
أمي مسحت دموعها وقالت دي كانت أمنيته الوحيدة.
نظرنا إلى بعضنا، ثم اتفقنا في نفس اللحظة على أن يبقى الصندوق كما هو، لا يملكه شخص واحد، بل يظل في بيت العائلة، تنتقل
حراسته من جيل إلى جيل، ليذكر الجميع بأن المحبة أغلى من أي ميراث.
خرجنا إلى الحديقة، وكان أحفادنا يلعبون معًا، لا يعرفون شيئًا عن الكابوس الذي بدأ منه كل شيء.
ابتسمت وأنا أراقبهم، وقلت في سري
الحمد لله... الكابوس انتهى منذ سنوات، لكن الدرس الذي تعلمناه منه سيبقى ما بقيت عائلتنا.
وهكذا ظلت الحكاية تُروى في كل مناسبة، ليس لأنها بدأت بكابوس... بل لأنها انتهت بعائلة لم يفرقها الطمع، ولم تهزمها الأيام. النهاية بعد سنوات طويلة...
رحلت أمي بهدوء، بعدما أوصتنا أن يظل بيت العائلة مفتوحًا دائمًا، وألا يُغلق بابه في وجه أحد من أولادها أو أحفادها.
نفذنا وصيتها.
كل عيد، وكل مناسبة، كنا نجتمع في نفس البيت.
وفي أحد الأيام، بينما كان أحفادي ينظفون المكتبة القديمة، وجدوا دفترًا صغيرًا لم نره من قبل.
ناولوه لي.
فتحت أول صفحة...
وتجمدت.
كان الدفتر بخط يدي أنا.
بدأت أقرأ، وإذا به مذكرات كنت أكتبها وأنا في العشرين من عمري.
وفي أول صفحة كتبت
اليوم هو أول ليلة رأيت فيها ذلك الكابوس... ولا أعرف لماذا أشعر أن الله يرسل لي رسالة، ليست لأخاف... بل لأحافظ على أهلي.
ابتسمت وأنا أقلب الصفحات.
وجدت فيها كل تفاصيل أسبوع الخوف، وكل دعوة دعوتها، وكل لحظة تمنيت فيها أن يمر الفرح على خير.
وفي آخر صفحة، كنت قد
كتبت بعد انتهاء الفرح مباشرة
لو قرأت هذه الكلمات بعد سنوات، فتذكري أن الله لا
تم نسخ الرابط