كان باقى على فرح اختى سبعة ايام
المحتويات
إن الكابوس انتهى.
لكن وأنا داخلة القاعة، افتكرت كل تفاصيل الحلم.
اكتشفت إن ولا مشهد منه اتحقق.
وقتها فهمت إن الخوف أوقات بيكبر في عقلنا لدرجة يخلينا نصدق إن المصيبة جاية لا محالة، بينما الحقيقة ممكن تكون أبسط بكتير.
دخل العريس مع نورهان القاعة وسط التصفيق والزغاريد، وتم عقد القران، واتحول اليوم من أكثر يوم كنت خايفة منه... إلى أجمل يوم في عمر أختي.
أما أنا، فمن بعدها بطلت أستسلم لأي كابوس، وعرفت إن مش كل حلم بيكون إنذار، وأحيانًا بيكون مجرد خوف من فرحة بنحبها ونخاف عليها.
النهاية بعد مرور سنة كاملة، كانت حياتنا اتغيرت للأحسن.
نورهان كانت سعيدة في بيتها، وأبويا فتح مشروعًا جديدًا من عائد الأرض، وشغّل فيه شبابًا من المنطقة.
وفي يوم، بينما كنا بنرتب المخزن القديم، لقيت دفترًا جلديًا صغيرًا وقع من بين الملفات.
فتحته...
كان يوميات شريك أبويا.
وفي آخر صفحة مكتوب
إذا قرأت هذه الكلمات، فاعرف أن أغلى ميراث يتركه الإنسان ليس المال... بل السمعة الطيبة وردّ الأمانات.
أبويا قفل الدفتر وهو متأثر وقال الفلوس ممكن تروح وتيجي... لكن الإنسان لو خسر ضميره، خسر كل حاجة.
الكلمات دي فضلت ترن في ودني أيام.
وبعدها بشهور، جه شاب بسيط يدور على شغل.
عرفنا إنه ابن الرجل الكبير اللي سلّمنا الأمانة.
أبويا شغّله معاه من غير تردد،
كبر المشروع، وبقى الشاب من أنجح الناس اللي فيه.
وفي عيد زواج نورهان الأول، اتجمعنا كلنا في بيت أبويا.
ضحكنا، واتصورنا، وافتكرنا ليلة الفرح اللي كنت فاكرة إنها هتبقى أسوأ ليلة في حياتنا.
ابتسمت وأنا ببص للعيلة حواليّ.
وقلت في نفسي
الحمد لله... أحيانًا الخوف يرسم لنا نهاية مظلمة، لكن الواقع يكتب بداية أجمل مما نتخيل.
وانتهت الحكاية، وبقيت كلما تذكرت ذلك الكابوس، أحمد الله أنه كان مجرد حلم... بينما الحقيقة كانت مليئة بالخير والستر ولمّ الشمل. بعد أسبوعين من الفرح، كانت الحياة رجعت لطبيعتها.
نورهان بدأت تتأقلم في بيتها الجديد، وأبويا بقى يروح كل يوم يتابع إجراءات استلام المحلات اللي رجعتله.
وفي يوم العصر، وإحنا قاعدين بنشرب شاي، رن جرس الباب.
فتحت أمي.
لقيت راجل كبير في السن، ومعاه شاب صغير.
الراجل قال أنا آسف إني جاي من غير ميعاد... بس لازم أوصل الأمانة دي.
حط صندوق خشب صغير على الترابيزة.
وقال الصندوق ده كان عند شريك قديم لوالدكم، وطلب مني ما يتفتحش إلا بعد ما بنته الكبيرة تفرح.
كلنا بصينا لبعض باستغراب.
أبويا فتح الصندوق بهدوء.
كان جواه ظرف أصفر قديم، ومفتاح نحاس، وصورة قديمة بالأبيض والأسود.
في الصورة، كان أبويا واقف مع صاحبه قدام بيت قديم.
فتح الظرف.
كان فيه جواب مكتوب بخط اليد
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى ربنا كتب إننا نتقابل حتى لو بعد العمر كله. المفتاح ده مفتاح مخزن قديم فيه أوراق وحقوق باسمك، وأنا حافظتها ليك عشان ولادي ما يضيعوهاش.
سكت أبويا لحظة، والدموع نزلت من عينه.
تاني يوم، رحنا كلنا للمخزن.
المكان كان مقفول من سنين.
فتحنا الباب بالمفتاح...
ولقينا صناديق مليانة دفاتر ومستندات قديمة، وفي آخر المخزن خزنة حديد صغيرة.
فتحها أبويا.
كان جواها أوراق تثبت ملكية قطعة أرض اشتراها زمان مع شريكه، لكن محدش كان يعرف إنها لسه باسمهم.
بعد شهور من إنهاء الإجراءات، اتباعت الأرض بمبلغ كبير.
أول حاجة عملها أبويا، إنه اشترى بيتًا أكبر للعيلة، واحتفظ بالشقة القديمة باسم أمي، وقال وهو بيبتسم
البيت ده عمره ما هيكون سبب خلاف... ولا هيخرج من اسم أمكم طول ما أنا عايش.
بصيت له وافتكرت الكابوس.
في الحلم، كنا خسرنا بيتنا بسبب الطمع.
أما في الحقيقة...
ربنا حفظ بيتنا، وزادنا من فضله، لأن أبويا عمره ما فرّط في حق عيلته.
النهاية الحقيقية مرت عشر سنوات...
وفي صباح يوم الجمعة، كان بيتنا مليان أحفاد أبويا.
الجري في كل مكان، والضحك مالي البيت، وأمي بتوزع عليهم الحلويات وهي فرحانة.
فجأة، أبويا نادى علينا كلنا.
قال تعالوا... عايز أحكيلكم حاجة عمري ما قلتها لحد.
قعدنا حواليه
ابتسم وقال فاكرين ليلة فرح نورهان؟
هزينا راسنا.
قال في الليلة دي... أنا كنت فعلًا مديون بمبلغ كبير بسبب مشروع خسرته، وماحبيتش أقولكم عشان فرحتكم.
بصينا لبعض بدهشة.
كمل كنت خايف أضطر أبيع الشقة أو المحلات، لكن ربنا سترها. الشريك القديم رجع حقي في الوقت اللي كنت محتاجه فيه، وكأنها رسالة إن الفرج بييجي في آخر لحظة.
سكت شوية، وبعدين قال للحفيد الكبير
يا عمر... لو كبرت وبقيت راجل، افتكر إن الشدة مش عيب، لكن العيب إنك تظلم حد أو تاكل حقه عشان تخرج من أزمتك.
الحفيد هز راسه وقال حاضر يا جدو.
ابتسم أبويا، ونظر لنا جميعًا وقال
أنا مش سايب لكم ثروة كبيرة... لكن سايب لكم اسمًا نظيفًا. حافظوا عليه.
بعد أشهر قليلة، رحل أبويا بهدوء، بعد عمر طويل.
البيت كله بكى عليه، لكن لم يكن هناك خلاف واحد بيننا.
نفذنا وصيته بالحرف.
بقيت الشقة باسم أمي، وتقاسمنا كل شيء بالمحبة، ولم ترتفع بيننا قضية واحدة، ولا قطيعة.
وفي كل سنة، في ذكرى فرح نورهان، نجتمع في نفس القاعة التي شهدت يومًا أكثر لحظاتنا خوفًا...
ثم أصبح أجمل ذكرى في حياتنا.
وكلما سألنا أحد عن سر تماسك عائلتنا، كنا نبتسم ونقول
لأننا تعلمنا أن الخوف قد يخدع الإنسان... لكن المحبة والعدل هما اللذان يبقيان.
تمت بحمد الله. بعد خمس سنين...
كان بيتنا مليان ضحك الأطفال.
نورهان بقت أم لطفلين، وكل ما تزورنا كانت تقول وهي تضحك
فاكرة يا سحر اليوم
متابعة القراءة