كان عندي 10 سنين
بقوة.
وفجأة همست في ودني
هو بيبص علينا.
لفيت بسرعة.
ملقتش حد.
لكن في آخر الممر...
كان فيه ظل واقف.
ثابت.
ما بيتحركش.
ولما الفانوس وصل نوره له...
اختفى.
خرجنا من الممر بعد دقائق.
لقينا نفسنا في قلب الغابة.
الليل لسه مسيطر.
لكن...
البيت اللي دخلناه من ساعات...
اختفى.
مكانه ما كانش فيه غير أرض فاضية، وشجرة جميزة ضخمة.
نفس الجميزة المرسومة في الخريطة.
جريت ناحية المكان.
البيت فين؟!
نجية قالت بهدوء
البيت ما بيظهرش غير للي اتكتب اسمه.
بصيت للحائط الحجري اللي كان موجود تحت الأرض...
ملقتش أي أثر.
كأن كل اللي عشناه كان حلم.
لكن لما فتحت كفي...
كان المفتاح الأسود لسه فيها.
يبقى كل حاجة حصلت كانت حقيقية.
وفجأة...
نور نزلت من حضني، ومشت ناحية الجميزة.
وقفت عند جذورها.
وبدأت تحفر بإيديها الصغيرين في التراب.
جريت عليها.
بتعملي إيه؟
ما ردتش.
بعد لحظات...
خبطت إيديها في حاجة صلبة.
عمران نزل على ركبته، وشال التراب بسرعة.
ظهر صندوق خشبي صغير.
مقفول بقفل صدئ.
القفل...
كان نفس شكل المفتاح اللي يوسف اداهولي.
بصيت ليوسف.
هز رأسه وقال
افتحيه.
دخلت المفتاح.
لفيته.
القفل فتح بصوت خفيف.
رفعت الغطا...
ولقيت جوه الصندوق منديل أبيض ملفوف بعناية.
ولما فتحته...
وقعت منه خصلة شعر، ورسالة جديدة.
لكن المرة دي...
الرسالة ما كانتش مكتوبة بخط أمي.
ولا بخط أبويا.
كانت بخط شخص مجهول.
وفي أولها جملة واحدة
إذا وصلتِ إلى هذا الصندوق، فاعلمي أن الجميع كذب عليك... حتى أمك طلعت الرسالة من المنديل، وفتحتها بإيدين بيرتعشوا.
كان أول سطر فيها
يا زينة... لو وصلتي للنهاية، يبقى سامحتيني أو لسه بتكرهيني. في الحالتين، لازم تعرفي الحقيقة.
حبست نفسي وأنا بكمل.
أنا أمك هدى... وأنا اللي طلبت من يوسف يخفيكي إنتِ ونور. كنت عارفة إن عبدالجليل هيقتل أي حد يوصل للأمانة، وعشان كده خليت
دموعي نزلت على الورقة.
يوسف همس
كنت فاكر إنها هترجع قبل ما تكبري...
كملت القراءة.
أما سعدية... فهي غلطت في حاجات كتير، لكنها ما قتلتنيش. كانت أداة في إيد عبدالجليل، وكل مرة كانت تحاول ترجع، كان يهدد يقتل أبوكم.
لفيت أبص لسعدية.
كانت منهارة، وبتعيط لأول مرة من غير ما تدافع عن نفسها.
ثم وصلت لآخر الرسالة...
أبوكم حاول ينقذني، ولما عرف الحقيقة، قتل عبدالجليل قدامه رجاله وأخفوه، والناس كلها افتكرت إنه هرب. أبوكم مات وهو بيدافع عنكم... ومحدش عرف.
وقعت الرسالة من إيدي.
يعني...
أبويا ما خاناش.
ولا سابنا.
مات وهو بيحاول يرجعنا.
في اللحظة دي، خرج عبدالجليل من بين الأشجار، وحواليه رجال مسلحون بالعصي.
ابتسم وهو بيقول
خلصتي قراءة؟
قبل ما حد يرد، رفعت سعدية نفسها من على الأرض، وجريت ناحيته.
افتكرنا إنها هتقف معاه...
لكنها خطفت منه السكين اللي في حزامه، وغرزته
كفاية... دمرت حياتنا كلنا!
وقع عبدالجليل على الأرض.
حاول يتكلم، لكن صوته اختفى.
بصلي آخر نظرة، وهمس
سامحيني...
وفارق الحياة.
رجاله هربوا في الغابة أول ما شافوه وقع.
أما سعدية...
فقعدت على الأرض، وسلمت نفسها وهي بتقول
أنا أستحق الحساب... لكن قولوا لزينة إن أمها كانت أشجع ست عرفتها.
بعد أيام، أهل البلد عرفوا الحقيقة كاملة.
فتحوا قبر أمي...
فلقوه خاليًا.
وفتحوا ملف اختفاء أبويا...
ولقوا دليلًا يثبت إنه مات وهو بيحاول ينقذ عيلته.
أما البيت الغريب في وسط الغابة...
فلما رجعنا ندور عليه، ما لقيناش له أي أثر.
كأنه ما كانش موجود أصلًا.
احتفظت بالحجاب النحاس، ورسائل أمي، والصورة القديمة.
وسامحت أبويا...
أما سعدية، فما نسيتش اللي عملته، لكني عرفت إنها دفعت ثمن طمعها وخوفها سنين طويلة.
وأدركت أخيرًا إن أغرب الأسرار مش البيوت المرصودة...
ولا الكنوز المدفونة.
أغرب سر هو إن الحقيقة أحيانًا تفضل مستخبية سنين، لكنها في النهاية بتوصل لصاحبها... مهما طال الزمن.